مرة أخرى السودان وسط اتفاق سياسي جديد لنقل السلطة: هل هي مراوغة من الجيش أم تحول حقيقي؟

 إبراهيم درويش
حجم الخط
0

وقع الجيش السوداني الذي استولى على السلطة في 25 تشرين الأول/اكتوبر وتحالف مؤيد للديمقراطية على اتفاقية سلام إطاري على أمل الخروج من المأزق السياسي الذي تمر به البلاد منذ تحرك الجيش بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان والجنرال محمد حمدان دقلو «حميدتي» والذي أوقف عملية التحول الديمقراطي ووضع رئيس الوزراء في حينه عبد الله حمدوك تحت إقامة جبرية ثم استقالته في بداية العام الحالي. ووقع الاتفاق الجديد يوم الإثنين في العاصمة الخرطوم عدد من قوى الحرية والتغيير وأحزاب ونقابات أخرى فيما عارضته المكونات الرئيسية التي باتت تقود حركة الاحتجاجات والعصيان ضد النظام العسكري، وهي لجان المقاومة الشعبية وحركات تمرد.
وهو ما يثير أسئلة حول الاتفاق الجديد وإن كان يعكس رغبات الشارع السوداني أم رغباب الأطراف الموقعة عليه في الداخل والخارج وخاصة الرباعية: الأمم المتحدة والولايات المتحدة والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
وتم توقيع الاتفاقية بعد أشهر من المحادثات المكثفة التي ستؤدي إلى حكومة انتقالية ودستور جديد، إلا أن الحماسة للاتفاق الجديد كانت فاترة نظرا لأن الصفقات السابقة مع الجيش انهارت نتيجة لمحاولة المؤسسة العسكرية الحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية والعسكرية. ورغم المظهر الدولي الداعم إلا أنه يظل أقل من مطالب المتظاهرين الذين يريدون عودة الجيش فورا إلى ثكناته وتسليم السلطة للمدنيين وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتحقيق بمجازر وتجاوزات وخاصة مجزرة رمضان 2019 في الخرطوم والتي لا تزال عائلات الضحايا والمفقودين تطالب بالعدالة ومحاسبة المسؤولين عنها، رغم إنكار الجيش لأي علاقة بها.

فشل الانقلاب

وتشير عودة الجيش للتوافق مع المكونات المدنية إلى فشل انقلابه العام الماضي. حيث فرضت الدول التي كانت ترعى العملية الديمقراطية عقوبات على السودان وعلقت مساعداتها مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولهذا فلن يخرج الاتفاق الحالي السودان وبالضرورة الجيش من مأزقه ومشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعددة. فالمؤسسة العسكرية رغم ما تلقاه من دعم مصر ودول في الخليج تعيش عزلة دولية بسبب ردها المفرط على الاحتجاجات. واللافت للنظر هو أن قوى الحرية والتغيير التي حكمت السودان بمشاركة الجيش لمدة عامين حتى انقلاب تشرين الأول/اكتوبر هي من أعلنت يوم الجمعة الماضية عن توصلها لاتفاق يضع البلاد مرة أخرى على طريق الديمقراطية، فبالإضافة لحكومة انتقالية لمدة عامين، نص الاتفاق على الحد من دور الجيش في السياسة والاقتصاد وخلق جيش مهني واحد، في إشارة لدمج الميليشيات التي باتت تؤثر على القرار في الخرطوم، بمن فيها قوات الدعم السريع التي يقودها دقلو. وبموجب وثيقة الاتفاق الجديد فسيكون الجيش ضمن مجلس دفاع وأمن تحت قيادة رئيس الوزراء الذي سيتمتع بصلاحيات واسعة. وتم الاتفاق بدون وضع إطار زمني، لتحقيق العدالة الانتقالية وإصلاح أجهزة الأمن والجيش ومراجعة اتفاقية جوبا للسلام عام 2020 والتي دعت تحالف المتمردين في المناطق المضطربة في غرب دار فور لوضع أسلحتها. إلى جانب إصلاحات قضائية والبنك المركزي ومركز الرقابة المالية وتفكيك وحل مؤسسات نظام 30 حزيران/يونيو 1989.

معوقات

وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» (5/12/2023) إلى أن الاتفاق الإطاري سيواجه المعوقات المعروفة في السياسة السودانية وهي إن كان الجيش سيخرج طوعا من الحياة السياسية أو يسمح بتحقيقات في سلوكياته السابقة. وحسب خلود خير من مركز «كونفلوانس أدفيزاري» فإن السودانيين مهرة في كتابة وثائق جيدة والتوافق عليها و «المشلكة كانت دائما في ترجمة هذه الكلمات الرائعة إلى آليات وسياسات». والوثيقة الموقعة تعد بتحولات مهمة في الحياة السياسية السودانية، مثل تخلي الجيش عن السياسة، وهو ما قاله البرهان قبل شهرين من أنه سيسلم الأمور إلى المدنيين، ففي الوقت الذي قيدت فيه صلاحيات رئيس الوزراء في المرحلة الانتقالية الأولى والتي انتهت بانقلاب، فالعملية الجديدة تتحدث عن رئيس وزراء بصلاحيات واسعة وتحديد سلطة البرهان بقيادة الجيش ودقلو بقيادة الدعم السريع، كما أن وثيقة الدستور المقترحة ستقوم على مسودة أعدتها نقابة المحامين السودانيين. وتظل المشاكل الملحة وهي العدالة الانتقالية، التي تمثل مع أخرى الجزء الثاني من العملية السياسية الجديدة، ومسائلها شائكة، فلا يعرف أحد إلى أي مدى سيتعامل فيه الجيش مع تدخل المدنيين في إصلاح قوى الجيش والأمن وكذا تقبله المسؤولية عن جرائم ومجازر ضد المدنيين. ومن هنا ترى مكونات أن الاتفاق يعطي الجيش فرصة للهروب من العدالة الاجتماعية، مع أن متحدثا باسم قوى الحرية والتغيير أكد «لا حصانة من العقاب لأي شخص حتى حميدتي أو البرهان» وأنه سيتم نقاش العدالة الانتقالية مع كل المشاركين وليس الساسة. وتظل القوى الشعبية أو لجان المقاومة هي المكون الرئيسي الحالي في المقاومة ضد العسكر، وقد رفضت الاتفاق الجديد. وفي مشهد سياسي هش ومتشرذم بين فصائل متعددة فمن الصعب رؤية الكيفية التي ستتوصل فيها هذه الفصائل لرؤية واحدة حول مستقبل السودان. فبعد رحيل عمر حسن أحمد البشير بعد 30 عاما في السلطة تصاعدت الآمال بفجر جديد ومرحلة من الازدهار الاقتصادي والديمقراطي، إلا أن السودان الذي يعتبر واحدا من أكبر دول القارة يواجه اليوم أزمات أكبر من تلك التي سبقت الثورة، والقلق السياسي لم يعد في المركز بل في الأطراف، شرقا وغربا حيث باتت القبائل تسلح نفسها. ويجب ألا نفصل هذا عن حرص الجيش على التعاون مع القوى المدنية نظرا لفشله في إدارة البلاد بعد انقلابه واعتقال حمدوك ووضعه تحت الإقامة الجبرية، إلا أن عودة حمدوك وتوقيعه اتفاقا مع الجيش من جديد أفقده المصداقية أمام المقاومين للانقلاب. وقال حمدوك في حينه إن السودان يمر بمنعطف خطير قد يهدد وجوده إن لم يتم تصحيحه. ولم يحصل السودان على رئيس وزراء مدني منذ رحيله. ويفهم والحالة هذه حرص الجيش على توافق مع المدنيين، فمن جهة سيعطي رئيس وزراء مدني وجها للنظام وربما أقنع الدول المانحة باستئناف مساعداتها التي توقفت بعد الانقلاب. إلا أن هذه الدول وخاصة الولايات المتحدة ستكون حذرة. فبعد تأكيد البرهان في العام الماضي لمبعوثين أمريكيين أن الجيش لن يقوم بأي تحرك يعرض الديمقراطية للخطر أطاح بحمدوك في اليوم الثاني وقطع الإنترنت وحاول فرض حالة الطوارئ على البلاد. وبات السودان تحت حكم البرهان بحاجة للانقاذ، فالأوضاع الاقتصادية تردت وزادت سوءا بعد حرب أوكرانيا، التي يستورد منها السودان إلى جانب روسيا معظم حبوبه. ويقدر البنك الدولي أن هناك حوالي 15 مليون شخص، أي أكثر من الثلث يعانون من الفقر الحاد. وزاد الفيضان الذي دمر قرى وشرد عشرات الآلاف من المنكوبين إلى جانب عودة التوترات القبلية والإثنية في دار فور والتي خلفت مئات القتلى. وأثرت الأوضاع الاقتصادية على الأطفال الذين قالت يونيسف وبرنامج الغذاء العالمي في شهر تشرين الأول/اكتوبر أن ثلث الأطفال ما بين سن 6- 18 أو حوالي 7 ملايين ليسوا في المدارس على الإطلاق. ويضاف إلى هذا تأثر السودان بالحروب الأهلية في دول الجوار، فقد ظل البلد وعلى مدى عقود محلا لاستقبال موجات اللجوء من القرن الأفريقي وآخرها المهجرين من تيغراي بسبب نزاع الحكومة مع المتمردين في الإقليم الإثيوبي هذا.
وعلى صعيد مقاومة الانقلاب، لم تتوقف الاحتجاجات منذ سيطر الجيش حيث قتل أكثر من 116 محتجا على يد قوات الأمن، إلى جانب الكثير من الجرحى والمعتقلين. ومن هنا كان رد لجان المقاومة الشعبية على الاتفاق الإطاري بمزيد من المسيرات والاحتجاجات. ولم تتغير مطالب المتظاهرين وشعاراتهم منذ الثورة على البشير وهي «الخبز والحرية» والتعليم والصحة والعمل والسكن، وبدون تحقيق هذه المطالب فستظل الثورة مستمرة.  ورغم دعوة بعض المحللين السودانيين للتمعن مليا في بنود اتفاق وقعت عليه مكونات سياسية سودانية إلا أن تصرفات الجيش بعد ثورة 2019 وحرصه على حماية مصالحه ومملكته التجارية التي تضم شركات وتصنيع وتنقيب عن المعادن التي يذهب معظمها للخارج، تجعل من رفض مكونات التعامل معه شرعية.

أمل

ويبدو أن الراغبين بالتعاون مع الجيش يأملون بالعودة إلى ترتيبات ما قبل 25 تشرين الأول/اكتوبر ووقف الانقلاب والتصدي للتدهور الاقتصادي، حسب المتحدث باسم قوى الحرية والتغيير الذي تحدث لموقع «ميدل إيست آي» (4/12/2022). ويتهم المعسكر الرافض للاتفاق الموقعين عليه بأنهم منحوا الجيش مخرجا من أجل الحفاظ على مكتسباته. ومن هنا اعتبرت اللجان الاتفاق مجرد «حبر على ورق» كذلك الاتفاق الذي وقعه حمدوك مع الجيش في تشرين الثاني/نوفمبر 2021. ومن ناحية القوى الخارجية التي دعمت الاتفاق، فيبدو أنها مدفوعة بمنع فشل السودان أو اندلاع حرب أهلية واسعة. ويرى محمد بدوي، الباحث السوداني أن الاتفاق هو نكسة لمطالب الشارع والمسار الديمقراطي، فهو سيعطي الجيش اليد العليا في السياسة والاقتصاد ويمنح الحصانة للمتورطين في قتل المدنيين، بل وقد يؤدي إلى عودة رموز من النظام السابق. وقال إن الاتفاق يحمل عددا من التناقضات، فدعم الدول الغربية والأمم المتحدة لا يستطيع منح الحصانة للجنرالات نظرا لأنها ضد القانون الدولي. وفي النهاية سيكون الخيار للشارع الذي بيده خلط أوراق الموقعين في الداخل والداعمين بالخارج ما سيحد من مجال تنفيذ ما اتفق عليه. أي العودة للدوامة نفسها، وطالما لم يظهر الجيش أي حسن نية للتخلي عن السلطة فإن الوضع سيظل متوترا، تظاهرات ومسيرات وسط انقسامات في قوى المعارضة.
وبانتظار تحقيق شعار البرهان «العسكر للثكنات والأحزاب للانتخابات» فربما كان الاتفاق الإطاري هروبا للوراء للبرهان وجماعته، فهو من ناحية سيخفف الضغط الدولي والقوى الخائفة على مسار السودان ومصيره، ومن ناحية أخرى سيورط قوى الحرية والتغيير في مسار سياسي مفتوح النهايات ما سيعزز الشق في داخل قوى المعارضة السياسية. وربما أنهى البرهان آثار انقلاب العام الماضي وتوصل لتسوية سياسية ستظل مخرجاتها مرهونة برؤية الجيش. وقد تفضي تجربة البرهان الحالية إلى خلع البزة العسكرية لاحقا وبعد ترتيب الأوضاع وتحييد معارضيه وإدخال شركاء جدد، حتى لو كانوا من أعضاء النظام السابق، ويرتدي بدلة مدنية كما فعل جنرال مصر من قبله. كل هذه تظل سيناريوهات محتملة وبانتظار نتائج الإطار التنسيقي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية