عقلية جوبز في أرض الفرص

حجم الخط
1

لم يكن عبقري الإدارة والأعمال ستيف جوبز لينجح لولا توفر أرضية خصبة من الفرص تتوافق مع أفكاره وطموحاته.
وسنفرض وجود نسخة طبق الأصل عنه ولدت وعاشت في سورية، وعلى اعتبار أنّه لم يكمل دراسته، وبسبب انعدام الفرص في سورية لن يجد أمامه سوى العمل كبائع على «بسطة» أو كومجي أو في مجال التمديدات الكهربائية أو الصحية، هذا إذا ما أراد تأسيس عمل خاص به، أما إذا ما قرّر العمل في مؤسسات الدولة فكان سيعمل مستخدما في مدرسة أو دائرة حكومية ما. وباعتبار أنّ موهبة الإدارة واقتناص الفرص أمران فطريان عنده فستبقى تلك المواهب محبوسة في صدره بانتظار فرصتها، كما كان سيبقى على تلك الحال حتى أواخر عام 2011 حيث سيدفعه حسّه الفطري باقتناص الفرص لبدء مسيرته نحو النجوم، كما كانت ستتعدد السبل أمامه، فمن الممكن أن يبدأ بتأسيس كتيبة تتطوّر إلى لواء ثمّ فرقة وقد يحوّلها إلى شيء يسميه «جبهة ثوار ما»، أو يعمل في تجـــــارة الســـلاح والذخيرة على اعتبار أن الحرب طالت والناس تريد أن تدبّر حاجاتها.
من الجائز أن لا يشارك في الأعمال القتالية فهو وحيد ولم يُسق إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، لذلك قد يفضل العمل المدني. وهنا سيبدأ بجمعية خيرية تتلقى معونات من الداعمين ثمّ توزّع من الجمل شعرة أذنه، ولن ينسى أبداً أخذ الصور التذكارية للمستفيدين من مساعداته وهم يمضون حاملين كرتونة العزّ والشموخ متمزّقة أرواحهم بسببها دون حيله فهم مرغمون على سدّ رمقهم مهما كان الثمن. ولا بدّ أنّه كان سيعمل على تطوير مشروعه ويفتح فروعا عدة، ثمّ يتطور أكثر فأكثر ويفتح مخيّم تتبعه مخيّمات، وقد يتعهد تنفيذ بعض المشاريع في المناطق المحرّرة، أو يفتتح فرن تهوي إليه بطونٌ أنهكها الجوع وفي اليوم الثالث من كل شهر تتكرّر حكاية إنتهى الطحين المدعوم لتلامس أسعار خبزه عنان السماء؛ ثمّ ينتقل بمشروع الأفران العابر للقرى ويكدّس الملايين في جيوبه.
بما أنّه لم يكمل دراسته وهذا ما شكّل عقدة ظلّت جاثمة في أعماق وجدانه على الدوام وخلّفت غصّة في قلبه لم تمحها الأيام، فقد يبادر لافتتاح مدرسة في المناطق المحرّرة ويستعين بكادر من الطلاب الجامعيين غير المتخرجين، أو قد يلجأ للارتقاء بمستواها إلى رفدها بكادر من حملة شهادات البكالوريا بمختلف فروعها وطبعاً همّه الأول والأخير هو العملية التعليمية فقط، ثمّ تتطور الأمور وتتعدّد المدارس وفروعها، أو قد يؤثر السلامة والعمل في تركيا مثلاً وبالمشروع نفسه فيصل إليها بدون أن يكون في جيبه خمس ليرات، ثمّ يلتقي بداعم ويفتح مدرسة ثمّ مجمّع مدارس ويعطي كلّ مدرّس ما يكفي لإيجار بيته. وبسبب احترامه لخصوصية الآخر فلن يسأله من أين سيتدبّر أمره، ولا شكّ أنّ هذا سينعكس إيجاباً على العملية التعليمية! من المحتمل أن يبدأ مشروعه هذا متعثراً قليلاً، لكن لا توجد أي مشكلة على الإطلاق فلن يعطي المدرسين الرواتب بل فقط سيعدهم بالبحث عن داعم والكثير منهم سيقبل البقاء والعمل عنده والعيش على ذكريات الزمن القادم، نظراً لفداحة البديل المتمثّل في العمل في ورشات البناء أو معامل البلاستيك لإثنتي عشرة ساعة يومياً بالراتب الموعود، وطبعاً هذا إن وجد عملاً. على أية حال يوجد شيء اسمه إئتلاف قد يتكفّل بالموضوع وينقذ الجميع كما فعل في العام الدراسي 2013-2014 حيث أعطى 75 دولارا لكل مدرّس من مدرسي ما سماهم المدارس المنكوبه في تركيا التي لم تتمكن من دفع رواتب العاملين فيها لقاء عمله لعام كامل بدون أجر. كرم حاتمي لحماية أجيال المستقبل يليق بمنجزات تلك المؤسسة! لابدّ أنّه لن يبقى متقوقعاً على مشروع مجمّع المدارس، لا بل من المؤكد أنّه سيخطو الخطوة التالية ويفتتح جامعة ويشتق لها من الثورة اسماً رنّاناً يليق بها ويؤمّن لها التمويل المناسب وزيادة، وإذا ما أتاه أحدٌ في يومٍ ما وأراد ضمّ الجامعة إلى مؤسسات الإئتلاف سواء بحسن نيّة أو بغيرها فسينتفض ويصرخ في وجهه: «هي إلي إلي إلي».
كان يلبس نظّارة وشكله يوحي بأنّه طبيب لذلك قد يرغب بالعمل في المجال الطبّي، فيفتتح مشافي ميدانية وعيادات في المناطق المحرّرة، أساس كوادرها الممرضين بحكم الواقع – بسبب هجرة معظم الأطباء- لكنهم من ذوي الخبرة قد تكون متواضعه لكنها خبرة على أية حال، ثمّ يعمل على الحصول على تمويل لتزويدها بالأجهزة والمعدات الطبية ومن أحدث الطرازات وأجودها، ثمّ يتصرف بها من عنده ولا يدخلها إلى سورية أبداً، كما إنّ هذا باب واسع للعمل وجني الملايين يحتاج أيضاً لسيارات إسعاف وأدوية وقصص لا تنتهي وطبعاً هو يعرف كيف تُؤكل هذه الكتف.
حسن الإدارة يقتضي البراغماتية فقد يضطر من أجل توسيع أعماله لمبايعة «تنظيم الدولة» (داعش) لكن دون أن يكون ذلك من قلبه- وإنّما فقط لضرورات العمل، وهو أصلاً لديه ذقن من قبل ذلك اليوم المشؤوم الذي ولدت فيه أجهزة مخابرات محلية وعالمية «داعش» بعدما حملت بها سفاحاً. وهنا لديه أبواب رزق كثيرة تبدأ بتجارة المواد الغذائية ولا تنتهي بتهريب النفط وبيعه لمهربين أتراك وفي المناطق المحرّرة أو حتى للنظام نفسه، لا فرق المهم أن تأتي العوائد المجزية وتملأ الجيوب.
عرف الرجل بحبّه الشديد للمغامرة لذلك قد يفتتح مكتباً لتهريب الناس إلى أوروبا ثمّ يتطوّر عمله فيقتني سفينة، يركبها ويضع على إحدى عينيه عصبة سوداء، ويحشر فيها السوريين الهاربين من الموت مع القادمين من دول الخليج بعد أن تركوا وظائف قد يكون راتب أحدهم فيها آلافا عدة من الدولارات لكنّ الحلم الأوروبي جمعهم في القوارب نفسه ووحّد مع أهدافهم المصير. ثمّ سرعان ما يتبخّر ذلك الحلم الذي باع أحدهم ما فوقه وتحته من أجله، ليغدو في نهاية المطاف «جرسون» أو عامل تنظيفات أو قد يضحك له الحظ فيجد نفسه خلف عربة حمل الحقائب في أحد المطارات الأوروبية، وجميع الدول الأوروبية عدا اثنتين تعد بترحيلهم جميعاً إلى سورية بعد انتهاء الحرب، أو قد يُرَحّل ولا يحصل على إقامة لسنوات ثلاث بسبب بوست كتبه يوماً ما على الفيسبوك؛ لا يروق لأرض الحرية الانتقائية تلك. لكن في النهايه أغلب المهاجرين حصلوا على قدر من الرفاهية لدرجة أن عائلة شابة تقيم في السويد منذ أكثر من عامين أرسلت الزوجة زوجها إلى تركيا الصيف الماضي لإحضار التنباك الذي لا تدخن غيره، بدا حظها عاثراً في البداية عندما صادرت سلطات المطار ما أحضره لكنه لم يكن كذلك فقد وجدت من يبيع التنباك قرب الكامب الذي تقيم فيه، وهذا نوع من التبادل والتأثير الحضاري أو براعة السوريين في اقتناص الفرص التجارية في كلّ مكان وزمان.
باعتبار أنّ الضرورات تبيح المحظورات فمن المرجّح أنّه كان سيستفيد من هذا الباب لدرجة تليق بطموحاته، وطبعاً قصده الأساسي فقط مساعدة الناس الذين لم يجدوا أمامهم وسيلة أخرى. وهنا سيتصدى لهذه المهمه غير المستحيلة ويؤمّن جوازات سفر نظامية للمطلوبين وحتى وثائق تخرج من الجامعة للذين بقي أمامهم فقط مواد أو سنوات عدة للتخرج، مقابل مبلغ مالي زهيد بالمقارنة لما يحصلون ليس أكثر من بضعة آلاف من الدولارات فهمّه الأساسي المســاعدة وتيسير أمور الناس.
لكن إذا ما وقف في صف النظام وبنى علاقات مع شخصيات من أجهزة المخابرات فكان سيعثر على خم دجاج يبيض الذهب، فيعمل مثلاً على نقل أملاك وعقارات «الإرهابيين» وتسجيلها باسمه بشكل رسمي في الدوائر الحكومية، أو قد يعمل في «التعفيش» ويتبع أسراب جيش النظام الذي دائماً ما يضلّ طريق الجولان وفلسطين فيفتح المدن والقرى الخطأ لكن تبقى عينه على القضية وأثاث المنازل وحتى سيراميك الحمامات لا يسلم من جنوده «البواسل». يشتري منهم كل شيء ثمّ يبيعه فيما يسمونه «أسواق السنة» في مناطق سيطرة النظام وتواجد طائفته. أو قد يعمل بتجارة المواد الغذائية مع المناطق المحاصرة حيث ترتفع الأسعار داخلها إلى حدّ يبدأ 700٪ ويصل في بعض السلع إلى 2000٪ .
أو قد يعمل بسمسرة العقارات وبيعها للإيرانيين، أو التشبيح والخطف ثمّ أخذ فدية من أهل المخطوف، كما يمكن أن يقوي قلبه قليلاً ويتاجر بالأعضاء البشرية.
بغضّ النظر عن الطريق التي كانت سيسلكها فإنه لم يصبح مليارديراً لكن من المؤكد أنه سيغدو مليونيراً في بضعة أشهرعلى أبعد تقدير.

٭ كاتب سوري

بشار عمر الجوباسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية