وائل فاروق: «الاختباء في النور»

حجم الخط
1

العنوان الفرعي لهذه الدراسة يسير هكذا: «تجارب ما بعد حداثية من المسرح المعاصر»، وفصول الكتاب الثلاثة، بعد مقدّمة محكمة، تتناول ما بعد الحداثة لجهة حضور المصطلح وغياب المعنى، وجماليات مسرح ما بعد الحداثة، ومناقشة عروض مختارة من المسرح المعاصر. جليّ، استطراداً، أنّ كتاب فاروق ينشغل بمناقشة ثقافة ما بعد الحداثة من زاوية غير مألوفة، ولكنها بالغة الأهمية، تخصّ حقيقة أنها «ثقافة مشبعة بالصور والكلمات والشعارات والإعلانات والاصوات»، كما يشير الناشر على الغلاف الأخير. وهي، بذلك، «تشكّل ذاكرة الإنسان ما بعد الحداثي كما تشكّل أحاسيس ومشاعر الإنسان المعاصر المتخم بالصورة والإعلان والعفوية».
تجدر الإشارة إلى أنّ وائل فاروق ناقد وأكاديمي وشاعر ومترجم مصري، يعمل أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية في كلية العلوم اللغوية والآداب الأجنبية وكلية العلوم السياسية والاجتماعية بالجامعة الكاثوليكية للقلب الأقدس في ميلانو. نشر العديد من الكتب والأبحاث باللغة الإنكليزية والعربية والإيطالية، وهو منسّق اللجنة العلمية للمهرجان الدولي للغة والثقافة العربية في ميلانو.
هنا فقرات من الكتاب:
«السمة الأساسية الأولى التي تميز مسرح ما بعد الحداثة، أو مسرح ما بعد الدراما، هي التباعد بين الجانب الأدبي المتعلق بالنص، والجانب الأدائي. وعن هذه السمة تتفرع كل السمات الأخرى. في المسرح التقليدي، أو «المسرح الدرامي»، كان النص العمود الفقري الذي ينبني عليه العرض المسرحي، والعنصر المركزي الذي يقوم عليه الأداء. كانت المسرحية في الأساس عبارة عن تمثيل للنص على خشبة المسرح، أمام الجمهور. وكان هناك تسلسل هرمي بين «لغات» المسرح، أو الوسائط المختلفة المستخدمة في العروض المسرحية، وكان النص على رأس الهرم، يليه الصورة والصوت والضوء والرقص والغناء والحركة وغيرها من وسائط – لغات – للتعبير.
في مسرح ما بعد الحداثة، فقد النص أوليته وأولويته وأصبح عنصراً من عناصر العرض، أهميته لا تزيد عن أهمية العناصر الأخرى. وفي بعض الأحيان يُعتبر النص «أداة» مثله مثل أدوات العرض. وعلى سبيل المثال يمكن عرض أجزاء من النص على شاشات، كأنه صورة، أو يمكن للممثلين إلقاء الحوار معاً في آن واحد، فيصبح الحوار، أي النص، مجرد خلفية صوتية للمسرحية.
ولأن مصطلح «نص» في المسرح يحمل أيضًا معنى «الدراما»، أي قصة درامية بكل مراحلها – البداية، التطور، النهاية – فإن فقدان النص لمركزه يعني تراجع القصة وفقدانها لأهميتها، لصالح الأداء. وهو ما يعني إعادة تسليط الضوء على الجوانب غير النصية للمسرح، لضمان تعددية اللغات في الفضاء المسرحي، ويطلق على هذه العملية «مسرحة» المسرح، أي تخليصه من كل يشدّه إلى نوع فني وجمالي مختلف وهو الأدب».

المتوسط، ميلانو 2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية