مع مجموعة شباب المسرح في رحلة لتقديم عرض مسرحي في النجف عام الانبار
انسحبتُ من الوقوف عند عتبة المراهقة المتوجسة، وبدأت أتلمس طريقا طريّا بما يحمله من ضياء.. حاولت أن أتنفس قَلقَا غريبا أخذ يرحل بي إلى هواء عاصف.. لم أعر أهمية للفراغ الذي وجدتني فيه، كانت لحظات مفتوحة على براءة موشَّاة بالتأمل، شعرت حينها بأن الهواء سيورثني أغصانا يانعة تكفيني ما يسقطه الوقت على أكتافي الغضة من أحمال.. تساءلت مع نفسي: «هل سأقوى على السير حتى النهاية؟»، وبين التأرجح بحثا عن إجابة تصافح صوتي وهو يتأتئ بالكلام، خطفت نظرة إلى الخلف حيث الزقاق الغارق بالحكايات يتعثر بطفولة كنت قد غادرتها تواً.. تقدَّمت قدماي خطوة إثر خطوة، مبتعدة عن صحبة البراءة لتقف على الخشبة، بينما كنت أنتظر سقوط الضوء من سقف المسرح.
الإقتراب من الخشبة
في ذلك المشوار البعيد الذي مضى عليه ما يزيد على أربعة عقود، كانت غايتي أن أصل إلى البيت ألذي أصبح مقرا لاتحاد الشباب، وأن ألتقي مسؤول الفرقة المسرحية الجديدة المخرج شفاء العمري، بعد أن سمِعتُ خبر تشكيلها من خلال إعلان قرأته مذيعة جميلة شابة، فيها شيء من البدانة اسمها ريتا، قبل أن تنهي نشرة أخبار الساعة الثامنة مساء عبر شاشة التلفزيون المحلي لمدينة الموصل.
قررت الذهاب إلى مقر الفرقة المسرحية الكائن في حي الطيران، حال سماعي الخبر دون أن أمنح نفسي أي فرصة للتفكير بالأمر، ولم تكن لديّ مشكلة في معرفة العنوان، فأنا أعرف الجانب الأيمن من الموصل شبرا شبرا، لأن بيوت الأقارب والمعارف، من الأعمام والخالات تتوزع في مناطق مختلفة منه، ولم نكن بحاجة إلى أن نستقل سيارة أو حافلة لنقل الركاب إذا ما أردنا زيارة بيت أي واحد منهم، إلاَّ إذا كانت نيتنا العبور إلى الساحل الأيسر من المدينة.. كانت سطور صفحتي بيضاء، تنتظر كلمات مغموسة بزرقة مبهرة، لن أشك اليوم بعد ستة عقود من التعبد في ملوكتها أن لون البحر يحسدها عليها.
مدفوعا إلى الحياة
ذلك المشوار الذي سينعطف بي إلى عالم آخر، بعيدا عن نداءات الطفولة ومرحها، ما يزال في أرشيف ذاكرتي مؤرخا بمساء يومٍ شتائي شديد البرودة من عام 1973 في منتصف شهر كانون الثاني/يناير، آنذاك كنت طالبا في الصف الأول من المرحلة المتوسطة، مدفوعا إلى الحياة بأحلام المراهقة، تتملكني رغبة شديدة في أن أكون ممثلا مسرحيا، بعد أن أدمنت على الذهاب إلى السينما صباح كل يوم جمعة، مع جوقة من أطفال الحي، غالبا ما يصل عددنا إلى عشرة أو خمسة عشر طفلا وربما أكثر، وكانت أعمارنا تتراوح ما بين 11 ـ 12 سنة، وما أن يلتمَّ شمل العصابة في رأس الزقاق حتى نتجه مشيا على الأقدام إلى واحدة من دور العرض الكثيرة التي كانت قائمة في الموصل، فقد وصل عددها إلى ما يزيد على 16 دار عرض حتى عام 2003.
حب غامض للمدينة
ما زلت أتعكز على هذه المدينة وأنا أقود عربتي من عتبة إلى أخرى، وليس لي من خيار آخر لكي أطوي صفحتها من رصيدي، مع أنني استيقظت فيها وأنا مكبل بأيام دحرجتها خطابات متشنجة ضرجت طرقاتها بلون أحمر، وقفت أمامها طويلا والحيرة تتلبسني. غالبا ما أتجاهل سؤالا يلح عليّ :»لماذا أنت واقع في فخِّها؟»، هذا السؤال لا يزيدني سوى الاكتفاء باللامبالاة، فالحب عندي كتاب غامض، يدعوني بشغف لكي أصغي إلى كلماته. بين فترة وأخرى أزور الموصل لإنجاز بعض الأشغال، وإذا ما كانت لديّ فسحة من الوقت بعد أن أنتهي من المهام التي جئت من أجلها، فإن أول ما يخطر على بالي أن أستقل سيارة تاكسي لتعبر بي الجسر العتيق إلى الجانب الأيمن منها، وما أن تصلني الروائح المقبلة من سوق العطارين وباعة السمك عند الطرف الثاني من الجسر، حتى أطلب من السائق أن يتوقف، فأغادر السيارة لكي تغتسل روحي بعبق المكان، رغم الدمار الشنيع الذي لحق بالأحياء السكنية المطلة على نهر دجلة جراء الحرب عام 2017 ما أحال الكثير منها إلى أثر بعد عين، لكنها باقية هنا في رأسي ووجداني، بكل تفاصيلها، لأن ثمة علاقة سرية بيني وبين كل ركن من أركان الجانب الأيمن ليس بوسعي أن أصل إلى تفسير حقيقتها، هي أشبه بعلاقة الإنسان بالأحلام وأطياف الأرواح العزيزة على قلوبنا التي عادة ما تزورنا في اللحظات التي نحتاجها عندما يكون واحدنا في حالة انشداد وجداني. تأخذني خطواتي إلى التوغل في شرايين سوق العطارين، فلا أجد روحي إلاّ وهي ترفرف مثل أجنحة الحَمام مُحلقة في الأعالي، لتحط من بعدها على الرفوف وأكياس البهارات والحناء والسجق وجوز الهند والتين المجفف.

المخرج شفاء العمري
سحر السينما وخرائب الصالات
لكنني إذا ما ابتعدت وأصبحت قريبا من منطقة الدوَّاسة، أجدني أشعر بغربة قاسية عندما أبصر مباني بعض دور العرض السينمائي، وقد تحولت إلى خرائب وأنقاض مثل سينما السندباد وسميراميس، وأخرى تحولت إلى محلات تجارية مثل الأندلس وغرناطة وحمورابي وإشبيلة، ولم يبق منها سوى اللوحة الخشبية العريضة في أعلى واجهة المبنى التي كانت أعيننا تتعلق فيها، ونحن نتأمل مسحورين إعلانات الأفلام الملونة الملصقة عليها، التي اعتدنا أن يتم استبدالها كل يوم اثنين من كل أسبوع.. كم كانت الحياة منتظمة في مواعيدها، لا يعكر صفوها غبار الأحداث، فكنّا نقف أمام واجهات دور العرض، نحدِّق في صورٍ تستعرض مشاهد من الفيلم، ونحاول أن نشحن مخيلتنا الطريّة بطاقة غير اعتيادية من العمل لكي تساعدنا على تخيّل الأحداث التي كانت تشي بها تفاصيلها.
بيوت مترفة
قادتني خطواتي المتسارعة إلى حي الطيران، الذي كانت تنعم شوارعه وقصوره الفخمة، بهدوء يبعث على الاسترخاء، على عكس أحيائنا في الموصل القديمة، التي كانت تضج أيامنا فيها طيلة النهار وإلى ساعات متأخرة من بعد منتصف الليل بحيوية فائقة وحركة متدفقة وأصوات بنغمات ودرجات موسيقية تتوزع على طول السلم الموسيقي من درجة الدو إلى ما بعد درجة السي، حتى تصل إلى درجة السبرانو العالية. ما كان يسحرني في بيوت حي الطيران أشجار الفاكهة التي كانت تُطل مُترفَة من خلف جدرانها الواطئة، وتميل بأغصانها متدلية إلى ناحية الرصيف، بما يسهل على المارة أن يقطفوا ثمارها من برتقال ونومي حامض وتفاح ولالنكي.

مشهد من مسرحية النحو والموت عام 1976
اكتملت التمارين
كانت الفرصة متاحة لجميع الشباب في أن ينتموا للفرقة، فأصبح العدد ما يزيد على أربعين شابا وفتاة، واحدة كانت شقيقة أحد المتقدمين، انضمت في ما بعد إلى الفرقة بعد أن احتاج العُمري إلى فتاة في أول مسرحية أجرينا عليها تمارين لفترة تزيد على الثلاثة أشهر، حملت عنوان «مساء التأمل» وكان النص من إعداد قاسم محمد. بعد أن اكتملت التمارين تم عرض المسرحية على خشبة مسرح مبنى النشاط المدرسي المجاور لمدرسة الفتوة النموذجية بالقرب من قاعة الربيع.. ما زلت أذكر أن من بين الحاضرين كان المخرج عوني كرومي الذي عاد لتوه من ألمانيا في تلك الفترة، بعد أن أكمل دراسة الدكتوراه وكان يرافقه مخرج ألماني تتلمذ على يديه، فأبدى إعجابه الشديد بالعرض، وظل يتحاور مع شفاء العمري باللغة الإنكليزية التي كان يتقنها بطلاقة لمدة تزيد على الساعة، وقد أحالني ذلك الحوار إلى الاقتناع بأهمية الفرصة التي وقعتُ عليها عندما عملت مع العمري بعد أن وجدته يفتح منافذ مختلفة في النقاش الذي دار بينه وبين الخبير الألماني فيباخ والمخرج عوني كرومي.
لوعة الماضي
تأخذني اللوعة وأنا أستعيد ذلك المشوار، وبقدر ما أشعر بالغبطة، لأنه كان حافلا بتفاصيل ووجوه ولحظات معبأة بروائح زكية، بقدر ما يدفعني إلى التساؤل عن جدواه في حياتي وحياة الآخرين من بعد أن أصبحنا نبذل كل ما في وسعنا لأجل أن نحيا لحظة سلام، ولكن دون أن نحظى بها. أحيانا يستبد بي القنوط وأقرر بيني وبين نفسي الانزواء بعيدا عن ضجةٍ لم نجن منها سوى الخسارات تلو الخسارات، ولكني أصحو على نفسي تخاطبني: «المهم أنك قطعت المشوار وأصغيت لصوت الريح وتنسمت الهواء واغتسلت بضوء الشمس وغنَّيت ما يحلو لك وهذا يكفي، لأن الرحلة لن تكتمل أبدا، وسيمضي فيها من بعدك آخرون، فاهدأ وتأمَّل، كما لو أنك ذاهب أول مرة إلى حي الطيران».
كاتب عراقي

امام جانب من الدمار الذي لحق في الموصل بعد تحريرها