بغداد ـ «القدس العربي»: قوبل طرح مشروع قانون الجرائم الإلكترونية في الدورة الحالية لمجلس النواب العراقي، بموجة واسعة من الانتقادات والاعتراضات على العقوبات القاسية التي يتعرض لها منتقدو الأشخاص والقوى السياسية والأداء الحكومي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، بما يجعل جميع المعارضين والمدونين تحت طائلة القانون.
وقد طرح مجلس النواب، الأسبوع الماضي، مشروع قانون جرائم المعلوماتية للقراءة الأولى، حيث يقضي النظام الداخلي للبرلمان بأن يحصل أي مشروع قانون على ثلاث قراءات تشتمل على مناقشات لبنوده، قبل التوجه إلى جلسة التصويت عليه.
وفي أعقاب طرح مشروع قانون الجرائم الإلكترونية، تفجرت موجة انتقادات سياسية وشعبية واسعة للتنديد بإصرار بعض القوى السياسية الحاكمة على تمرير القانون الذي سبق رفضه مرارا، كونه يخالف الدستور ويقيد حرية التعبير والرأي.
وعقد 36 من نواب قوى التغيير والمستقلين، مؤتمرا صحافيا في مبنى البرلمان، أعلنوا فيه رفض قانون الجرائم المعلوماتية المعروض في البرلمان، لكونه يتعارض مع الدستور ويقيد حرية الرأي والتظاهر.
وأعلن النائب المستقل هادي السلامي، رفضه مع عدد من النواب للمشروع، مبيناً أن مسودة القانون تضم العديد من المخالفات. وقال في تصريحات للصحافة، إن «رئاسة مجلس النواب انتهكت النظام الداخلي للمجلس من خلال إدراج قانون الجرائم المعلوماتية ضمن جدول أعمال الجلسة دون علم النواب». وأضاف «هناك تحفظ ورفض لقانون الجرائم المعلوماتية، على اعتبار ان القانون يتعلق بـ41 مليون عراقي ولا يمكن إقراره بصيغته الحالية». وأشار إلى انه في الدورة البرلمانية السابقة، تم جمع تواقيع النواب وإرسال كتاب إلى رئيس الوزراء السابق، لسحب مشروع القانون لاحتوائه على مخالفات كبيرة، لأن المادة 38 من الدستور تنص على حرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي وكذلك المادتين 5 و20 من الدستور.
وتابع السلامي «كل دول العالم تطورت في مجال حقوق المواطن والحصول على المعلومة، إلا نحن فإن قانون الجرائم المعلوماتية يحتوي على مخالفات ونرفض إقرار القانون بمجلس النواب». داعيا رئاسة مجلس الوزراء لسحب القانون من البرلمان وتعديله وفق الدستور العراقي.
ويتضمن قانون جرائم المعلوماتية أكثر من 20 مادة أدرجت تحتها فقرات عدة، نصت جميعها على عقوبات متفاوتة تصل للحبس 30 عاما، وغرامات مالية تصل إلى 100 مليون دينار عراقي (حوالي 69 ألف دولار) وعدت تلك الفقرات المعلومات الإلكترونية، ضمن دائرة الخطر والمساس بأمن الدولة والمجتمع.
مبررات دعاة القانون
ومن أجل تمرير القانون، قدمت الحكومة وأحزاب السلطة التي طرحت القانون، عدة مبررات لاقراره وتخفيف الاعتراضات الواسعة ضده.
فقد ادعت لجنة الأمن والدفاع النيابية، ان إقرار قانون الجرائم المعلوماتية سيحد من جرائم الابتزاز والتحريض، ويستهدف ملاحقة صفحات ومواقع التطرف والإرهاب التي تدار من قبل جهات «معادية» للمجتمع العراقي.
وقال عضو اللجنة أحمد رحيم الموسوي إن «لجنته عازمة على إقرار القانون خلال الدورة البرلمانية الحالية لحماية المجتمع من الأفكار الإرهابية والتطرف المعادي وصفحات ومواقع تواصل داعمة لداعش والعصابات الإرهابية والإجرامية الأخرى». وادعى النائب، ان «القانون لن يستهدف حرية التعبير عن الرأي أو تقييد الآراء والأفكار الشخصية» من دون ان يذكر مبررات الاعتراضات الواسعة على القانون.
وأضاف الموسوي أن «الكثير من مواقع التواصل باتت تشكل خطرا كبيرا أشد من الإرهاب والقتل والجريمة المنظمة ما أثر سلبا على شرائح اجتماعية واسعة أبرزها المراهقين والصبية ودفعهم إلى سلوكيات مرفوضة أبرزها الانتحار والمخدرات وغيرها».
ويرى الكثير من المراقبين والنشطاء، ان بعض أحزاب السلطة تتبع أسلوب دس السم بالعسل، لتمرير القانون، من خلال تعمد الخلط بين الجرائم الإلكترونية مثل الانتقادات والتشهير والابتزاز للأشخاص، التي توجد فقرات رادعة لها في القوانين السابقة، وبين الفعاليات التي تعبر عن حرية الرأي والتظاهر والانتقاد التي كفلها الدستور. علما بان نفس القانون، قد تم رفضه من قبل «تحالف المادة 38 من الدستور» وهو تحالف يعنى بحرية التعبير والصحافة، ويضم طيفاً واسعاً من منظمات المجتمع المدني.
أبرز الانتقادات للقانون
ومن أبرز المؤاخذات على القانون المطروح هي منح السلطات والقضاء، حرية محاكمة الناشطين والمعارضين والمدونين على قضايا مثل انتقاد المسؤولين والحكومة والشخصيات السياسية والدينية، وكذلك تقييد الوصول للمعلومات وحق نشرها، خاصة في ما يتعلق بقضايا الفساد. كما وضعت مسودة هذا القانون، عقوبة السجن من (7-10) سنوات والغرامة لمن يقوم بكتابة تغريدة على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تحت فقرة فضفاضة تسمى «الاعتداء على المبادئ والقيم الدينية أو الأسرية أو الاجتماعية» من دون وضع حدود لهذه المفاهيم. لذا يؤكد المراقبون انه لم يحظ أي مشروع قانون في البرلمان بهذا الكم من الاعتراضات والانتقادات.
وذكرت عضو مجلس النواب سروة عبد الواحد في لقاء متلفز، ان هذا «المشروع جرى طرحه منذ الدورة الثانية للبرلمان، وفي كل دورة يتم إعادة طرحه ويتم رفضه، ويفترض بالحكومة سحب القانون وإجراء تعديلات جديدة على بنوده، لأن وقت تشريع القانون كنا ذاهبين إلى الحرب الأهلية والمشاكل الطائفية والتهجير، فتم طرح مشروع القانون آنذاك وفيه إجراءات قوية للسيطرة على الأوضاع، أما اليوم فالوضع تغير، فالمواطن العراقي يريد ان يكون مراقبا على أداء الحكومة والبرلمان، وان تكون هناك فسحة لقوى المعارضة من خلالها يستطيع ان يعترض وان يعبر عن رأيه».
وبدوره، قال النائب السابق والقيادي الشيوعي جاسم الحلفي لـ«القدس العربي» إن قانون الجرائم الإلكترونية، «من حيث التوقيت جاء ضمن صفحات الثورة المضادة على انتفاضة تشرين من أجل تصفيتها». وعن الجهة صاحبة المصلحة من القانون، أكد «ان القانون يعكس تمسك طغمة الحكم بالسلطة ومصالحها، وترسيخ حكم الأقلية المستبدة التي تضمر العداء للرأي المعارض».
وانتقد الحلفي «الصياغات المختلة غير الواضحة في القانون، كونها عمومية وغير محددة تتحمل التأويل ومن أمثلتها، الجرائم التي تمس الأمن القومي أو اقتصاد البلد» كما أشار إلى وضع مفردات للتغطية في القانون مثل «جرائم الإرهاب والإتجار بالبشر والابتزاز» بينما تلك الجرائم لها قوانين خاصة بها. مؤكدا ان القانون يتعارض مع المادة 38 من الدستور التي تسمح بحرية الرأي، وفقرات حق الوصول إلى المعلومة. واتهم الحلفي، أحزاب السلطة بـ«المضي في الانحراف عن الديمقراطية وتجاوز قيم حقوق الإنسان وضمانها. وهم ينطلقون من وهم قوتهم والسلطة التي وفرت لهم المال والنفوذ، لذا يحاولون اليوم تمرير هذا القانون لتحقيق نصرهم الموهوم على تشرين التي هزت أركان نظامهم، نظام المحاصصة والفساد».
وفي السياق ذاته، تحدثت الإعلامية والناشطة أمل صقر، إلى «القدس العربي» عن تقييمها لقانون الجرائم الإلكترونية «ان هذا القانون يلاقي اعتراضات كثيرة من القوى المدنية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالتعبير عن حرية التعبير، لأن هذا القانون فيه الكثير من الخروقات والعبارات الفضفاضة مثل الآداب العامة والرموز الدينية من دون تحديد المقصود بها، وبالتالي فإن أي موضوع يخص رجل دين سيكون جريمة يعاقب عليها القانون، وهو أمر مرفوض لأن كل عراقي له الحق في التعبير عن رأيه وفق المادة 38 من الدستور». وقالت صقر «لا أرى في القانون سوى بنود عقابية ولا تنتفي عنه صفة تكميم الأفواه منذ طرحه وإلى الآن، لذا لا أعتقد ان القانون سيمرر لأنه اذا تم تمريره وفق الصيغة الحالية فانه سيكون هناك اعتراض شديد قد يمتد إلى تنظيم وقفات رافضة للقانون بالإضافة إلى استخدام ضغط المنظمات الحقوقية، إذ ان القانون لن يلاقي اعتراضا من منظمات المجتمع المدني داخليا فقط، بل سيلاقي اعتراضات من منظمات دولية تتحفظ على اقرار العراق مثل هذا القانون، في ظل النظام الديمقراطي الذي تدعيه الحكومة، والتزامها باقرار القوانين التي تراعي التعبير عن حرية الرأي، خاصة وان المجتمع الدولي ما زال مراقبا من هذه الناحية».
ويذكر ان المنظمة الحقوقية الدولية «هيومن رايتس ووتش» ربطت بين كتابة مجلس الوزراء العراقي مسودة القانون عام 2011 وبين «جهد أوسع يهدف لقمع المعارضين العراقيين» خاصة وأن كتابته جاءت بعد تظاهرات عراقية تزامنت مع تظاهرات الربيع العربي وهددت رئيس الوزراء آنذاك، نوري المالكي، بالإقالة. وفي أيار/مايو 2021 أصدرت المنظمة، بيانا قالت فيه إن مجلس النواب قرر عدم المضي في عرض مسودة قانون جرائم المعلوماتية، وذلك بعد لقاء رئيس البرلمان محمد الحلبوسي مع عدد من سفراء الدول الأجنبية وممثلي منظمات دولية وحقوقية مختلفة، واعتبرت المنظمة ذلك بأنه «يمثل انتصارا لحرية التعبير على الإنترنت في العراق».
ملاحقة الرأي المعارض متواصلة
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع ملاحقات قضائية وحكومية مستمرة، لدعاة حرية الرأي حتى بدون قانون الجرائم الإلكترونية ، لكل من يوجه النقد لسلبيات المسؤولين في الحكومة والبرلمان.
فقبل أيام أصدر القضاء على النائب السابق والسياسي مثال الآلوسي، حكما بـ 7 سنوات حبس، على خلفية اتهامه بـ «الإساءة للقضاء» بعد إصداره تصريحات انتقد فيها الأحزاب الحاكمة وتسييس القضاء العراقي.
كما أصدر القضاء، الاثنين الماضي، حكماً بالسجن ثلاث سنوات على الناشط التشريني الشاب حيدر الزيدي، بتهمة «إهانة مؤسسات الدولة» على خلفية انتقادات وجهها إلى القيادي السابق في الحشد الشعبي والمقرب من إيران، ابو مهدي المهندس، الذي اغتالته طائرة مسيرة أمريكية في بغداد عام 2020. وقد رد رئيس حزب البيت الوطني المنبثق عن «حراك تشرين» حسين الغرابي، على القرار قائلا: «أهلاً بكم في الديكتاتورية، هذا الشاب حيدر الزيدي حكم عليه اليوم 3 سنوات بسبب تغريدة ينتقد فيها أحد آلهة السياسة في العراق… كلّا لخنق الحريات».
وفي نفس السياق أكد بيان لمركز النخيل للحقوق والحريات الصحافية، مؤخرا «ان الصحافيين في محافظة الأنبار باتوا يعانون كثيرا في أداء واجباتهم الإعلامية والصحافية بسبب تصاعد حالة تكميم الأفواه الذي أدى إلى تقييد العمل الصحافي في المحافظة». ونوه المركز إلى تعرض مدونين وصحافيين للاعتقال والسجن وتلفيق تهم ضدهم وفق «المادة 4 إرهاب» بسبب منشور أو تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي ضد رئيس إحدى السلطات الثلاث، داعيا الحكومة لحماية الصحافيين من الملاحقات التعسفية والجائرة.
ويرى أغلب المراقبين، ان إعادة طرح قانون الجرائم المعلوماتية في هذا الوقت يعد صفحة جديدة إضافية في سيناريو صراع الإرادات بين الأحزاب والقوى السياسية المتنفذة المتهمة بالفساد والفشل، وبين القوى الساعية للتغيير والإصلاح وأبرزها قوى تشرين ودعاة التغيير المدني، حيث يمنح القانون، مجالا واسعا للقوى المتنفذة في قمع الرأي المعارض وأية نشاطات ضدها مثل التظاهرات والاعتصامات، بما يؤدي إلى تكميم الأفواه وتقييد الحريات التي أقرها الدستور.