المونديال الكروي…تنافس كروي وتجاري وشعور بالانتماء

حجم الخط
1

شكّلت كرة القدم منذ أول تجمّع كروي عالمي سنة 1930 في الأوروغواي، فرصة للتباري بين الفرق المشاركة؛ حيث تحاول كل مجموعة كروية أن تبدي إمكاناتها الأدائية ومدى استعدادها لتنفيذ الخطط الموضوعة من طرف الطاقم الفنّي الذي يسهر على تدريب كلّ منتخب. ومع توالي السّنوات أصبحت كرة القدم اللّعبة الأولى التي تتقاسمها ساكنة الكرة الأرضية فهي تملك مفعولا سحريا يفوق مفعول السياسة والاقتصاد؛ بل أصبحت محرّكا للكثير من الاقتصادات العالمية وميدانا خصبا للاستثمار والربح. سواء تعلّق الأمر بانتقالات اللاعبين الموهوبين، أو من خلال ما تدرّه عائدات الإشهار وحضور الجمهور إلى مدرّجات الملاعب الرياضية، وكذا مداخيل النقل التلفزيوني للمباريات.
ودون أن أخوض في مستوى كلّ منتخب وما رافقه من نقاش كروي مثقل بالتشجيع والانتقاد والطموح، والرغبة في بلوغ مراحل متقدّمة في بطولة قطر 2022. سأترك كل ذلك لأناقش جانبا آخر من المنافسة يتخطّى ما هو رياضي إلى التنافس في عرض سلع ومنتوجات بعينها، بغية تسويقها إلى أكبر شريحة من الأفراد والجماعات؛ خصوصا أنّ عدد المتتبّعين لكرة القدم يتزايد في المونديال بشكل مضاعف، كما أنّ طرق تتّبع ومشاهدة تلك اللقاءات تجاوزت الطريقة الكلاسيكية المعتمدة على الإرسال التلفزيوني، إلى وسائل جديدة شكّل فيها الهاتف المحمول والحاسوب واللوحة الإلكترونية (التابليت) وسيطا آخر يتميّز بسهولته الاتصالية التي تمكّن من الإبحار في مواقع متعدّدة في حيز زمني قصير.
وهنا يرتسِم دور الإشهار باعتباره عملية تواصلية تتغيّى التعريف تجاريا بسلعة أو خدمة معيّنة لدى الأفراد والجماعات؛ بإثارة حاستي السمع والبصر لديهم وتحفيزهم ذهنيا لاقتناء منتوج ما، أو الإقبال على استهلاك سلعة بعينها، أو الترويج لخدمات مدفوعة تقدّمها شركات ومؤسّسات عمومية أو شبه عمومية.
وفي مونديال قطر وكغيره من التظاهرات الكروية السابقة وظّف المنظمون اللوحات الإلكترونية التي تحيط برقعة المستطيل الأخضر لتمرير الإعلانات (الإشهارات) التي يرغب أصحابها التفاعل مع المتلقّي في أضخم عرس رياضي عالمي؛ حيث تتوالى مجموعة من العلامات المكتوبة بلغات متعدّدة، تُعزّز في بعض الأحيان بأيقونات تخصّ تلك المادّة المٌشْهرَة. ولا تقتصر هذه الإشهارات على بلدان مخصوصة، بل نجد تعدّدا في القوميات والانتماءات بين مختلف بلدان المعمورة، ومنها بعض الدول العربية التي حاولت الانفتاح على أكبر قدر من الأسواق العالمية.
فإشهار الميادين الكروية (Advertising fields) يخاطب حاسّة البصر ويسعى في الآن نفسه إلى خلق موقف جذب لدى المتلقي. وهذا ما يذكي حالة التنافس بين شركات ومقاولات ومؤسسات تحاول تقديم نفسها كوجه اقتصادي جديد. فالمنافسة تأخذ طابعا تجاريا يسعى إلى الانفتاح على أذواق متنوعة وأسواق محدثة تتجاوز المحلي إلى العالمي. وهذه العملية التنافسية لا تستغل فقط زمن المواجهات الكروية، بل يتخطّى ذلك إلى الإشهار الذي يذاع على شاشة التلفزيون، الذي يقدّم قبيل إجراء المباريات أو في النقل المباشر أو بعده أو بين الشوطين؛ وقد يتم تزامنا مع البرامج الرياضية التي تواكب مستجدات المونديال.

هكذا يتضح، أن المونديال الكروي غدا سوقا رائجة للتنافس بين الماركات العالمية وكذا الخدمات المدفوعة التي تنافست على بعد أمتار قليلة من العشب الأخضر؛ حيث احتدّت منافستان الأولى رياضية محدودة الزمن والمكان، والثانية تجارية تتجاوز ذلك إلى محاولة إثارة فضول المشاهدين لاكتشاف عالمها المليء بالخبايا والأسرار والتنافس الذي يطول عمره أو يقصر بعد نهاية كل مونديال.

وهي عبارة عن وصلات إشهارية تأخذ طابعا مغايرا لما تقدّمه تلك اللوحات الإلكترونية أثناء التباري الكروي؛ حيث نجد تداخل الكلام بالصورة للترويج لمضمون مادة ما وغالبا ما تأخذ طابع المحلية. كما نجد الإشهار الذي يتم توصيله عبر وسائط التواصل الاجتماعي (يوتيوب، فايسبوك، تويتر، إنستغرام) وكذا المواقع الإخبارية؛ وهو إعلان يركن إلى ما هو مكتوب وقد توّظِف الوصلة الإشهارية الصورة مدعومة بالكلام. وقد يأخذ التنافس الإشهاري شكلا آخر؛ ذلك المتمثل في القميص الذي ارتضاه كلّ فريق مشارك في هذه التظاهرة العالمية، والذي تتكفّل شركات بعينها حياكته بطريقة تجمع بين الجمالية والجودة والدقّة في النسج.
وإلى جانب التنافس الإشهاري؛ نجد معطى آخر يتمثل في الاستعراض الجسدي؛ (Physical review)؛ الذي يظهره العديد من اللاعبين سواء في طريقة المراوغات أو التمريرات أو أثناء تسجيل الأهداف؛ وهي استعراضات بوضعية خاصّة تحمل أكثر من دلالة؛ فهي توحي بلسان أصحابها قائلة؛ أنا موجود، أنا حاضر، أنا قوّي؛ فاحذروني.
التنافس الاستعراضي لا يقتصر فقط على اللاعبين، بل يتجاوز ذلك إلى جمهور المنتخبات المشاركة، إذ تقدّم لوحات استعراضية وفنيّة داخل المدرّجات وخارجها؛ بارتداء زي مشترك غالبا ما يرمز لقميص منتخبهم، وفي ذلك شعور بالانتماء للجماعة والوحدة الوطنية؛ التي يكبر مداها عند ترديد كلمات النشيد الوطني لكل بلد؛ وكذا في تكرار أهازيج ومقتطفات من الأغاني الوطنية والشعبية لتلك الدول؛ محاولين التعريف بثقافتهم الغنائية وكذا بتراثهم اللاّمادي؛ من ذلك ما قدّمه الجمهور المغربي حاليا في قطر، إضافة إلى العديد من المشجعين من الدول المشاركة في المونديال كالبرازيل والأرجنتين، إلخ.
تنافس آخر بلغة الموسيقى؛ حيث أبدع مجموعة من المغنّين في أداء العديد من الأغاني الداعمة لمنتخباتهم، وبالإضافة إلى هدفها التشجيعي النبيل ؛ فهي لا تخلو من الرغبة في حصد أكبر عدد من المشاهدات في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذا الرغبة في مقارعة فنّانين نحو المنحى نفسه والرغبة في إظهار القدرات والمهارات تجاوزت ذلك إلى مجال تنافسي آخر، حيث التجأ العديد من الأشخاص إلى الاستعانة ببعض الحيوانات وهي طريقة استباقية تهدف إلى توقّع نتيجة المباريات قبل خوضها؛ وهذا ما أسال لعاب العديد من الأشخاص الآخرين في مختلف ربوع المعمورة لخوض التجربة نفسها بالاستعانة بحيوانات أخرى؛ وهي عملية تقوم على إثارة هذه الحيوانات لاختيار أحد الأيقونات أو الأعلام الموضوعة لكل فريق؛ ورغم أنّ بعض الأشخاص الذين يوظّفون تلك الحيوانات أقرّوا بأنّ الهدف منها هو خلق جو من المرح لدى المشاهدين؛ إلاّ أنّ ذلك لم يُفرغ تلك العملية من تنافسية كبيرة بين القائمين وراءها؛ يظهر ذلك جليّا في نسب المشاهدات التي حصدتها الفيديوهات المبثوثة، وكذا التشويق والتفاعل الذي خلّفته بين مرتادي شبكة النت، إضافة إلى الاهتمام الذي لقيته من طرف بعض وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية.
هكذا يتضح، أن المونديال الكروي غدا سوقا رائجة للتنافس بين الماركات العالمية وكذا الخدمات المدفوعة التي تنافست على بعد أمتار قليلة من العشب الأخضر؛ حيث احتدّت منافستان الأولى رياضية محدودة الزمن والمكان، والثانية تجارية تتجاوز ذلك إلى محاولة إثارة فضول المشاهدين لاكتشاف عالمها المليء بالخبايا والأسرار والتنافس الذي يطول عمره أو يقصر بعد نهاية كل مونديال.

كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية