لقد كان اختيار الفيفا لمنح كأس العالم لدولة قطر لتنظيم أكبر تظاهرة عالمية، منعطفا آخر في العدالة الرياضية. تثبت قطر جدارتها كأرض للإنسانية، وكعلامة فارقة في تاريخ هذا الفضاء الكروي الكبير المفتوح للتواصل الإنساني والحضاري، حيث قال أميرها تميم بن حمد آل ثاني في كلمة ختام افتتاح المونديال: «سوف يجتمع الناس على اختلاف أجناسهم وجنسياتهم وعقائدهم هنا في قطر وحول الشاشات في جميع القارات للمشاركة في لحظات الإثارة نفسها، ما أجمل أن يضع الناس ما يفرقهم جانبا لكي يحتفلوا بتنوعهم، وما يجمعهم في الوقت ذاته، أتمنى لجميع الفرق المشاركة، أداء كرويا رائعا.. لتكن أيام كأس العالم ملهمة بالخير والأمل ونرحب بالعالم في دوحة الجميع». وهذه المنافسة الكروية في قطر تستمر في جذب الأنظار الشغوفة لأكثر من 3.5 مليار شخص، أو ما يقرب من نصف سكان العالم.
أكثر من عرض قدمته مجلة «فوت- بيزنس» ووسائل إعلام كثيرة، استثمرت كرة القدم، لسنوات، جميع مجالات المجتمع، بما في ذلك الأوساط الفكرية والأكاديمية. في الخمسينيات من القرن الماضي، كان الكاتب والشاعر والصحافي والمخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، أول مفكر أوروبي يكتب عن مسابقات كرة القدم في الصحف اليومية. وهكذا غطى بازوليني العديد من المباريات على الأراضي الإيطالية لـ«يونيتا»، لسان الحزب الشيوعي الإيطالي، المعادلة الآن لجريدة «الإنسانية» الفرنسية. في الوقت نفسه في الأوساط العلمية، على الرغم من أن الرياضة لم تكن موضوع دراسة معترف بها من قبل العلوم الاجتماعية، إلا أن علماء الاجتماع إريك دانينغ ونوربيرت إلياس يضعون في إنكلترا (مسقط رأس هذه الرياضة) اللبنات الأساسية لعلم اجتماع كرة القدم. منذ الثمانينيات فصاعدا، عندما أصبحت كرة القدم شائعة، تم بثها على شاشات التلفزيون، وأصبحت آنذاك واحدة من أولى الرياضات الأوروبية الجماهيرية من حيث المتابعة والمشاهدة، منذ ذلك الحين اعتبر علماء الاجتماع والمؤرخين كرة القدم موضوعا للدراسة والبحث العلمي.
التسعينيات: طفرة الدراسات عن كرة القدم
في عام 1992، قدم المؤرخ الإنكليزي الشهير إريك هوبسباوم (1917-2012) تحليلا اجتماعيا لكرة القدم لا يزال الباحثون يعتمدونه لحد اليوم في الدراسات الخاصة بالرياضة والمجتمع: «الشيء الذي يجعل من الرياضة فعالة بشكل فريد كوسيلة لغرس الشعور الوطني، على الأقل بالنسبة للرجال، هو السهولة التي يمكن بها للأفراد الأقل تسييسا والأقل اندماجا في المجال العام لبلدانهم. يستطيعون بحضور الرياضة (كرة القدم) أن يتماهوا مع الأمة التي يرمز إليها الشباب الذين يتفوقون في مجال ما، حيث يرغب جميع الرجال تقريبا في النجاح أو يرغبون في ذلك في مرحلة ما من حياتهم. يبدو المجتمع المتخيل المكون من ملايين الأشخاص أكثر واقعية عندما يتم تقليصه إلى أحد عشر لاعبا نعرف أسماءهم. على أرضية الملعب».
منذ تسعينيات القرن الماضي، أثارت نهائيات كأس العالم اهتمام العلوم الاجتماعية التي نشرت ونظمت أحداثا علمية في مناسبتها. ففي فرنسا مثلا، تنشر مجلة «تاريخ القرن العشرين» لأول مرة ملفا مخصصا لكرة القدم في عام 1990، خلال الحدث الذي يقام في إيطاليا. في عام 1994، جاء دور مجلة «عقود بحوث في العلوم الاجتماعية (Actes de la recherche en sciences Sociales) التي أنشأها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930- 2002) لنشر ملف مخصص بالكامل لكرة القدم. بعد ذلك، نشرت مجلة الجمعيات والتمثيلات في عام 1998 ملفا بعنوان «كرة القدم والجمعيات»، نتج عنه مؤتمر كبير تم تنظيمه في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي لتقييم عشرين عاما من البحث الدولي حول كرة القدم وأساليب ممارستها. منذ ذلك الحين، تضاعف العمل في العلوم الاجتماعية حول هذا الموضوع: أطروحات الدكتوراه، والكتب، ومراجعة تاريخ كرة القدم، والمقالات العلمية، والمؤتمرات والندوات أحدها، «كرة القدم والعلوم الاجتماعية»، وكذلك حتى داخل المدرسة المرموقة العليا للأساتذة في باريس.
من الصعب التحدث عن كرة القدم علميا؟
يؤكد عالم الاجتماع بيير بورديو، مع ذلك، أن كرة القدم (والرياضات التي تحظى بتغطية اعلامية مكثفة بشكل عام) مزينة بشاشة من الخطب المبنية مسبقا أو العاطفية ويعدونها: «أسوأ عقبة أمام عمل البحث العلمي». من الصعب التحدث علميا عن الرياضة لأنها، بمعنى ما، سهلة للغاية: لا يوجد أحد ليست لديه فكرة حول هذا الموضوع الرياضي ولا يشعر بأي عقدة أو ذنب على الإدلاء بآرائه وتحليلاته وتعليقاته حول هذا الموضوع، لأنه في الواقع يعتقد أنها لا تتطلب ذكاء خارقا. المشهد الرياضي المتلفز يقدم للمشاهد حقيقة مزدوجة: من ناحية، الحدث الحقيقي (المنافسة الرياضية بالمعنى الدقيق للكلمة)، ومن ناحية أخرى، الحدث الرمزي، الذي يُشاهد مع أبطاله وطقوسه، والمعلق عليه بإسهاب من قبل وسائل الإعلام التي تنتج «تأثيرا واقعيا» حسب تعبير كلمة رولان بارت.
إثنية العلاقات الاجتماعية تتسلل إلى الميدان
كان هذا هو الحال بالنسبة لفريق كرة القدم الفرنسي، الذي أطلق عليه الصحافيون اسم «أبيض/ أسود»، ويحتفلون بنموذج التكامل المختلط بعد فوزه بكأس العالم 1998. وقال مستشار وزير الداخلية في ذلك الوقت في أعقاب ذلك، أن اللاعب زيدان ذا الأصول الجزائرية فعل أكثر من خلال المراوغة والارتعاش أكثر من عشرة أو خمسة عشر عاما من سياسة الاندماج للمهاجرين في فرنسا».
ثم تظهر الشخصية الإعلامية للرياضي المهاجر، الذي ينجح من خلال الرياضة تدريجيا في سياق إثنية العلاقات الاجتماعية. كرة القدم الاحترافية هي من بين التخصصات الأخرى مثل، ألعاب القوى أو الملاكمة، كأحد أماكن رؤية الفرنسيين الذين تشير قصصهم العائلية، من ناحية، الروابط التاريخية بين الأمة ومستعمراتها السابقة، لتنوع بوتقة الانصهار الوطنية. وبالتالي، فإن كرة القدم الفرنسية لها وجهان: وجه – للمساهمة الإيجابية للتهجين في المنتخبات الوطنية والأندية المحترفة. ووجه آخر مخالف – الاحتفاء بالأصول العائلية واستخداماتها الأيديولوجية. لقد خلقت هذه الأحداث الرياضية تدريجيا أساطير جلبت نصيبها من الأحلام إلى جميع بلدان العالم، وجميع الطبقات الاجتماعية والأجيال مجتمعة داخل المجتمع المختلط عرقيا.
أبطال قوميون من أجل مجتمع غير مسيس
بالنسبة للمؤرخين وعلماء السياسة وعلماء الاجتماع، تعتبر نهائيات كأس العالم مقياسا لمكانة الدول ومهمتها، هي تعزيز الكبرياء الوطني الذي غالبا ما يتم تقويضه، أو حتى اعتباره مشتبها فيه في ظروف أخرى. خلال كأس العالم، يحمل تعبير الأمة وألوانها أحد عشر لاعبا تُعرف أسماؤهم ووجوههم ومساراتهم الشخصية. ثم يصبحون حكام العصر الحديث. في مجتمع، المشهد لدينا، يؤثر تأثير الواقع والقرب هذا على الأشخاص الأقل تسييسا والأقل مشاركة في النقاش العام ويروج لظاهرة تحديد الهوية. يغذي تزامن تدفقات الصور أنظمة التمثيل التي تنتقل عبر السنين والأجيال. في هذه الملحمة الحديثة، ليست النتائج الصارمة التي نتذكرها، بل إيماءات الأبطال أو الخونة، التي تجلت في العديد من الشخصيات الأسطورية: الصدمة الأمامية «باتيستون / شوماخر» في كأس العالم في إشبيلية 1982 وآثارها على العلاقات الفرنسية الألمانية، «يد الله» لمارادونا في عام 1986، «ضربة رأس» لزيدان في النهائي ضد إيطاليا في عام 2006، وإخفاق «كنيسنا» للفريق الفرنسي في عام 20 يونيو/حزيران 2010 بكأس العالم في جنوب افريقيا.
الجدل المثار في أوروبا حول كأس العالم في قطر، الذي رد عليه جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث هاجم مؤخرا الهجمة الممنهجة لوسائل الإعلام الغربية على قطر، واتهم الإعلام الغربي بالنفاق، وقال إن ظروف العمال في قطر أفضل من ظروف المهاجرين في أوروبا. وأضاف إنفانتينو: «عندما أنظر إلى ما فعلناه، نحن الأوروبيين، خلال 3000 عام السابق، أرى أنه يجب علينا الاعتذار لمدة 3000 سنة مقبلة قبل أن نبدأ بتقديم دروس أخلاقية لبقية دول العالم». وما تابعه من رد مقنع من طرف دولة قطر المنظمة لكأس العالم في دورته 22، حول شفافية وإنسانية معاملتها للمهاجرين المشاركين في مواقع بناء الملاعب في قطر، حسب دفتر تحملات مضبوطة تصون إنسانية العمال، وتحترم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مع تأكيد على احترام خصوصية الثقافة والعادات المحلية للبلد المستضيف، أعطى وضعا إنسانيا متنوعا في قلب اللعبة. وهكذا يصبح كأس العالم لكرة القدم مرآة للمجتمع والعولمة، حيث تشكل المسابقات تاريخا لعصرنا، مكتوبا على إيقاع مدته أربع سنوات.
أخيرا، فإن كرة القدم الأمم هذه والحفل الكروي مرتبطان ارتباطا وثيقا بكرة القدم للأندية «من الأسفل» التي تسبقها وتزودها بالنخب التي دربتها بصبر وخبرة أثناء البطولات الوطنية. وهي مستمرة في مواجهة الرياح والمد والجزر لتلعب دورها التربوي والتنظيم الاجتماعي في القرى والضواحي. وبهذا المعنى، فإن كرة القدم ليست مجرد مرآة حسب، بل هي أيضا مختبر لمجتمعاتنا.
وليام جاسباريني: أستاذ علم اجتماع الرياضة، جامعة ستراسبورغ
ترجمة بتصرف عن موقع The conversation