ستيفن سبيلبرغ يحتفي بالسينما عبر سيرته الذاتية

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: ستيفن سبيلبرغ مخرج فيلم «فابيلمانز»، الذي عرض في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي مؤخرا، هو واحد من المخرجين القلائل الذين صنعوا أفلاما عن سيرهم الذاتية، مثل فريدريكو فلييني، الذي تقاطعت سيرته الذاتية مع كثير من أفلامه، وإيليا كازان في فيلم «أمريكا أمريكا» وبوب فوبس في فيلم «كل هذا الجاز»، وباولو سورينتينو في فيلم «يد الإله»، إضافة الى يوسف شاهين الذي قدم سيرته الذاتية في أربعة أفلام، هي «اسكندرية ليه»، و»حدوتة مصرية» و»اسكندرية كمان وكمان»، و»اسكندرية نيويورك»، وأخيرا بيدرو المودوفار في فيلم «ألم ومجد».

السيرة الذاتية

وتقديم السيرة الذاتية، تجربة شديدة الخصوصية والمخاطر، فالمخرج هنا يكشف نفسه أمام جمهوره، يعترف بأمور وتفاصيل كان يمكن أن ينأى عن الاعتراف بها، هروبا من تحويله أمام الجمهور من صانع للسحر إلى مجرد قصة. ولكن سبيلبرغ لم يخجل أبدا من نسج عناصر من تاريخ عائلته في أفلامه، فقد تحدث في لقاءات مختلفة، عن تأثره بقصص والده في الحرب العالمية الثانية عام 1941 في فيلم «إنقاذ الجندي رايان»، وتأثره بطلاق والديه في أفلام مثل «إي تي» أو «كاتش مي إ فيو كان».
وهو في «فابيلمانز» اختار أن يؤرخ ويعود بالزمن عبر السينما، ليرى من خلالها ويتعرف مع الجمهور على ذاته، ويفهم معه كيف وصل إلى الشخصية التي أصبح عليها الآن، فاستخدم السينما في البوح وحكي القصص حول الإنسان والأسرة والمدن والذكريات التي صنعته. يتذكر حياته الأسرية المعقدة وحبه المبكر لصناعة الأفلام، فالفيلم يدور حول الشغف بالسينما، والارتباط بها منذ الطفولة، وتأثير الأسرة والعلاقات المختلفة على هذا الشغف، مما يذكرنا بأفلام مشابهة مثل «سينما باراديسو».
يتابع الفيلم سامي من سن 7 إلى 18 عاما، ويبدأ سبيلبرغ من ليلة شديدة البرودة من عام 1952، حيث شاهد سامي فيلم «ذا كراتيست شو إن ذا إيرث»، مع والدته، ميتزي «ميشيل ويليامز»، ووالده بيرت «بول دانو». يثير تحطم القطار في الفيلم شغفا لدى الطفل، صاحب السبع سنوات، فيجعله يصر على تحطيم مجموعة القطارات الخاصة به وتصوير الحركة، وهي أول علامة على عين المخرج الناشئ، ودليل على أنه يتمتع بإحساس بصري حقيقي سيحول يوما ما هوايته الناشئة إلى مهنة قوية.
ينقل سبيلبرغ ببراعة من خلال ماتيو زوريون، وهو الطفل الذي قدم شخصية البطل، إحساس الدهشة الذي شعر به عند اكتشاف الأفلام والسعي لإتقان الحرفة، ويوضح إحساسه بالتكوين ووضع الكاميرا وإيجاد حلول بسيطة للمشاكل التي يمكن أن يقابلها، مثل استخدام المناديل الورقية لتغطية أجساد شقيقاته ليقمن بأدوار مومياوات.
يمكننا تقسيم الفيلم الى عدة فصول، الأول الذي نتعرف فيه على سامي، وهو الاسم الذي اختاره سبيلبرغ وتوني كوشنر، شريكه في الكتابة، للبطل الذي يجسد من خلاله شخصيته، ونتعرف على عائلته، التي تبدو في البداية سعيدة فهي مكونة من أم فنانة وموهوبة وتشجع ابنها سامي على تنمية موهبته، وأب عبقري في مجال الهندسة، وثلاثة أخوة يعيشون جميعهم في استقرار. يتجول المشاهد مع كاميرا سبيلبرغ في منزل «فابيلمانز» في نيوجرزي لنشعر بحميمية مع هذه الأسرة وحياتها الحالمة، فالكاميرا تأخذ المشاهد بانسيابية إلى جميع أنحاء المنزل، بكل تفاصيله، البيانو، وأجهزة التلفزيون، والمطبخ، ليبدو كل شيء جميلا ومرتبا.
واعتمد جون وليم في الموسيقى على المقطوعات الحالمة التي تعزفها ميتزي على البيانو، والتي كانت معبرة عن شخصيتها، وعن الصورة التي يتخيلها سامي ونتصورها معه عن العائلة، ثم جاءت الموسيقى بعد ذلك معبرة عن التحولات التي حدثت للشخصيات التي رسمت بدقة في السيناريو.
ومع مرور الوقت نكتشف مع سامي، في فصل ثان من الفيلم عندما ينتقل مع عائلته إلى أريزونا بعد وصوله الى سن المراهقة، أن علاقة الأب والأم ليست كما تظهر لنا أو كما كانت تظهر له، فالأب بعيد باهتماماته عن الأم الموهوبة التي فشلت في تحقيق أحلامها وحاولت ان تعوض ذلك بالاهتمام بأبنائها لكن هذا لم يجعلها سعيدة. ويواصل سامي انشغاله بالسينما ويجمع زملاءه في الكشافة في فيلم مستوحى من أفلام جون فورد، ويستخدم إمكانيات ضعيفة في صنع فيلم محكم. ولكن سنوات تكوين الشاب سامي تتأثر بحياته المنزلية المتوترة، بسبب التناقض بين الأم الموهوبة، التي تدعم عشقه للسينما وتساعده في تحقيق حلمه، والأب الذي يرى صناعة الأفلام مجرد «هواية» غير عملية، وكأنه تناقض بين العلم والفن. هذا التناقض والإحباط، الذي لم تتمكن ميتزي من تجاوزه، ربما يكون هو السبب في وقوعها في حب «بيني» صديق الأب.
المفارقة أن اكتشاف سامي للحقيقة جاء عن طريق السينما، فالسينما تستمد سحرها من أنها الحقيقة والخيال في آن حيث يمكن للكاميرا رؤية الأشياء التي تفتقدها العين البشرية، ويمكنها كشف الأسرار المؤلمة.
ففي إحدى العطلات قام سامي بتصوير رحلة عائلية وأثناء قيامه بعملية المونتاج للفيلم، يكتشف الحقيقة التي سيكون لها أكبر الأثر في حياته، حيث يدرك من خلال بعض المشاهد أن علاقة والدته مع أفضل أصدقاء والده، بيني «سيث روجن» لها طبيعة أخرى غير معلنة.
في هذه اللحظة أصبحت مساحته الآمنة وهي «السينما» مؤلمة لأنها كشفت له حقيقة كان يود ألا يكتشفها. وفي مشهد مؤثر يعرض هذه اللقطات على أمه، وأثناء مشاهدتها تظل الكاميرا على وجهها وهي تنهار، لتؤكد له أن العلاقة غير مكتملة، إلا أنه لا يزال يراها علاقة ملعونة، ولكنه أيضا لا ينسى لها رعايتها لموهبته، وهو ما يشعره بالتمزق.
نجحت ميشيل وليامز في تقمص دور ميتزي، والدة سامي، مما يرشحها بقوة للفوز بجائزة أوسكار أحسن ممثلة مساعدة، إذ نجحت في تجسيد الشخصية القوية والمحطمة في آن. فمن السهل أن نلمس في أدائها الحزن الدفين، والأحلام المقتولة، فهي موسيقية موهوبة لم تتحقق طموحاتها الفنية، وتقوم بمحاولات جاهدة أن تداري هذه المشاعر من خلال الاهتمام بأسرتها وبعض المغامرات المتهورة، مثل تكديس الأطفال في السيارة لمطاردة إعصار، وكأنها تطارد أحلامها التي أخمدت. ففي مشهد رائع نجحت ويليامز في أن تجعلنا نشعر بالحزن الكامن في نظراتها المسروقة، رغم انهماكها في الرقص، وأنار مدير التصوير بانوش كامينيسكي المشهد من الخلف بإضاءة خافتة بواسطة المصابيح الأمامية ما كثف الشعور بالحزن والشجن، وإن كان اعتمد في كثير من مشاهد الفيلم على الإضاءة الطبيعية، التي نجح في استخدامها مما حقق نسبة كبيرة من المصداقية والتأثير الدرامي.

