عندي ما يكفي من الأسباب لأقف غداً إلى جانب الفريق المغربي في لقائه التاريخي مع المنتخب الفرنسي. سأحرص، على أي حال، ألا تكون أسباباً سياسية، لكني، مع ذلك، أطالب جماهير المشجعين الغفيرة، العربية، والإسلامية، والأفريقية، اليسار الكوني، ورافضي التطبيع، أن تأخذهم الرأفة بالمنتخب الفرنسي، فهو ليس «الشر المطلق»، بل ليس شراً على الإطلاق. إنهم يستحقون التعاطف بقدر ما يستحق اللاعبون المغاربة.
يكفي أن تعود إلى هذا الفيلم الوثائقي «الزرق – تاريخ آخر لفرنسا 1996- 2016» لترى كم أن هؤلاء أقرب إلى الضحايا، المهمشين، والمنبوذين أحياناً، ولا يمكن أن يمثلوا فرنسا الاستعمارية، المتورطة بمجازر وانقلابات وتدخلات عسكرية. لقد كان «الأكيب» على الدوام متهماً بأنه يعكس «عملية تدهور حضاري، (حيث) روح المدينة تقتلعها روح أحياء الأقليات» حسب الفيلسوف الفرنسي فينكلكروت. وفي وقت وجد من يدافع عن روح التنوع والوحدة التي يمثلها المنتخب بوصفه «اتحاد البيض والسود والعرب»، أصر الفيلسوف البغيض (أساساً لا نعرف كيف يكون بغيضٌ فيلسوفاً!) على أن المنتخب الفرنسي هو «اتحاد السود والسود والسود».
يستطيع أي كان أن يخترع أسبابه للانتصار لهذا الفريق أو ذاك، وقد يبدو محقاً لأبعد مدى، وعلى المنوال نفسه يمكن اختراع أسباب لا حصر لها لمساندة الفريق الفرنسي، وإن شئت، حتى في السياسة، ستجد أن فرنسا من أهم من ناصر قضية الفلسطينيين.
لقد أنكروه على الدوام، لم تشفع للفريق، الذي ضم دائماً مزدوجي الجنسية، أنه أخذ فرنسا إلى مجدها الكروي الذهبي المزمن، إلى حد أن زعيم «الجبهة الوطنية»، جان ماري لوبان آنذاك، وجد مصطنعاً بعض الشيء أن يضم المنتخب لاعبين من الخارج ويطلق عليه مع ذلك اسم المنتخب الفرنسي.
يستطيع أي كان أن يخترع أسبابه للانتصار لهذا الفريق أو ذاك، وقد يبدو محقاً لأبعد مدى، وعلى المنوال نفسه يمكن اختراع أسباب لا حصر لها لمساندة الفريق الفرنسي، وإن شئت، حتى في السياسة، ستجد أن فرنسا من أهم من ناصر قضية الفلسطينيين، ولا يزال، وإن كنتَ من ضحايا النظام السوري ستجد أن فرنسا كانت رأس حربة على مدى العشرية السورية في مواجهة نظام الأسد. وفي المقابل بالإمكان أن نعد أسباباً شتى في هجاء سلطة «المخزن» المغربي، وقد لا يتسع المكان هنا.
أرأيت! خفف من غلوائك إذن، فريقك سيربح غداً، ولكن ليربح دون كراهية، دون شيطنة للفريق الفرنسي المنسوب أساساً للضواحي الفقيرة، وحتى لو لم يكن كذلك فهو لا يستحق أن ترمى عليه كل تلك الشرور. هدئ من روعك، إنها مجرد لعبة.
«الألمان يعودون لعصر الحطب»، يعنون موقع ممانع على نحو شامت، ويروح يبحث في تفاصيل تيه الإنسان الألماني، الأوروبي عموماً وتخبطه فيما يبحث عن مصادر للدفء والطاقة في هذا الزمهرير القاسي. يمكن القول إن العبارة، العنوان، باتت باباً مكرساً في الإعلام الممانع، بدءاً من إيران إلى روسيا، والنظام السوري وميليشياته وممثليه. كل يوم هناك أخبار تعزف على هذا النول.
«دول» أغرقت شعوبها بالفقر والمخدرات والنفايات والموت اليومي ولديها وقاحة أ ن تسخر من بؤس العيش الأوروبي.
لقد دأب ممثل سوري موال للنظام على التقافز هنا وهناك لشتم ما أمكن من زملائه الممثلين المعارضين، ومد لسان السخرية لـ «المؤامرة الكونية»، ومناكفتها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ظهر وهو «يفقس» أزرار المصابيح الكهربائية، أو وهو يشعل البوتوغاز بشكل مجاني ليقول إن بلده يتمتع بما لم يعد يقدر عليه المواطن الأوروبي، العائد إلى زمن الحطب. ممثل مهرج، تشفق عليه من رداءة موهبته ومن أسلوبه في التشبيح لنظام العصابة. إنك تخجل من ذكر اسمه، وتخجل أن تقارنه حتى بأحمد سعيد، المذيع الخشبي الشهير ولسان أنظمة العنتريات العربية.
«دول» أغرقت شعوبها بالفقر والمخدرات والنفايات والموت اليومي ولديها وقاحة أن تسخر من بؤس العيش الأوروبي. وصحيح أن الهدف قد يكون رسالة طمأنة للمواطن السوري، لكن غالباً سيكون الأخير على اطلاع كاف بما يجري، الممثل نفسه يعرف تماماً المستنقع الغارق فيه.
لا يمكن، ولا يجوز، لأي أزمة معيشية في سوريا أن تثير أي نوع من السخرية أو الشماتة، حتى لو كان المشتكي أحد أشد موالي النظام، غير أن الفيديو الذي بثه الممثل السوري وضاح حلوم في وقت متأخر من إحدى الليالي الماضية لم يثر أي نوع من التعاطف، وجرى تداوله فوراً بقوة للسخرية، لكن ليس من جوعه وحاجته للكهرباء، بل من طريقته في مخاطبة «السيد الرئيس».
إنه ممثل رديء، حتى وهو يتحدث عن مصيبته هو، حتى لو كان يتحدث من قلب العتمة والقهر وانعدام الكرامة.
ظهر حلوم من قلب العتمة، بوجه متعب، «خالص» بالدارجة السورية، وفي دقيقة واثنتين وعشرين ثانية، هي مدة الفيديو، لا ندري كم من المرات أعاد عبارة «سيدي الرئيس»، مع تأكيد مُمَسْرح لكل حرف في العبارة. اشتكى وضاح لرئيسه بأن الحال لم يعد يطاق، وأن بيده وحده الحل، وأن عليه أن يتدخل.
المثير هو هذا الوعي الرديء بالمصيبة السورية. الممثل الفهيم، بعد كل ذلك ما زال يظن أن لا علاقة لسيده بما يجري، وبالتالي لا بد أنه سيكون بريئاً من كل شيء. لكن حتى لو كان حلوم صادقاً في وعيه ذاك، فإن الأداء جاء قليل الصدقية، إنه ممثل رديء حتى وهو يتحدث عن مصيبته هو، حتى لو كان يتحدث من قلب العتمة والقهر وانعدام الكرامة.
أما الإصرار على عبارة «سيدي الرئيس» فهي تستحق موسيقياً بارعاً يحولها إلى أغنية على غرار أغنية مارلين مونرو الشهيرة الموجهة إلى الرئيس الأمريكي جون أف كينيدي.
*كاتب من أسرة تحرير «القدس العربي»