القاهرة ـ «القدس العربي»: عندما يذكر اسم سليمان فياض يتبادر إلى الذهن دوره في إثراء الإذاعة بالأعمال الدرامية الكلاسيكية وقدرته الفائقة على تحويل المسمع الإذاعي إلى صورة إنسانية مشحونة بالانفعالات والمواقف، حيث كانت الإذاعة في مرحلة مبكرة هي وسيلة التثقيف الرئيسية ذات الشعبية الجارفة.
عمل فياض مع مخرجين إذاعيين كبار أمثال مصطفى أبو حطب وعبده دياب وبدأت شهرته مع مسلسل الخامسة والربع مساء على محطة البرنامج العام وبرامج السهرة في الفترة المسائية.
كتب الراحل الكبير ألوانا إذاعية كثيرة جمع فيها بين الرصين التراجيدي والفكاهي الخفيف والتراثي الكلاسيكي، وعندما اشتهر ككاتب متميز التقطه التلفزيون فأنجز بعض الأعمال التي لعبت فيها الصورة دور البطولة، لتحل محل المسمع الإذاعي الذي كانت به الريادة ولكنه ظل محتفظا بمكانته كأحد كتاب الإذاعة الرواد فقد صار اسمه مقرونا في أذهان الجمهور بالميكرفون، ولم تستطع الأضواء التلفزيونية زحزحته عن هذا الإطار الذي ارتبط به قرابة نصف قرن.
كان للكاتب والأديب الكبير سليمان فياض خصوصية ثقافية نتجت عن مرجعيته الفكرية ودراسته الأزهرية في الدراسات العربية، فصقلت موهبته وترصن أسلوبه البلاغي فانعكس على طريقته في الكتابة والتأليف والسرد القصصي والرؤية الدرامية والحكي المشوق والمثير، وربما هذا ما جعله متفردا في كتابته الإذاعية التي تعتمد بالأساس على الإثارة لشد الانتباه. أحرز فياض تفوقا ملحوظا في ما كان يتنافس فيه مع محترفي الكتابة الإذاعية يوسف عوف وعباس الأسواني وسوريا عبد الملك وغيرهم من المتخصصين والموهوبين في هذا المجال.
لم تشغل الإذاعة ولا التلفزيون الراحل عن إبداعه القصصي ودوره النقابي، فقد كتب الكثير من الأعمال بينها، «عطشان يا صبايا»، «بعدنا الطوفان»، «أحزان حزيران»، «أصوات»، وهي رواية قصيرة كتبها عام 72. وكتب أيضا مجموعته القصصية المتميزة «وفاة عامل مطبعة» في أوائل الثمانيات، «ابن يونس» عام 1990 و»ذات العيون العسلية» أوائل التسعينيات وبالتحديد في سنة 92.
وكما ذكرنا سلفا لم تشغله مؤلفاته عن القيام بمسؤولياته النقابية، فقد احتفظ بدوره الثقافي والتنويري كعضو مجلس إدارة نادي القصة واتحاد النقابات والجمعية الأدبية المصرية ولجنة الدفاع عن الثقافة القومية في الرابطة المصرية لاتحاد آسيا وأفريقيا، فضلا عن مهامه الصحافية في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» التي قضي فيها فترة طويلة كاتبا وصحافيا بارزا، عمل كذلك في جريدة «الجمهورية» ومجلة «الشعر» وكان رئيسا لتحرير مجلة «إبداع» لمدة عشر سنوات في الفترة من 83 – 93 كذلك عين خبيرا لغويا في مشروع تعريب الحاسوب «الكومبيوتر».
وقد تجاوز المشروع الثقافي لسليمان فياض الإسهامات المذكورة بتوثيقه لسيرة أعلام العرب وهو المشروع الأهم الذي ضم ابن سينا وابن رشد وابن النفيس وابن الهيثم وجابر بن حيان والفارابي والبيطار وابن خلدون والإدريسي والجاحظ، وقد حصل بموجب هذا الدور التنويري الأهم على جائزة الدولة التشجيعية عام 1970 ثم حصل بعدها بسنوات على جائزة العويس الثقافية.
جمع الكاتب الموسوعي بين الفكر الديني القويم، الذي استقاه من المؤسسة العلمية الكبيرة «الأزهر الشريف» وبين الرؤية التنويرية المتطورة التي عبر عنها في كتاباته الأدبية والإنسانية ودراسته الإسلامية في توثيقه للشخصيات الفريدة والأعلام العرب.
رحل سليمان فياض عن عمر ناهز 86 عاما بعدما أكمل مشروعه الحضاري الثقافي وأثرى المكتبة العربية بأمهات الكتب، فكان لرحيله صداه القوي في الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي، وقد نعته وزارة الثقافة المصرية ووزيرها السابق جابر عصفور في بيان أكد على قامته وقيمته الأدبية والعلمية المهمة. ومن جانبه نعى اتحاد الكتاب المصريين الفقيد بوصفه مفكرا بارزا ومبدعا وأديبا يتمتع بحيثية ومكانة رفيعة هي الأليق به وبتاريخه وإبداعه.
كمال القاضي