بين الأسرة والسينما

ونقل سيث روجين في أدائه لشخصية بيني، شعوره المتناقض بين حبه لصديقه، وإحساسه بالذنب تجاهه بسبب علاقته بزوجته، وكان مشهد إصراره على منح سامي الكاميرا، التي يحلم بها كهدية، رغم رفضه الشديد، من المشاهد المؤثرة بشدة بسبب أداء روجين وغابريل لابيل، الذي برع في تجسيد شخصية سبيلبرغ كمراهق ممزق بين حبه للأفلام، وحبه للأسرة، مجسدا كل تقلبات الشخصية في هذه المرحلة الحرجة، التي تتميز بكثير من الحيرة والتوتر، وهو ما تم التعبير عنه من قبل بوريس، عم والدة سامي، الذي يأتي إلى المنزل في زيارة غير متوقعة، وأدى دوره الممثل جود هيرش، وهو ممثل سيرك سابق وأفلام صامتة، يظهر على الشاشة لمدة لا تزيد عن 10 دقائق، ولكن وجوده كان قويا ومؤثرا، حيث يقول لسامي: «سيمنحك الفن تيجانا في السماء وأمجادا على الأرض، ولكنه أيضا، سوف يمزق قلبك»، ويؤكد على الصراع بين الفن والأسرة، قائلا: «العائلة، الفن – ستمزقك إلى نصفين وتتركك وحيدا». ولكنه يتنبأ لسامي بالانتصار للفن حين يقول له «الفن مخدر ونحن مدمنون». وأخيرا يحقق سامي نبوءة بوريس وينتصر للسينما، لينتهي الفيلم بمقابلة سامي مع جون فورد المسن وغريب الأطوار، الذي يعلمه درسا هاما وهو أن الأفق لا يجب أبدا أن يكون في الوسط. وينجح سبيلبرغ في أن ينجو بالفيلم من الميلودراما العائلية ليصبح احتفالية بالسينما ومحبيها في العالم كله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية