على الرغم من القبول النسبي الداخلي الذي حظي به الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه الإثنين الماضي، بين ائتلاف قوى الحرية والتغيير-المجلس المركزي- ومجموعات سياسية أخرى من جانب والعسكر جانب آخر، إلا أن ثمة مخاوف لا تزال قائمة لدى الكثيرين مصدرها طبيعة موازين الضعف والقوة التي دفعت الطرفين للمضي خطوة للأمام في انتظار اكتمال المشوار بالتوصل لاتفاق نهائي في غضون أسابيع.
في المقابل نجد أن الاتفاق قد حظي بترحيب دولي وإقليمي واسع، حيث تأمل الأطراف الدولية المختلفة أن يؤدي لإنهاء حالة الجمود التي سيطرت على المشهد السياسي السوداني، عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة الانتقالية التي كان يرأسها عبدالله حمدوك، في 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021.
الضغوط التي مارستها الأطراف الدولية ممثلة في الآلية الثلاثية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وهيئة دول «ايقاد» بجانب الترويكا الرباعية التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية ودولة الإمارات، لعبت دوراً كبيراً في دفع الفرقاء نحو القبول بالتوافق على صيغة تؤدي لاستعادة المسار الانتقالي الذي قطعه انقلاب العسكر.
وفي ظل معطيات المعادلة الحالية للمشهد السياسي السوداني والتي تجسدها حالة الانقسام حول الاتفاق بين الرفض والقبول من جانب الأحزاب السياسية والقوى الثورية التي تنظم الاحتجاجات في الشارع، يبرز السؤال حول الاتجاه الذي تميل نحوه موازين القوة المرتبطة بالصراع السياسي، وهل يمكن للعسكر قيادة مسار الانتقال نحو أجندتهم التي دفعهتم للانقلاب على الحكومة الانتقالية السابقة، أم ربما يتمكن ائتلاف قوى الحرية والتغيير وحلفاؤه من الموقعين على الاتفاق من فرض واقع الدولة المدنية وإبعاد العسكر عن دائرة الفعل السياسي؟
القيادي في حركة القوى الحديثة «حق» مجدي عبد القيوم، يرى أنه رغم الموافقة الواسعة التي حظي بها الاتفاق، إلا انه لا يمكن الاستهانة بالمجموعات الرافضة له، لاسيما لجان المقاومة التي أكد على أنها مجموعات لها تأثير كبير ناتج عن قيادتها لحركة الاحتجاج في الشارع.
ويضيف: «صحيح أن الاتفاق وجد دعماً دولياً ولكن هذا نفسه رهين حركة الشارع، فإذا استطاعت المجموعات التي ترفض الاتفاق خلق التفاف واسع من عدة مراكز بحيث تشكل تحالفا مناوئا، قطعا لن يجد المجتمع الدولي بدا من العمل على إعادة صياغة الاتفاق».
ويذهب القيادي في حركة «حق» إلى أن الاتفاق بشكله الحالي الرابح فيه هم العسكر، لأنه يمهد الطريق أمامهم للإفلات من العقاب على الجرائم التي ارتكبوها سواء خلال فض «اعتصام القيادة العامة للجيش» في حزيران/يونيو 2019 أو اغتيال المتظاهرين خلال الاحتجاجات الرافضة لانقلاب 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021.
ويؤكد عبد القيوم لـ «القدس العربي» على أن توازن الضعف هو السائد الآن بين أطراف الاتفاق، وأنه حال تم الاتفاق على حسم القضايا الخمس المؤجلة، قطعاً سيمضي الاتفاق إلى غاياته وسيحدث اختراقاً في المشهد، ويستدرك: «لكن هذا يبدو حتى الآن صعبا إلى درجة كبيرة، لان القضايا التي اُرجأت تمثل عصب أهداف الثورة».
ونوه إلى أن الصحيح هو عدم وجود ثوابت في السياسة، وأن المشهد السوداني ما زالت رماله متحركة، فيما تأسف على أنه ربما كان العامل الأساسي في التوصل للاتفاق هو الدور الخارجى، وتابع: «انا هنا لا أتحدث عن البعثة الأممية أو الثلاثية، لكن أتحدث عن دور دول المحور، ومن الواضح ان مصر مثلا بعدت أو اُبعدت عن الملف، وهذا فتح الطريق أمام دور الإمارات في صناعة الاتفاق، وهي قطعا لن تترك الأمور تمضى هكذا لأسباب معلومة».
ولفت القيادي في حركة «حق» إلى أن الاتفاق تم بوساطة الرباعية والسعودية، وأشار إلى أن هناك تناغما أكثر بين السياسة الخارجية المصرية والسعودية بالنظر للخلاف السعودي الإماراتي في كثير من الملفات الخارجية.
وأضاف: «مصر رعت تحالف (الكتلة الديمقراطية) وقطعا لن تقف عند هذا، وجملة القول أن هذا الاتفاق ملغوم وتتقاذفه رياح شتى».
وفي ذات الاتجاه يذهب المحامي والخبير القانوني المتابع للشأن السوداني المعز حضرة، حيث يصف الاتفاق بأنه «تعبير واضح عن حالة توازن الضعف بين الطرفين» وأنه بالنسبة للعسكر يؤكد فشل انقلابهم على الحكومة الانتقالية بعد عام كامل من سيطرتهم على زمام السلطة، رغم وجود أكثر من 123 شهيدا و3 آلاف مصاب.
ويشير كذلك إلى أن ما ساعد على هذا الضعف هو توقف الدعم الخارجي، بعد أن تم تصنيف ما حدث بواسطة قوى دولية مؤثرة بأنه انقلاب، لذا لم يعد أمام العسكر سوى العودة لتسوية سياسية لتبييض ماء الوجه.
أضاً يلفت حضرة الانتباه إلى انزعاج المجتمع الدولي من إعادة قادة الانقلاب للإسلاميين من أنصار النظام السابق وإعادة أموالهم المصادرة، وأعتبر بأن هذه الأمر بمثابة خط أحمر بالنسبة لبعض دول الجوار.
ويضيف: «أما بالنسبة لقوى الشارع أو ائتلاف قوى الحرية والتغيير، يعتبر هذا الاتفاق غير نموذجي، لكنه يمثل أفضل ما هو متاح ويمكن أن يساعد على وقف إراقة الدماء، لذا تعاملت معه قوى الحرية والتغيير ممثلة في مجموعة المجلس المركزي، بحكمة وعقلانية».
وحسب ما أوضح المحامي والخبير القانوني، لـ «القدس العربي» فإن واقع الانقسام على مستوى الشارع أيضاً دفع الائتلاف للوصول إلى تسوية سياسية تعمل على إعادة الدولة المدنية، ونوه إلى أن هذه العوامل المشتركة بجانب ضغط المجتمع الدولي، جعل الائتلاف يوافق على الاتفاق.
وأضاف: «مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوضع الحالي يختلف تماماً عن ما كان عليه عقب سقوط النظام السابق في 11 نيسان/ابريل 2019 وأن ائتلاف قوى الحرية والتغيير لم يعد هو ذلك التحالف الواسع».
ويشير حضرة إلى أن هناك سؤالاً جوهرياً ما زال مطروحاً، وهو هل سيلتزم العسكر بالاتفاق؟ وعلى حد قوله فإن السودان الآن في وضع لم يعد يحتمل نقضاً للعهود كما اعتاد على ذلك العسكر.
لكن الباحث والناشط في المجتمع المدني شمس الدين ضو البيت، يرى أن توازنات الضعف والقوة في الاتفاق الإطاري، ينبغي النظر لها من زاوية تحقيقها لأهداف ثورة ديسمبر 2019 وإلى أي مدى يمكن تحقيق تلك الأهداف في السياق الذي تم فيه الاتفاق.
وحسب ضو البيت هناك 3 ملاحظات حول موازين القوة تتعلق بأهداف الثورة، أولها أن موازين القوة لصالح تحقيق أهداف الثورة كانت أكبر في الوثيقة الدستورية التي تم توقيعها بين ائتلاف قوى الحرية والتغيير والعسكر في العام 2019.
ووفقاً لما أشار، فإنه حينها كان ائتلاف قوى الحرية والتغيير أقرب إلى الشارع الثوري، وتحديداً عقب التظاهرات الداعمة للحكم المدني التي خرجت يوم 30 حزيران/يونيو 2019.
وأضاف: «تلك الاحتجاجات خلقت توازن قوة داعما لتحقيق أهداف الثورة من خلال العودة لمنصة التأسيس وتبني برنامج السودان الجديد والاهتمام بقضايا التنمية وتطوير الريف وإعادة العمل من أجل تحقيق مواطنة متساوية في مواجهة مشروع الدولة الدينية الذي كان موجوداً في ذلك الوقت».
أما الملاحظة الثانية التي ذكرها الباحث والناشط في المجتمع المدني، لـ «القدس العربي» فهي تتعلق بنوعية القوى الداعمة للاتفاق الإطاري، وهي- حسب رأيه – قوى مختلفة عن تلك التي دعمت الوثيقة الدستورية والتي كان على رأس أهدافها خروج المؤسسة العسكرية من الممارسة السياسية وإزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989 بجانب تحقيق السلام.
بينما يرى أن القوى الداعمة للاتفاق الإطاري الحالي تضم عناصر تقليدية مقاومة لتحقيق أهداف الثورة.
وتتعلق الملاحظة الثالثة التي ذكرها ضو البيت بالقضايا الرئيسية للثورة، مثل إزالة التمكين وتحقيق السلام واستكمال عملية الإصلاح العسكري، وأضاف: «هناك خطأ في عدم إشراك المدنيين في هذه القضية، إضافة إلى قضية العدالة الانتقالية وقضية شرق السودان، جميعها لم تتم معالجتها بطريقة تحقق أهداف الثورة».
وتابع: «أرى أنه من غير المهم النظر للطرف الذي تصب في صالحه موازين القوة، سواء كانت تحقق أهداف العسكريين أو القوى السياسية التقليدية، بل الأهم هو تحقيق أهداف الثورة».
وينص الاتفاق الإطاري على السلطة المدنية الكاملة من دون مشاركة القوات النظامية، في فترة انتقالية محددة بعامين، من المنتظر أن تفضي إلى انتخابات.
وشملت أطراف الاتفاق، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» ونحو 50 حزبا وتنظيما سياسيا ومدنيا، بينهم مجموعة من مكونات ائتلاف «الحرية والتغيير» بالإضافة إلى عدد من الحركات المسلحة.