السودان: لجان المقاومة تتعهد باستمرار الحراك الشعبي وترفض التسوية السياسية مع قادة الانقلاب العسكري

محمد عبد الحفيظ
حجم الخط
0

نهار يوم الاثنين الماضي، الذي شهد التوقيع على الاتفاق السياسي الإطاري في السودان، خرجت لجان المقاومة في تظاهرات احتجاجية رفضاً للتسوية السياسية بين بعض المدنيين والعسكريين.
وبينما كان بعض قادة الأحزاب السياسية وممثلي بعض الأجسام المهنية والقادة العسكريين، يحتفلون بالتوقيع على المرحلة الأولى من الاتفاق السياسي ، كانت عبوات الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية تحول دون وصول المحتجين السلميين إلى القصر الرئاسي في العاصمة الخرطوم.
وكانت قوى سياسية أبرزها الحرية والتغيير «المجلس المركزي» وقعت على اتفاق سياسي إطاري بشكل مُنفرد مع القادة العسكريين، بحضور دولي تقدمه رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان «يونيتامس» فولكر بيرتس، وسفير الاتحاد الأفريقي محمد بلعيش، وسفير الاتحاد الأوروبي إيدن أوهارا بالإضافة إلى سفراء دول الترويكا والآلية الرباعية الدولية التي تضم سفير المملكة العربية السعودية، علي حسن بن جعفر والسفير الإماراتي حمد الجنيني والسفير البريطاني جايلز ليفر والسفير الأمريكي جون غودفري.
وظل السودانيون منذ 25 تشرين الأول/اكتوبر العام الماضي يقاومون الانقلاب العسكري الذي نفذه القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان الذي أطاح عبره بالحكومة الانتقالية، التي شُكلت في أعقاب إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.
وكما كان يحدث طوال أكثر عام من عمر الانقلاب، واجهت الأجهزة الأمنية، مواكب الاثنين الرافضة للانقلاب العسكري والمنددة بالتسوية السياسية، بالعنف المفرط.
وأصيب 24 شخصاً نتيجة للضرب المباشر بعبوات الغاز المسيل للدموع، بينها 7 إصابات في الرأس و2 في العين و8 في القدم و3 في اليد وواحدة في البطن، فضلاً عن إصابات أخرى في الصدر والفك، حسب لجنة الأطباء الاشتراكيين.
كما أحصت اللجنة إصابات مزدوجة بالغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية بالإضافة إلى عدد من حالات الاختناق.
وفور التوقيع على الاتفاق السياسي الإطاري، أعلن عدد من لجان المقاومة في العاصمة الخرطوم والولايات، مواصلة مواكبها المناهضة للانقلاب العسكري والمناوئة للتسوية السياسية.
وأعلنت لجان مقاومة مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، القريبة نسبياً من مدينة مايرنو، التي أنطلقت منها شرارة الثورة السودانية، في السادس من كانون الأول/ديسمبر 2018 أنها ستواصل طريق مقاومة الانقلابات العسكرية، وإسقاط سلطتها دون مساومات أو تسويات.
وأكدت أنها ستمضي في طريق تحقيق التغيير الجذري الكامل وبناء السودان الجديد، مؤكدة عدم التنازل عن لاءات وشعارات الثورة والمقاومة.
وقالت تنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم عبر مكتبها الميداني، أنها لن تقبل بأي مساومة تُبقي على القتلة وخائني العهود في المشهد السياسي.
وأكدت على مواصلة المواكب السلمية ضد الانقلاب العسكري وضد أي تسوية سياسية تقود إلى شرعنته.
ووقع على البيان الذي يدعو لإسقاط الانقلاب العسكري ويرفض التسوية السياسية، تجمع لجان أحياء الحاج يوسف ولجان أحياء بحري وتنسيقيات لجان مقاومة أمدرمان الكبرى وتنسيقية شرق النيل جنوب وتنسيقيات لجان مقاومة مدينة الخرطوم.
ودعت التنسيقيات إلى موكب 8 كانون الأول/ديسمبر، المركزي تحت مسمى «لا للسلطة الزائفة» المتوجه إلى القصر الرئاسي.

لا شراكة لا تفاوض لا شرعية

وتتبنى لجان المقاومة، التي تقود الاحتجاجات السلمية في السودان، اللاءات الثلاث، لا شراكة لا تفاوض لا شرعية، وترفض وجود العسكريين في السلطة وتطالب بمحاكمة الذين ارتكبوا جرائم ضد الشعب السوداني، منذ انقلاب الثلاثين من حزيران/يونيو 1989 وحتى الآن، وتدعو لتحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب.
وخلال هذا العام قامت لجان المقاومة بإعداد ميثاقين، يضعان تصورات لشكل التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تتبناه وتطالب به.
ففي الحادي عشر من أيار/مايو الماضي، وقعت تنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم، على إعلان ميثاق تأسيس سلطة الشعب الذي جرت مناقشته بواسطة القواعد.
وقالت التنسيقيات وقتها، إن الميثاق يهدف إلى تدشين حقبة جديدة في الممارسة السياسية القاعدية بالسودان.
ويتألف ميثاق تأسيس سلطة الشعب من ثلاثة عشر بنداً، وينص الأول على إسقاط الانقلاب، ورفض أي دعوات للتفاوض المباشر أو غير المباشر مع الانقلابيين، ويدعو للاستمرار في المقاومة السلمية عبر الأدوات المجربة والمبتكرة.
وتتضمن نصوص الميثاق، ضرورة إسقاط انقلاب تشرين الأول/اكتوبر ومحاسبة كل الضالعين فيه من القوى المدنية والعسكرية. ويطالب بإلغاء الوثيقة الدستورية وخلق وضع عن طريق إعلان دستوري مؤقت يستند على ميثاق تأسيس سلطة الشعب، ومراجعة جميع الاتفاقيات المُبرمة والمراسيم الدستورية الصادرة منذ الحادي عشر من نيسان/ابريل 2019.
وفي الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، من نفس العام، وقع عدد من لجان المقاومة على «الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب» الذي ينص على رفض التفاوض والشراكة مع العسكريين ويتبنى الإطاحة بقادة الجيش عن السلطة إلى جانب محاسبة الإسلاميين واسترداد جميع الأموال المنهوبة فضلاً عن تشكيل مجلس تشريعي ثوري مهمته ملء الفراغ السياسي.
وبنهاية المواكب المجدولة بواسطة لجان المقاومة لتشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وضعت لجان المقاومة جدولاً جديداً لشهر كانون الأول/ديسمبر، الذي بدأ بالفعل بالتظاهرات السلمية، المركزية واللامركزية، بالتزامن مع إعلان الحرية والتغيير «المجلس المركزي» عن مواعيد التوقيع على الاتفاق السياسي الإطاري.
وشهد الخميس الماضي إنطلاق أول موكب مركزي، وفقاً للجدول الذي حدده المكتب الميداني لتنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم للشهر الجاري. حيث قامت قوات الأمن السوداني بتفريق المتظاهرين المناوئين للانقلاب العسكري والرافضين للاتفاق الإطاري السياسي، ومنعتهم من التقدم إلى محيط القصر الرئاسي وسط الخرطوم مستخدمة عبوات الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية وخراطيم المياه.
ورفع المحتجون رايات عليها صور شهداء الانقلاب ولافتات تطالب بتسليم السلطة للشعب وترديد هتافات مناوئة للعسكريين والاتفاق الإطاري الموقع بين العسكريين وبعض الأحزاب السياسية.
وأدى العنف المفرط ضد المحتجين السلميين بواسطة الأجهزة الأمنية، الخميس، إلى وقوع 49 إصابة حسب رابطة الأطباء الاشتراكيين «راش».
وقال المتحدث باسم لجان مقاومة مدينة الخرطوم، حسام علي، في حديث لـ«القدس العربي» إن الحراك الشعبي المناهض للانقلاب العسكري سيستمر إلى أن تتحقق أهداف الثورة السودانية، التي تتمثل في إسقاط الانقلاب وتأسيس دولة مدنية ذات سيادة وطنية وجيش وطني مهني موحد.
وأوضح أن لجان المقاومة لديها مهام تمتد أثناء الفترة الانتقالية، وصولاً إلى حراسة صناديق الاقتراع وحتى إقامة الانتخابات الحرة والنزيهة، كما سيستمر دورها للحفاظ على مكتسبات الانتقال من خطر الردة. ولفت إلى أن الحراك الشعبي قد يتراجع أحياناً لكنه سرعان ما يعود أكثر قوة، وأكد أن لجان المقاومة منتظمة في نقاش دائم، من أجل تطوير العمل الميداني والسياسي، على ضوء المستجدات السياسية.
وأوضح أن لجان المقاومة تتوقع تصاعد وتيرة العنف ضد الثوار بغرض قمع الأصوات الرافضة لما يسمى بالاتفاق السياسي الإطاري.
واعتبر أن مواصلة العنف ضد الثوار السلميين يدلل على أن الاتفاق السياسي الإطاري، فُرض على الشارع الثوري ولا يعبر عن تطلعات الشعب. وأشار إلى أن ولايات السودان لن تتوقف عن تنظيم المواكب الداعية لإسقاط الانقلاب، كما أكد على أن «شعلة ديسمبر ستكون متقدة».
وأكد أن التنسيق بين لجان المقاومة والقوى السياسية والأجسام والكيانات الثورية سيكون مستمرا، ولن يقتصر على الدعوات للمشاركة في المواكب وحسب، بل سيمتد للتنسيق للاضراب السياسي والعصيان المدني الشامل.

الميثاق الثوري

وقال المتحدث باسم الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، تاج الدين إسحق، لـ«القدس العربي» إن «أغلبية لجان المقاومة منتظمة في الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب».
وأكد أن الأسبوع المقبل سيشهد قيام ورشة مغلقة، تهدف إلى تكوين هيكلين تنظيميين، أحدهما للجان المقاومة في السودان، مهمته الحفاظ على أفقية اللجان واستقلالية قرارها السياسي؛ وآخر تنظيمي للقوى الموقعة وتلك التي ستوقع على الميثاق.
وأوضح أن لجان المقاومة بعد انتهاء الورشة، ستقوم بطرح الميثاق للتشكيلات الثورية المختلفة المؤمنة بالتغيير الجذري، مثل النقابات المنتخبة والنقابات الفئوية واللجان التسييرية وغاضبون وتجمع الأجسام المطلبية «تام» ومنظمات المجتمع المدني، وأكد أن لجان المقاومة تؤمن بضرورة وجود قيادة موحدة للثورة.
ولفت إلى أنهم يعملون على خلق تنسيق أكبر مع القوى السياسية والثورية التي لها مصلحة فعلية في إسقاط الانقلاب العسكري، واعتبر أن هذه القوى جزء فاعل من الثورة جنباً إلى جنب مع لجان المقاومة.
وأشار إلى أن لجان المقاومة، ستعمل على طرح الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب من أجل مناقشته والتوقيع عليه مع هذه القوى، تمهيداً لإعلان التحالف الذي سيقود الثورة في المرحلة المقبلة. وأوضح أن القوى التي دعمت الانقلاب، مثل الحرية والتغيير «الكتلة الديمقراطية» التي تضم حركات مسلحة وقوى سياسية وأهلية، ليست لديهم مشكلة مع التسوية السياسية، إلا أنهم يرون أنها ثنائية.
وأكد أن لجان المقاومة لن يكون لها أي تنسيق مع هذه القوى، بل أنها تدعو لمحاسبتها على دعم إنقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر العام الماضي. وأفاد بأن لجان المقاومة ستواصل التصعيد الثوري وتوسيع قاعدة المشاركة الجماهيرية في الخرطوم العاصمة والولايات. وأوضح أن لجان المقاومة في كل ولايات السودان، دعت منذ الاثنين الماضي للمشاركة الواسعة في المواكب والتظاهرات، رفضاً للانقلاب العسكري و«التسوية السياسية» وسط إستجابة واسعة من كل مدن وقرى السودان.
ورأى أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين، مصعب محمد علي، أن فرص استمرار الحراك الشعبي السلمي كبيرة، لأن لجان المقاومة ترفض الاتفاق السياسي الإطاري بين الحرية والتغيير «المجلس المركزي» وبعض القوى السياسية الأخرى والمكون العسكري.
واعتبر أن توقف أو استمرار الاحتاجات السلمية مرهون بدخول الحرية والتغيير في حوار مع لجان المقاومة لتطرح الأخيرة رؤيتها لحل الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد.
وأكد لـ«القدس العربي» أن تصاعد الحراك الشعبي الذي تقوده لجان المقاومة أو انحساره يرتبط بدرجة التنسيق والتنظيم الذي ستقود به المرحلة المقبلة.
ورأى باستمرار الاحتجاجات التي تقودها لجان المقاومة الرافضة للتسوية السياسية، حالة تكوين حكومة الفترة الانتقالية.
ولفت إلى أن الفئات الشبابية التي تعد الأكثر مشاركة في المواكب السلمية، ترى أنها خارج المعادلة السياسية، الأمر الذي يتطلب خوض مشاورات عميقة معها تفضي لمشاركتها في هياكل السلطة الانتقالية.
واعتبر أن أحد الأسباب التي جعلت لجان المقاومة ترفض الاتفاق السياسي الإطاري، هو تمسكها باللاءات الثلاث التي تتضمن رفضها للحوار والشراكة مع المكون العسكري.
ورأى أن لجان المقاومة، عندما فرغت من مواثيقها السياسية كان بإمكانها الدخول في العملية السياسية بمطالبها والتفاوض عليها.
ولفت إلى أن دخول البلاد في حل سياسي، ربما يُضعف لجان المقاومة في المستقبل، إلا إذا سعت إلى تنظيم نفسها أكثر وتكون طرفاً من العملية السياسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية