لن تدفع كي تنجح!

حجم الخط
2

كم عدد الملايين من الدولارات التي كان على المغرب أن يدفعها ليصبح إسمه مزينا لعناوين الصفحات الأولى في أكبر الصحف العالمية في أكثر من مئتي دولة حول العالم.
كم عدد الملايين من الدولارات التي كان على المغرب أن يدفعها ليحتل علمه الأحمر تتوسطه النجمة الخضراء، صدر أغلفة معظم صحف العالم من أقصى الكرة الأرضية الى أقصاها. كم عدد الملايين من الدولارات التي كان على المغرب أن يدفعها لحث الملايين من أبنائه المهاجرين في كل القارات الخمس للنزول الى الشوارع والميادين وإضاءة ليالي مئات المدن في اوروبا وامريكا الشمالية والوسطى والجنوبية في احتفالات ولا أكبر. كم عدد الملايين من الدولارات التي كان على المغرب أن يدفعها لتوقظ ضمير مئات الملايين من أبناء الأمة العربية ليتوحدوا خلف علم واحد وفريق واحد وهدف واحد بعد أن مزقتهم السياسة تارة والتقاليد والاديان والخلافات على مدار عقود طويلة من الزمان.
لحسن الحظ، المغرب لم يدفع دولارا واحدا في كل ما سبق. العكس صحيح، المغرب يستقبل من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) مبلغا يزيد على ثلاثين مليون دولار خلال الأيام المقبلة وفقا للائحة كأس العالم التي تمنح المنتخبات المتأهلة الى نصف النهائي ما يزيد على 25 مليون دولار بالاضافة لملايين أخرى لأنديته التي قدمت لاعبي المنتخب.
شكرا لكرة القدم… اللعبة الجميلة… القوى الناعمة. شكرا للملك محمد السادس الذي وضع كرة القدم والمنتخب ضمن اهتماماته الكبرى، واستحق ما ناله من حفاوة وحب واحترام وهتافات عندما نزل بسيارته يجوب شوارع العاصمة الرباط بعد مباراتي اسبانيا والبرتغال في الدورين ثمن وربع النهائي.
النجاح عمل جماعي، وما قدمه المغاربة في كأس العالم هو أعلى درجات النجاح في العمل الجماعي الذي يبدأ دائما بحلم ثم يتحول الى فكرة وتتحول بدورها الى مشروع له خطة طموحة وطريق واضح وأهداف مشروعة وممكنة حتى لو كانت غير مسبوقة. ومن يتابع المشروع المغربي في كرة القدم على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة يتأكد أن إنجاز أو إعجاز أسود الأطلسي في كأس العالم في قطر هو ثمرة ناضجة لمشروع عملاق بدأ في مطلع التسعينات. يوم فاجأت المغرب العالم بأسره لتكون أول دولة عربية افريقية تتقدم للاتحاد الدولي لكرة القدم بطلب تنظيم نهائيات كأس العالم 1994. وهو ما تكرر لاحقا في مطلع الألفية.
التقدم لتنظيم كأس العالم ليس أوراقا تقدم ولا أموالا تشتري بضاعة. ولكنه ملف يضمن مستوى رفيعا من البنية التحتية للملاعب والمنشآت الرياضية والفندقية ثم هيكل متميز من الإدارة الرياضية.
التقدم في أي مجال في العالم. سواء كان اقتصاديا صحيا تعليميا أو رياضيا يستوجب بنية تحتية وإدارة جيدة. وهما العمودان اللذان قامت عليهما الرياضة والكرة في المغرب. والمتابع لأحوال الرياضة في كافة الدول العربية (إلا من رحم ربي) يجد فسادا متغلغلا في فروع الإدارة على مستويات مختلفة، وللأسف لا تتاح معظم المراكز القيادية في وزارات الرياضة واللجان الاولمبية والاتحادات الرياضية ولجانها والأندية الكبرى إلا لعلية القوم ولأقارب الرئيس وحاشيته ووزرائه والمنافقين من حولهم. وعلى العكس لن تجد في المغرب شخصا قريبا من الملك أو من الأسرة المالكة في أي منصب رياضي مرموق. وإذا تواجد بحكم كفاءته فهو بلا سلطات إضافية.
أعود لكرة القدم وما يقدمه منتخب المغرب بقيادة الإبن المخلص المدرب وليد الركراكي لنستخلص أحد أهم الفوائد الفنية التي يمكن أن تمثل نموذجا لفرق أخرى في المستقبل. وجود الركراكي نفسه مدربا كان مفاجأة سبقت كأس العالم بأسابيع قليلة بعد أن أعيت الحيل فوزي لقجع رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم في إقناع المدرب السابق البوسني وحيد خليلوزيتش لضم الثنائي حكيم زياش نجم تشلسي ونصير مزراوي نجم بايرن ميونيخ لصفوف الأسود. ورغم الضغوط الاعلامية والجماهيرية على خليلوزيتش لضم الثنائي الموهوب إلا أن عناده ورفضه تخطيا حدود العقل والمنطق. وكان القرار الصعب والشجاع لفوزي لقجع بالاستغناء عن خدمات خليلوزيتش وتعيين وليد الركراكي بدلا منه قبل وقت قصير من المونديال بمثابة الشرارة التي أوقدت الحماسة عند زياش ومزراوي وكل لاعبي وجماهير المغرب.
الدرس الأول والأكبر هو نشر العدل بين الجميع وإشعال الدوافع والحوافز. الركراكي أمن بقدرات لاعبيه وكان عادلا بينهم في الاختيارات المبدئية لقائمته وفي انتقاء القائمة النهائية وفي الوقوف على تشكيل ثابت مع خلق الدوافع دائما للبدلاء. واستفاد من تغييراته الخمسة في كل المباريات لضمان عدم ركون أي لاعب أساسي لمكانه المضمون وعدم يأس أي بديل من الحصول على الفرصة. وها هو الركراكي استفاد من أكثر من 20 لاعبا من قائمته حتى الآن في مبارياته الخمس.
وحجم العطاء والتضحيات من لاعبي المغرب في الملعب يبدو خياليا حتى ترى بعضهم وكأنه يمتلك ثلاث رئات أو يقفز إلى السماء وكأنه يمتلك جناحين. وكانت قفزة يوسف النصيري محرزا هدفه في البرتغال حديث الجميع وصنفت القفزة الأعلى في البطولة. وفى النهاية، المغرب نجح ويستحق النجاح وقدم لنا درسا ملهما. أرجو أن نستفيد منه جميعا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية