«السباحتان»: اللاجئون أبطال الهشاشة الخارقون!

في خطّ يمكن تتبعه من فيلمها الأول «أخي الشيطان» (2012)، الذي يحكي قصة شابين من أصل مصري (رشيد ومحمد) ضمن الخلفية القاسية لنزاعات عصابات المخدرات في شرق لندن، تقدّم سالي الحسيني المخرجة البريطانية المصرية، حكاية شابتين سوريتين خلال رحلة لجوئهما المخيفة، في عام 2015، رفقة ابن عمّهما، من دمشق، فتركيا، إلى اليونان، فوق طوف بحريّ مليء بالهروب إلى أوروبا، ثم رحلتهما البرّية عبر أوروبا وصولا إلى برلين في ألمانيا.
يمثّل الفيلم رحلة لمخرجته أيضا، منذ وصول السيناريو إليها، الذي كان يرغب في سرد حكاية يسرى مارديني السبّاحة السورية التي اضطرّت للنزول إلى الماء بعد أن توقّف محرّك القارب، لتخفيف وزن الراكبين المهددين بالغرق، والمساهمة بجرّه، ثم مع تحوّل قصة الفيلم، بعد مشاركة الحسيني (المشغوفة بعلاقات الأشقاء، والدراما الناتجة عن اصطدام المهاجرين، مثلها هي نفسها، بعناصر الواقع الجديد) في كتابته، إلى قصّة مشتركة عن يسرى وشقيقتها سارة، التي كانت موجودة في رحلة الرعب عبر البحر، وعصابات التهريب والحنين واليأس، وحكايات العائلة واللاجئين الآخرين.
صنعت المخرجة، كما تقول في مقابلة معها، فيلما عن «رحلة عاطفية»، و»علاقة حب بين شقيقتين» قادمتين من أجواء عائلة عربية مدنية حديثة، حيث وجدت في القصة كثيرا من التشابهات مع قصتها الخاصة. حملت الحسيني، إذن، على عاتقها، مهمة تقديم الحياة المعقّدة لهذه الشريحة، التي لا تجد اهتماما بها، لأنها لم تجد وجودا لها في السينما، إضافة إلى ذلك، فقد قررت أن تحكي القصة بطريقة مختلفة تعاكس شرائط وصور وتقارير الأخبار عن «اللاجئين»، باعتبارهم سلعا بشرية يقوم المهرّبون بنقلها من مناطق الحروب والبلدان الفقيرة إلى أوروبا الغنية التي تعمل على مكافحتهم.

البحر شخصية فرويدية

على عكس ما ارتأت قراءات عربية للعمل، فإن صانعي الفيلم، قلبوا، عمليّا، لعبة السرد الجاهزة حول اللاجئين، بجعل المشاهد الغربي، يفكّر من خلال الأختين، ويسير معهما في الرحلة المرعبة، لا أن ينظر إليهما، فزعا ومستنكرا ومتأهبا لطردهما عن الشواطئ، كما يحصل حاليا في بريطانيا نفسها. واجه صانعو الفيلم، إذن، الصيغة التقليدية حول اللاجئين التي تقوم على قطبي النظرة إلى آخر مسكين يجب التعاطف معه، بحيث تلاشى الفاصل بين المشاهد الغربيّ واللاجئ، وبذلك واجهوا أيضا الصيغة التقليدية لقصص البطل الرياضي، فحكاية نجاح يسرى مارديني (مثّلت دورها نتالي عيسى)، ستظل متلازمة مع الحزن الدائم على وجهها، وبالتهديد القائم على رأس شقيقتها سارة (مثلت دورها منال عيسى)، المتهمة من قبل السلطات اليونانية بتهريب اللاجئين، وهي تهمة يمكن أن يُحكم عليها بعشرين سنة سجنا، وبالأسى على بلدهما المهدّم، والعائلة التي استدانت عشرة آلاف يورو لتهريبهما، وتنتظر على أمل أن تساعد يسرى، قبل بلوغها الثامنة عشرة، في جمع شملهم في ألمانيا.
هناك لمسة «فرويدية» في اشتغال الحسيني على «شخصية» البحر في الفيلم، حيث أن ما يحدث فوقه يحاول عكس الواقع، وكل ما تحته يعكس «العقل الباطن» للأحداث: ذكريات الأبطال واللاجئين وأحلامهم وأشد كوابيسهم. هناك لمسات أخرى تكاد لا يُنتبه لها من لطفها، حيث يظهر جسر كبير يعبر عليه اللاجئون، فيتحوّل إلى جدارية هائلة لنوم اللاجئة في أحد كهوف أوروبا. إحدى اللمسات الإخراجية الأخرى تمثّلت بمشهدين مهمّين في الفيلم، حيث نشهد في بدايته سقوط كرة على شكل قذيفة، كما نشهد في لقطة أخرى (مركزية لأنها تحسم قرار الخروج من سوريا) سقوط قذيفة حقيقية في بركة السباحة.

سوريا تقصف على وقع أغنية!

يصف صحافي، في جريدة «الأخبار» اللبنانية، في عرضه للفيلم، بأنه عمل «خارج من أقبية الأمم المتحدة»، ويعتبر مساعدة مدرّب السباحة الألماني سفين للاجئة في إيصالها للأولمبياد صورة لـ«الرجل الأبيض المنقذ»، حيث نرى «سوريا تُقصف على صوت أغنية تيتانيوم»، وحيث تتدرّب يسرى في مخيمات اللاجئين على صوت أغنية «لا يمكن إيقافي»، وبالتالي فالعمل هو «سينما المنظمات غير الحكومية»، إضافة إلى احتوائه «كليشيهات الأفلام الرياضية».
باستخدام هذه «الرسالة الحربيّة» للعلاقة مع الآخر (الذي يشمل مظلّة واسعة تضم المنظمات غير الحكومية، والأمم المتحدة، والغرب، وصنّاع الفيلم) يصبح نافلا تجاهل سؤال «من الذي يقصف سوريا»، وتصبح «الرسالة الخفيّة» للنقد، الانتقام من الإشارات إلى دور النظام، من قول سارة لأختها إن كانت تفضّل أن تكون في «حفرة في داريا» (حيث نفذ النظام مجزرة كبيرة للأهالي)، إلى تصوير العسكريّ الذي يحاول التحرّش جنسيا بالأختين، إلى مشهد قاعة الرقص حيث تتعالى الأغاني في ما الصواريخ والقذائف تتساقط على ضاحية في دمشق، مرورا بذكر منع والد السباحتين (مثّل دوره علي سليمان) من المشاركة في بطولة عالمية بإرساله إلى الجندية الإلزامية.
يغيب عن النقد الآنف أيضا أن الأغاني كانت من اقتراح الشقيقتين يسرى وسارة، فكما فعلت المخرجة، بجعل الحكاية الملهمة للشقيقتين حكاية شخصية لها، فقد ساهمت يسرى وسارة بتعديل السيناريو وتقديم بصمتهما الخاصة للتفاصيل، بما في ذلك ذكر الأغاني الأجنبية التي كانتا تستمعان إليها.

التواصل الإنساني كفعل بطولي

لا يقدّم الفيلم، على أي حال، «الغرب»، على الصورة النمطية «الإنسانيّة» المنتقدة، فمقابل سفين، المدرّب الألماني الذي ساعد يسرى وسارة، وقرار أنغيلا ميركل المستشارة الألمانية، بإرسال الحافلات لنقل عشرات آلاف اللاجئين إلى بلادها، هناك الشاب الهنغاريّ الذي حاول اغتصاب الفتاة، وهناك المهرّب الذي يتابع رحلة الاستغلال والابتزاز والسرقة، وهناك الأسلاك الشائكة والكلاب المدرّبة وعناصر الشرطة، وهناك عامل المقهى الذي يرفض بيع الماء للاجئين العِطاش المنهوكين بعد وصولهم إلى جزيرة ليسبوس.
توجه بعض النقد (الصديق الكاتب عديّ الزعبي في منشور له على «فيسبوك») إلى مسألة تحويل قصة السباحتين إلى فيلم بصيغة «نتفليكس» الهوليوودية، قصة نجاح «في عالم فشل تماما وكليا في فهم الثورة السورية»، «قصة نجاح فتاتين دون سياق سياسي أو ديني، أو حتى فني يبيّن حجم الكارثة في تقليص القضية السورية إلى دولاب صغير في ماكينة صنع الأموال الأمريكية المسماة نتفليكس».
يصعب فهم الفيلم، باعتقادي، بتأطيره ضمن إطار صراع الثقافات، أو الشرق والغرب، أو عبر وضع تناقض بين النجاح الفردي لبعض السوريين والفشل الكارثي لسوريا. الفيلم، ببساطة، هو رؤية مخرجة بريطانية من أصل مصري، لقصة وجدت أنها تشبه قصتها، وتابعت فيه مسارها الخاص، بدءا من «أخي الشيطان»، فيلمها السابق، الذي يتابع علاقات أشخاص قادمين من شريحة مدنية عربية حديثة (بمعنى الرؤية للعالم وطريقة الاندماج فيه: نمط الحياة الليبرالي والطموح للأولمبياد والأغاني الأجنبية) عبر رحلة نفسية عند الاصطدام بواقع جديد في بلد غربيّ.
رابطتي الشخصية، بهذا الفيلم، ضمن هذا السياق، أنني هاجرت إلى بريطانيا من بيئة مشابهة، وأن عائلتي، وولديّ، يعيشان بعضا من هذه التناقضات التي تعيش فيها شخصيات «السباحتان» والفيلم السابق عليه. أهمّية الفيلم، في اعتقادي، تنبع من عكس ما افترضه ناقدوه، فسوريا، وكارثتها الهائلة، تحوّلت، بفعل عناصر كثيرة، من تأسيس سرديّة شارك النظام واليمين العنصري في أوروبا، في تشكيلها، وانقسمت فيه السردية السورية إلى عنصرين: الإرهاب، واللجوء.
ما فعله الفيلم، عبر «قصة نجاح فرديّة» أنه قدم فعل اللجوء كعمل بطوليّ، واللاجئين كأبطال خارقين، ولكنّهم، في الوقت نفسه، أبطال هشّون حزينون ضعيفون، يتعرّضون لأشكال فظيعة من الإجرام، لكنّ ذلك لا يجعلهم كائنات تضخّ مرارة وإحباطا وتفجيرا، بل يجعل الاتصال الإنساني، مع الآخرين، ممكنا، وهو أيضا «بطولة خارقة».

كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية