القاهرة ـ «القدس العربي»: تحت عنوان «فرق بلا مكان»، يستعد مسرح أوبرا ملك لاستقبال المهرجان السادس لسلسلة مهرجان كيميت 20 الأسبوع المقبل، وهو الحدث المسرحي الذي أطلقه المخرج أحمد السيد رئيس المهرجان ومدير مسرح أوبرا ملك، في شهر أغسطس/آب الماضي، بهدف تقديم مهرجان فني كل شهر، وامتدت عروض مهرجان كيميت على مدار 6 أشهر ماضية بين مهرجان الممثل الواحد وعروض مسرحية أقل من 20 دقيقة وعروض موسيقية وراقصة وعرض بانتوميم.
عن الدورة المقبلة من مهرجان كيميت 20 وعن وضع مسرح الدولة حاورت «القدس العربي» المخرج أحمد السيد.
■ بعد إقامة 5 مهرجانات فنية مختلفة ماذا حقق مهرجان كيميت 20؟
□ مازلنا في العام الأول نتلمس الطريق، كل شهر نقدم حدثا فنيا مختلفا، لاكتشاف المواهب الجديدة واستهداف فئة جديدة من جمهور المسرح تحت سن العشرين، هدفنا هو تعريفهم بفنون المسرح وتقديم تجارب ذات مستويات فنية مختلفة، لذلك اخترنا موضوعات تتمحور حول «الطاقات الشابة المهدرة»، لماذا تهدر وكيف يمكن استغلال طاقات الشباب في مجالات الفنون المتعددة، أقمنا عدة ورش فنية في فن الأداء والكتابة المسرحية والبانتوميم، نتجت عنها أعمال فنية شاركت في دورات مهرجان كيميت السابقة، أبرزها كان العرض المسرحي «رجالة وستات»، وهو أول عرض مكتمل نتاج هذه الورش كان من المقرر له أن يعرض 15 ليلة عرض، لكن قمنا بمد فترة عرضه لتصل إلى 77 ليلة؟، بسبب الإقبال الجماهيري عليها، مهرجان «فرق بلا مكان» يستهدف الفرق الصغيرة من هواة المسرح التي لا تجد مكانا تعرض فيها، هناك فرق كثيرة لا تملك مالا لاستئجار مسرح خاص أو مسرح حكومي، على الرغم من أن هناك 540 قصر ثقافة لا تعمل طوال العام وهي مساحات غير مستغلة ومغلقة، فكرة هذا المهرجان هو تقديم دعم لوجستي لهذه الفرق وتشجيعها على تقديم أكثر من عرض خلال العام، بعد فتح باب التقديم تلقينا 76 عرضا واختارت لجنة المشاهدة منها 10عروض لتشارك في المسابقة.
■ لماذا تشهد عروض الورش المسرحية وعروض المسرح المستقل إقبالا جماهيريا كبيرا في ظل تراجع هذا الإقبال على عروض مسرح الدولة؟
□ طبيعة الموضوعات التي يطرحها المسرح المستقل، أو الورش المسرحية تتماس عادة مع جمهور الشارع المصري، ليس من الضروري أن نقدم دائماً مسرح شكسبير أو نصوصا لكبار الكتاب حتى يقال إننا نقدم مسرحا جادا، للأسف منذ سنوات تم تصنيف عروض البيت الفني للمسرح على أنها تقدم عروض المسرح الجاد أو التراجيديا، وأن عروض القطاع الخاص تقدم العروض التجارية، وبعد ذلك اختفى المسرح التجاري وظهر المسرح المستقل الذي يريد تقديم تجربة مسرحية أكثر اختلافا، المسرح الجيد هو الذي يتماس مع الجمهور، أيا كان اسمه أو هويته أو جهة تمويله، المسرح من أهم أدوات التنمية الاجتماعية، والفنون بشكل عام لكن المسرح أهمها، لأنه اتصال مباشر بين الفنان والجمهور، الاهتمام بتنمية الإنسان، الهدف الأساسي من إعادة فتح مسرح أوبرا ملك، إقامة ورش مسرحية في عناصر العرض المسرحي لتدريب جيل جديد من المبدعين يدافعون عن حريتهم ويعبرون عن أفكارهم ويطرحون آراءهم، وندربهم على إنتاج عروض فنية بميزانيات قليلة جداً.
■ كيف يمكن أن نعيد الجمهور إلى المسرح؟
□ يجب أن ننشر ثقافة المشاهدة خاصة بين الأطفال، نقدم لهم في البداية مادة قريبة منهم ننتقي فيها الأفكار ونختار الموضوعات التي تعكس واقعهم، حتى نصل إلى كافة الطبقات الاجتماعية، أنا لا أستهدف جمهور النخبة الذي اعتاد على قراءة الروايات العالمية، ولكن أريد أن أصل بالمسرح إلى شرائح أخرى، لذلك اقترب من الموضوعات التي تتماس مع حياتهم كي أربطهم بالمسرح، ثم مع الوقت أبدأ في تغيير الأذواق، لكن طبيعة الموضوعات التي تقدم في عروض البيت الفني عادة تخلق فجوة كبيرة بين الجمهور وعروض مسرح الدولة، نحن مجتمع يعاني من ارتفاع نسبة الجهل والأمية الثقافية، هذه الأمية تصنع مجتمعا غير مستقر لا يهتم بالفنون، بالإضافة إلى أن الجمهور يفضل الانصراف إلى مشاهدة نجوم الصف الأول في الفنون الأخرى مثل السينما، أو التلفزيون، هذا الفصل بين أنواع الفنون وضعهم في منافسة، رغم أن لكل منها ذائقته وهويته. الفنون في النهاية وحدة واحدة، المسرح التفاعلى يؤثر في الجمهور أكثر من الفيلم والفيلم يؤثر فيه أكثر من المسلسل، والمسلسل التلفزيوني يؤثر فيه أكثر من المسلسل الإذاعي، هي أنواع مختلفة من الفنون، ولكن ثقافة الإقصاء التي ارتبطت بظهور أجناس جديدة من الفنون وضعتها في مصاف الأعداء، هذه فنون مختلفة يجب أن تتكامل مع بعضها بعضا، إذا جعلناها جزءا رئيسيا من حياتنا اليومية، إذا لم تهتم الدولة بتنمية الوعي بأهمية الفنون خاصة عند الشباب سيتجهون إلى ممارسة العنف وهذا ما نعاني منه حالياً.
■ ماذا قدم المسرح المستقل للمسرح المصري على مدار الـ25 عاما الماضية؟
□ المسرح المستقل الآن يخطو خطوة مهمة جداً، لأول مرة في مصر تؤسس وحدة لدعم المسرح المستقل، منذ 25 عاما كان ينادي المستقلون بحقهم في توفير الدولة دعما حقيقيا لهم، الاستقلال لا يعني أن تنفض الدولة يدها عن الفرق الحرة التي لا تتبع البيت الفني للمسرح، ولكن يكون في دعم الاستقلال في الأفكار وأسلوب الطرح، الفنون يجب أن تكون مستقلة عن توجهات الدولة، لا توجد دولة في العالم تمتلك الفنون أو تحتكرها، لكنها تدعمها من دون أن تفرض وصايتها، لكننا في مصر للأسف فشلنا في إدارة الفنون بشكل عام، خاصة المسرح لأن الدولة أصبحت هي الجهة المنتجة والمشرفة التي تطرح الأفكار وتعالجها وتمنعها وتفرضها، وهذا ليس دورها حتى تحول الفنانين إلى موظفين خلف المكاتب الإدارية، لذلك حافظ المسرح المستقل على وجوده لما يتمتع به من حرية أكبر في اختيار الموضوعات التي عادة لا يمكن معالجتها في العروض التي تمولها الحكومة، بالإضافة إلى أنها تكسر كل القيود البيروقراطية، بالإضافة إلى أن الفرق المستقلة لديها وعي أكبر بما يحتاجه الجمهور. كما أنها حققت انتشارا ونجاحا واسعا في المهرجانات الدولية، حركة المسرح المستقل ساعدت في الحفاظ على وجود مسرح مصري في ظل التراجع الكبير لما يقدم على مسارح الدولة. في النهاية لا يجب أن نضع المسرح الحكومي والمستقل في خطين متوازيين يشكلان في النهاية تاريخا واحدا للمسرح المصري، فقط هناك مسرح فاشل ومسرح ناجح.
■ كيف يمكن لمسرح الدولة أن ينهض ويلحق بنجاح المسرح الحر؟
□ على مسرح الدولة أولاً أن ينتج ثم يتطور، العروض التي ينتجها البيت الفني للمسرح لا تتعدى العشرة عروض سنوياً، رغم أن هناك اثنتي عشرة فرقة تظل بلا عمل طوال العام وتتحمل الوزارة تكاليف مرتبات للعاملين فيها، من دون أي عائد يذكر، إذن كيف يمكن أن نفرز من بين عشرة عروض، المواهب الجيدة لنطورها؟ نحن نفتقر إلى وجود آلية للإنتاج حتى نتحدث عن صناعة حقيقية.
■ اهتمام مسرح أوبرا ملك بالورش المسرحية هل شكل وسيلة لاكتشاف جيل جديد من فناني المسرح؟
□ معهد الفنون المسرحية وهو الجهة الأكاديمية التي تخرج سنوياً حوالي 20 طالباً في مجالات المسرح المختلفة، لكن هذا العدد المحدود ينصرف إلى العمل في التلفزيون، أو السينما بسبب حالة الركود التي أصابت المسرح، لذلك لا توجد وسيلة أخرى سوى إقامة ورش خاصة ينضم إليها الهواة، وبعد انتهاء الورشة، إما أن تظهر مواهب حقيقية نساعدها على ممارسة العمل المسرحي بشكل احترافي، أو أن يدرك المتدرب أنه مجرد متذوق. كان أول عرض مسرحي متكامل من إنتاج الورشة التي إقيمت في مسرح أوبرا ملك عرض «رجالة وستات» للمخرج إسلام إمام، حالياً نعقد ورشة أخرى خاصة بمسرح الرقص الحديث بقيادة المخرج مناضل عنتر مدير فرقة الرقص الحديث، وسوف تقدم الورشة قريباً عرضا مقتبسا عن رواية الكاتب أحمد مراد» 1919»،، فلا توجد فرقة للرقص الحديث في مصر إلا الفرقة التابعة لدار الأوبرا، ندعم كل الفرق من الخارج وحالياً نختار أعضاء لفرقة اسمها «تحت العشرين» للشباب من عمر 14 أو 15 سنة، للأسف لا توجد أي محاولات جادة لخلق نظام خاص بالنهوض بالمسرح ولكن هناك تجارب عشوائية فردية، مثل ورشة المخرج خالد جلال وتجربة المخرج محمد جبر في العرض المسرحي 1980»وانت طالع»، لماذا لا تهتم الدولة بجمع هذه التجارب وتعميمها في أكثر من محافظة بعد أن أثبتت نجاحها على المستوى الجماهيري والنقدي.
رانيا يوسف