«سمكري الهواء-العليم بكلّ شيء» : سرجون كرم في مواجهة الحداثة

بمناسبة صدور مجموعته الشعرية السادسة وهي بعنوان «سمكريّ الهواء – العليم بكلّ شيء» لهذا العام (2022) عن دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، يواصل الشاعر اللبناني سرجون كرم (1970) استكمال عالمه الشعري، وتصويب صورته فاعلاَ في أرض الشعر العربي المعاصر، وضارباً في مجازات قصيدة النثر والقصيدة الملتبسة ـ نتحدث عنها لاحقا – وغيرها من الأنواع، وصانعَ خطابٍ عبر الشعر، لا يداري فيه أحداً ولا يدع مجالاً للالتباس حول رؤيته العالم وصورة ذاته الفاعلة والمنفعلة عبرها.

يقول الشاعر سرجون كرم الأكاديمي وأستاذ اللغة العربية في معهد الدراسات الشرقية في جامعة بون، في قصيدته الأولى التي يفتتح بها مجموعته الشعرية الأخيرة، بعنوان «للمنبوذين» ما مفاده أنّ المخاطبين «المنبوذين» الذين يزمع مخاطبتهم، بلغتهم «العادية» التي يفهمونها، أي بذلك السجلّ اللغوي الأليف، على ما تقول به اللسانيات الحديثة، وبما يعلو على العامية قليلا، ويدنو عن الفصاحة والبلاغة الشعريتين التقليديتين، إنّ هؤلاء هم الفئة المعنية بالخطاب الذي يأتي الكلام عليه. إذن، لدى التوغّل قليلا في صورة المستحقين لعنة الشاعر، المشار إليهم بالمنبوذين، يرى أنهم كل أولئك الذين استسهلوا خيانة الوطن وقتله، وأهلك بعضهم بعضا، وسالت دماؤهم حتى لا بحر يقوى على غسل ما اقترفت أيديهم، يقول:

«هل لديكم في قوافلكم

مكانٌ لبحرٍ

يلعق الدماء عن يديه

ويعضّ خاصرته

مثل كلب أطلقت عليه النّار؟»

ويختتم قصيدته بسؤال إنكاريّ يخاطب به هؤلاء، في استخلاص دالّ على استحقاق صورة النبذ واللعنة، قائلاً:

«هل لديكم في عرباتكم

– أيها الأغبياء-

وطنٌ آخر تختارونه

كي تقتلوه

وتأكلوه؟»

وبهذا المعنى، انقلبت دلالة «المنبوذين» في سياق القصيدة، وأبطل الشاعر دلالتها الأولى، المتقاطعة مع الخطاب السياسي الانتقادي (اليساري) الذي يرى المنبوذين من الثراء الاجتماعي والاقتصادي على أنهم الطبقة المستضعفة والمستحقة التعاضد والمؤازرة لاسترداد حقوق لها مهضومة. فصارت تعني الفئة التي نبذها الشاعر، والتي رأى أنها مستحقة اللعنة للأسباب الواردة سابقا.

وفي القصيدة الثانية، بعنوان «أحبّ حكايتي كما هي» التي يوازن فيها الشاعر، عبر صيغة المفاضلة المحوريّة في القصيدة («لو أنيّ استطعتُ/ لو انّي عاشرتُ) بين صورتين، بل بين مساريْن لهويّته ونمط حياته، بين كائن راضٍ بما يكوّنه من علاقات ومعارف، وانتماء إلى وطن، ونشيد وطني، وحكاية رحيله، ومغامرة اغترابه، ويخلص إلى تفضيل حكايته الأخيرة، ما دام أنه «يحبّ حكايته كما هي».

من خلال النموذجين اللذين ذكرتهما، يتبيّن للقارىْ أنّ النبرة الخطابية حاضرة في شعر سرجون كرم، وإن تكن موزّعة في تضاعيف صوره المركّبة، وشعاراته المعاد إنتاجها وفقاً لرؤية وأسلوب خاصين، سوف أعرض لهما من خلال نماذج أخرى، أو قصائد من قسمي المجموعة (سمكريّ الهواء) و(العليم بكلّ شيء). كما يحضر وعيه بأضداد الصور وبالنماذج العليا الموفورة في التراث الشعري العالمي، والموتيفات الأثيرة لدى الشعراء الرومنطيقيين، شأنه لدى الشعراء الواقعيين، وعلى أطراف الرمزية. ومع ذلك، لا بكائية في شعر كرم، وإنما قدر مضبوط من الشجن الخفر، ووجدانية لا ترقى الى مصاف الغنائية، ما دام أنّ الشاعر منشغل بتعيين الحدود الفاصلة بين عالمه وتصوّراته وإنسانه، وعالم الآخرين وتصوّراتهم وبشرهم ومصالحهم، ولغاتهم، وقدر وافٍ من الاعتداد بالأنا المخلّصة والمدركة أمور الدنيا الشعرية وما وراءها.

ويؤلّف الشاعر سرجون كرم قصائده غالب الأحيان، على سمت قصيدة النثر، لكن بإيقاع معجميّ وتقفوي خفر، ومتقطّع، ويكاد لا يُرى، كما هو الحال مثلا في قصيدة «المغنّي حين يكتب الذكريات»

«في البلاد التي يدفعُ سكّانها وسادةَ الأحلام

أجرةً للنوم،

يحتفلُ المغنّي بعيد ميلاده وحيداً،

أمامَ شمعة

وكوبِ ماءِ وسراب

وأيقونة العذراء

ويشكر في قلبهِ الطّغاة»

وينظم شعره في أحيان قليلة، ومرئية، على أوزانٍ ناقصة وغير تامة، بل هي أشبه بتوازنات تركيبية ذات مردود إيقاعيّ طفيف، غير ملتفت إلى التصنيف الذي قد يوصف به من قبل آخرين؛ يقول في قصيدة «كيرياليسون»:

«كلّ يوم أطلّ بصوتي

من ثقب الباب

وأشكر ربّي أنّ المقبرة

مقفلهْ.

كلّ يأكل من بستان أبي

ولا يطعم أرضهُ قدرَ حوقلة

قبّرهْ»

لكن لا يمكن للقارىْ أن يتغاضى عن قصيدة «زرياب» التي تكاد تكون الوحيدة المنظومة على مجزوء الرجز، بل يقوم السطر الشعري الواحد في القصيدة على تفعيلة الرجز (مستفعلن، أو متفاعلن) دون أن يلتزم بضبط الأسطر عليها، يقول:

«أعدْ لنا زريابْ

يا قاتلاً في زمنِ الغيبوبةِ

الكبرى،

وشاعراً أصابهُ

الزهايمرُ

فراحَ يشربُ القهوةَ

في شوارع المدينةِ اليبابْ

يا والداً

يخرجُ من إحليلهِ الإعرابْ

والشعرُ

احملْ هذهِ الأمّة

إلى الجحيمِ

فوقَ كفّكَ الضبابْ»

كما يحرص الشاعر على التنويع في بنى قصائده، إذ ينتقل من قصيدة طويلة ذات وحدة عضوية واحدة («لا طفل فيّ، الدايم، على سبيل المثال لا الحصر) وهي تشكّل الكثرة الغالبة، الى مقطّعات شعرية نادرة (هيام) فإلى قصائد قصيرة (توحّد، تطهير، وأنتِ وأنطاكيا، على سبيل المثال) وهي تشكّل الثقل الثاني في المجموعة، وقصائد بل أناشيد مؤلّفة من مقطّعات على نمط «الهايكو» (اقرئي سورتي مرّتين، تعلّمتُ الدرسَ يا حضرُ، أنشودة س.ك، وغيرها) وانتهاء بقصائد متراوحة البنية بين أسطر شعرية خيطية وأسطر شعرية سردية ووصفية وبرهانية أحيانا (مايكل أنجلو، مثلا). ثمّ إنّ الشاعر، خالط الأنواع واللهجات والأساطير والأزمنة، والأبطال الأسطوريين (أورفيوس، الخضر، شمهورش، إلخ) وشخصيات شهيرة (الأسخريوطي، مايكل أنجلو، أبي ذرّ الغفاري، وغيرهم) لا يتوانى عن خلط منطق الطير بصوَر تنساب من ذاكرته الطفولية عن عيد الميلاد، وغيرها من صوَر ملئت به ذاكرته وما عاد يعرف «ماذا أفعل بالحروف/ إن انقشر أبو الحنّ عن شكل القصيدة».

وفي سياق هذا الخلط المقصود، الأقرب ما يكون منهجاً مقارناً بين ما كلّ ما يتراصف في ذاكرته القريبة والثقافية على السواء من تراثات شعرية عربية شرقية وغربية، القديمة منها والحديثة والمعاصرة، الفكرية منها والجمالية، يستعين به الشاعر ليكوّن موقفاً، أو يعبّر عن سلوك فارق عن الشعراء المجايلين له، أو لينشئ قصيدته على قالبه الخاص المدوزن بروحية الثنائيات الشرقية، وبلغته الشعرية التي انتهت إلى هيئتها الحاضرة بعد مخاض أظنّه عسيرا.

قلتُ إنّ الشاعر لا يضيره أيضا أن يمسّ بإحدى صوره السيريالية مسّا طفيفاً («في الطابق الثامن والعشرين ينتصب ملقطُ حواجب امرأة جميلة»). ولا يتردد في إبداء رأيه (شعراً) في الشعر الحديث وشعرائه، وفي طبيعة الشعر، وبعض النظريات فيه، على ما بات يدعوه النقد ما وراء الشعر:

«من منكم يجمع بي حبّات المطر

عن جبينِ شاعر أودّ أن أكونه داخل القصيدة؟

منْ قادر على أن يقدح من سندان الغيبِ متصوّفاً آخر

أودّ أن أكونه خارج القصيدة؟ «

لا يضطرّ الشاعر سرجون كرم للبحث عن وجهة نظر، أو منطلق خاص يذهب به إلى الموضوع الشعري الحاضر مسبقا لديه، والمستمدّ غالبا من الثقافة الفكرية التي سبقت الإشارة إليها. ولا يتطلّب في تشكيل الصور الشعرية التي ليست بدفق الأفكار والعبارات والمعجم الغريب والخليط. ذلك أنّ الخطاب الشعري لديه ماثل في المقام الأول، والذات الغنائية الوجدانية في الصف الثاني. ومع هذا، يجد القارىْ، شأني، أمامه شاعرا ذا عالم وآفاق متنامية وثرية.

للشاعر كرم خمس مجموعات شعرية هي: «تقاسيم شاذّة على مزاهر عبد القادر الجيلاني» و»في انتظار موردخاي» و»هذا أنا» و»سندس وسكّين في حديقة الخليفة» و»قصب الصمت».

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية