مستشار رئيس الحكومة العراقية الدكتور مظهر محمد صالح: العراق يعاني تدهوراً في الخدمات والفساد يستهلك نحو نصف مبالغ التنمية

حاوره: مشرق ريسان
حجم الخط
1

بدأ العراق مؤخراً بالتفكير جدّياً في التقليل من الاعتماد على النفط بنسبة تفوق الـ90 في المئة، كمورد أساسي لتمويل الموازنات المالية الاتحادية عبر تفعيل قطاعات أخرى «غير نفطية» وتنظيم عملية جباية الضرائب من الشركات المتهرّبة من ذلك، ضمن مسعى حكومي جديد يركّز بالأساس على دعم الشرائح الفقيرة وتطوير الخدمات، التي شهدت تراجعاً حادّاً منذ عام 2003 مستغلاً ما يسمى بـ«الوفرة المالية» التي حققتها الطفرة النوعية لأسعار النفط العالمية، في الأشهر السابقة.
وتعوّل حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد محمد شياع السوداني، التي جاءت بمخاضٍ سياسي عسير، على تقليل نسبة الاعتماد على النفط، لتصل إلى 80 في المئة، فضلاً عن عزّمٍ يبدو واضحاً على محاربة الفساد المستشري بعموم مفاصل الدولة العراقية، من خلال استرداد المبالغ المالية المهرّبة ومتابعتها.
وبالنظر للأهمية البالغة التي يشكّلها الملف الاقتصادي العراقي، في بلاد لا تزال تعمل ضمن ما يعرف بـ«الاقتصاد الريعي» وتأثيرات ذلك على الاستقرار الداخلي، أجرت «القدس العربي» حواراً مع الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، وفي أدناه نصّ الحوار:
○ العراقيون ينتظرون ولادة جديدة لمشروع قانون الموازنة المالية الاتحادية 2023 فما هي أبرز مرتكزاتها؟
•الإشكالية التي واجهت إعداد موازنة 2023 هي الوضع الدستوري والتشريعي. الحكومة الجديدة لم تتشكّل إلا بنهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فيما كانت السابقة بزعامة مصطفى الكاظمي، هي حكومة تصريف أعمال لا يحق لها تقديم مشروع قانون الموازنة بموجب قانون الإدارة المالية النافذ رقم 6 لعام 2019 المعدّل، الذي ينص على أن تقدم الحكومة كاملة الصلاحيات الموازنة منتصف تشرين الأول/أكتوبر.
الحكومة الحالية باشرت مهامها فعلياً مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وأتت ببرنامج آخر يختلف عن سابقاتها، يتضمّن جمّلة طموحات، ويركّز على الانفاق الاجتماعي ومحاربة الفقر وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية ودعم السلّة الغذائية للفقراء، تزامناً مع الارتفاع الحاصل بأسعار النفط.
الموازنة تضمّ مشاريع استثمارية مهمّة متعلقة بالخدمات، في ظل ما يعانيه الشعب العراقي من سوء في الخدمات وتدهورها في قطاعات البلديات والبنى التحتية، لهذا فإن مشروع قانون الموازنة جاء باتجاهين بما ينسجم والبرنامج الحكومي الذي أقرّه مجلس النواب نهاية تشرين الأول/أكتوبر، كما أقرّ تفاصيله مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة الأسبوع الماضي.
مشروع قانون موازنة 2023 يتضمّن شكلين هما انفاق اجتماعي كبير، بالإضافة إلى مشاريع ترتبط بالجانب الحكومي المرتبط أيضاً بتقديم الخدمات، بنى تحتية كطرق ومياه ومجاري وغيرها. البلد محطّم للأسف الشديد، ويتم الآن إعادة تنظيم للموازنة بجانبيها التشغيلي والاستثماري، هي معدّة أساساً غير إن هناك تعديلات في بعض أبوابها بما ينسجم والبرنامج الوزاري.
أسواق النفط مخيفة. بدأت الأسعار بالهبوط إلى نحو الـ70 دولاراً للبرميل بعدما بلغت أوجها بحدود الـ130 دولاراً في الأشهر الماضية، يقابل ذلك وجود ركود عالمي وطلب ضعيف وقدرات إنتاجية فائضة لدى الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوبك، وإمكانية إغراقهم السوق في أيّة لحظة وافتعال تخّمة تؤدي إلى هبوط أسعار النفط، مع الأخذ بنظر الاعتبار الحرب الروسية ـ الأوكرانية وعلاقتها بشكلٍ وثيق بسوق النفط الخام. هذا الوضع مقلق بالنسبة للعراق، لذلك يجب أن نعدّ موازنة متحفّظة.
تحفّظنا في الموازنة باعتماد سعر 65 دولاراً للبرميل، مع طاقة تصدير 3.3-3.4 ملايين برميل، وبالاعتماد على سقف إنفاق 150 تريليون دينار (نحو 110-120 مليار دولار) فإن ذلك سيولد عجزاً افتراضياً قد يتحقق وقد لا يتحقق.
في مقابل ذلك هناك فائض أو وفورات مالية حققها ارتفاع أسعار النفط في الفترة الماضية، تبلغ حسب تقديري نحو 15 مليار دولار، وستكون معوّضة لأي اقتراض خارجي أو داخلي في حال احتياج الموازنة اقتراضا بسبب العجز الافتراضي، أو لتغطية المبالغ في حال انخفاض أسعار النفط في المستقبل إلى دون ذلك.
مبالغ هذه الفوائض ستتحول إلى ما يشبه صندوق الاستقرار لمعالجة تقلّبات أسعار النفط. الحكومة يجب أن تأخذ احتياطاتها من تطورات السوق النفطية، خصوصاً إن النفط لا يشبه أي سلعة في العالم. هو سلعة سياسية واقتصادية أيضاً، يجب أن نكون حذرين وعقلانيين في الوقت عينه.
وبشأن مدى إمكانية الحكومة الحالية في التعويل على بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى، وعدم التعويل على النفط كمورد شبه وحيد لدخل البلاد، فإن منهاج الحكومة الجديدة جاد في تخفيض الوزن النسبي للنفط في إيرادات الموازنة من 93 في المئة إلى 80 في المئة، وهذا يعني إنها سترفع الإيرادات غير النفطية كالرسوم والضرائب وأملاك الدولة وأرباح الشركات وجميع الإيرادات الأخرى، من وضعها الحالي نحو 6 في المئة إلى 20 في المئة، لكن تحقيق ذلك يحتاج حلّ ما يسمى بالأوعية الضريبية الهاربة. 65 في المئة من السوق العراقية لا تتحاسب ضريبياً. يجب أن تكون هناك حوكمة صحيحة أمام هيئة الضرائب.
هذه السوق العراقية «رمادية» يتم الوصول الحكومي لها من خلال نظام ضريبي أقرّه المنهاج الوزاري الجديد، يمتاز بالسهولة والمرونة والوصول إلى المكلّف بدون إرهاقه، ويعزز في الوقت عينه الإيرادات الحكومية. هناك عمل على هذا الجانب يتم حالياً لإعداد قانون جديد خاص بالضرائب بالتعاون مع الوكالات الدولية واعتماد تجارب دول شبيهة للعراق في استحصال الضرائب.
الحكومة الحالية تخطط لتأسيس نظام لا يتعلق بفترتها فقط بل يشمل مستقبل العراق بشكل عام وهي تُستبدل لكن هناك احتياجات للشعب العراقي تتعلق بمستقبله. هذه الإجراءات من المفترض أن تكون ثابتة ولا علاقة لها بتغيّر الحكومات.
أما فيما يتعلّق بنتائج المفاوضات بين الإقليم والمركز، لحسمّ حصّة كردستان العراق من الموازنة المالية الاتحادية لعام 2023 فإن هناك قضيتين في هذا الملف. الإقليم هو جزء من الشعب العراقي والدولة العراقية الاتحادية، أما القضية الأخرى فتتعلق بملف النفط، وهذا الأمر يحتاج إلى حلول تأتي عبر حوارات، وإن من أبرز الحلول المطروحة على الطاولة هي إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي.
○ العراق يرتبط بديون خارجية أثّقلت كاهله منذ 2003 وحتى الآن، فما مصير هذه الديون حالياً؟
•العراق مطالب بدفع تعويضات جراء حرب الكويت، على خلفية قرار من مجلس الأمن الدولي صدر عام 1991 الذي أنشأ لجنة الأمم المتحدة للتعويضات تُشرف على تعويضات أضرار الحرب، وقُدّرتها بـ52.4 مليار دولار، سدّدها العراق بالكامل في نهاية العام الماضي 2021 وانتهى الملف بصدور قرار جديد لمجلس الأمن الدولي في شباط/فبراير الماضي، يشير إلى إيفاء العراق بالتزاماته، وإنهاء أعمال لجنة الأمم المتحدة الخاصة بمتابعة هذا الملف.
هناك ملف آخر يتعلق بالديون المفروضة على العراق لما قبل عام 1990. هذا الملف اشتركت فيه مع عادل عبد المهدي رئيس الوزراء الأسبق وسنان الشبيبي رئيس البنك المركزي العراقي الراحل وعدد من الأخوة عام 2004 ضمن اتفاقية نادي باريس، التي شطبت أكثر من 80 في المئة من ديون العراق لما قبل عام 1990 وإجراء اتفاقات مع كل دائن (15 دولة ضمن نادي باريس وأكثر من 50 دولة أخرى خارج النادي) لشطب ديونه، مع التذكير بأن هناك دائنين شطبوا ديونهم بالكامل مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وقبرص، ومالطا، وسلوفينيا وغيرها.
كما توجد أيضاً ديون سيادية معلّقة خاصة بدول الخليج، السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، ودول أخرى خارج نادي باريس، تبلغ قيمتها بحدود 40 مليار دولار، لم تتم تسويتها حتى الآن، ولم تطالب هذه الدول بها، غير إنها خاضعة لاتفاقية «نادي باريس» التي وقّعت في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 وفي حال المطالبة بهذا الدين فعلى الدول أن تشطب 80 في المئة منه أو أكثر حسب الاتفاق.
هذه الديون مرتبطة بالحرب العراقية ـ الإيرانية، فهي موّلت هذه الحرب ولم تسهم في تنمية العراق. أتوقع شطب هذه الديون بنسبة 100 في المئة.
جميع الاقتراضات العراقية الخارجية، بضمنها المتعلقة بالحرب ضد «الإرهاب» الواجبة الدفع حالياً لا تتجاوز الـ30 مليار دولار، وإن وضع العراق الحالي وتمكّنه، جعل من مسألة الديون الخارجية ثانوية، بكون إن القانون العالمي يرى إن الخطورة في الدين الخارجي تكّمن عند تجاوزها الـ60 في المئة من الناتج المحلّي، وإن هذه النسبة في العراق لا تتعدى الـ20 في المئة.
○ هناك توقعات للبنك الدولي بارتفاع معدّلات النمو في العراق خلال العام المقبل، فكيف تحقق هذا النمو؟
•العراق سجّل طفرة في النمو بحدود الـ9 في المئة، بسبب أمرين أساسيين، أولهما ما يسمى اقتصادياً بدورة الأصول النفطية، التي تتعرض إلى الهبوط والارتفاع، ففي عام 2020 إبان أزمة كورونا تعرضت أسعار النفط إلى هبوط حاد وفقدان نحو 40 في المئة من قيمتها قياساً بعام 2019 والنمو أصبح 11 في المئة والبطالة 26 في المئة، وتعرض الاقتصاد العراقي إلى كساد كبير.
اليوم أصبح هناك تحسّن في أسعار النفط وبالكمّيات المصدّرة، بعد إلغاء شروط «أوبك +» على كميات النفط المصدرة، فشهد العراق تحسّناً اقتصادياً.
الطفرة بالنمو جاءت عقب هذا الفرق بين الأعوام، بالإضافة إلى إجراءات داخلية تتعلق على سبيل المثال بمبادرة البنك المركزي للإسكان، فضلاً عن ازدهار واضح في قطاع النقل، والزراعة التي تعدّ لا بأس بها رغم المشكلات التي تشهدها.
○ ما مدى تأثيرات الحرب الروسية ـ الأوكرانية على الاقتصاد العراقي؟
•إن تأثيرات الحرب الروسية ـ الأوكرانية بالنسبة للعراق جاءت على مسارين، أحدهما إيجابي يتمثل بارتفاع أسعار النفط عالمياً وانعكاس هذا المؤثر الخارجي على الواردات والعوائد المالية للعراق، الذي يعدّ اليوم من بين الدول الخمّس الأولى عالميا في تصدير النفط، والثاني عربياً بعد السعودية بالإنتاج النفطي.
أما بالنسبة للتأثير السلبي، فتمثّل بارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً خلال النصف الأول من هذه السنة الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الكُلفّ المالية لشراء هذه المنتجات، خصوصاً إن العراق يعتمد على الاستيراد بأكثر من 80 في المئة، وهذا ما ألقى بظلاله السلبية على المواطنين والطبقات الفقيرة بشكلٍ خاص التي تُنّفق 80 في المئة من دخلها على المواد الغذائية، فيما تُنفق الطبقات الأخرى فوق المتوسطة 30 في المئة.
الحكومة اتخذت عدّة إجراءات لتقليل هذا التأثير على المواطن، من خلال تصفير الجمارك على المواد الغذائية الأساسية، وتدعيم السلّة الغذائية، فيما بدأت أسعار الحبوب والزيوت عالمياً تشهد انخفاضاً خلال النصف الثاني من هذا العام 2022.
○ العراق يتصدّر قائمة الدول الأكثر فساداً على مستوى العالم، فكيف يمكن للحكومة الاتحادية الحدّ من نهب ثروات البلاد؟
•العراق لديه تقديرات عن حجم الأموال المهرّبة في كل دولة، لكن ملف استردادها ليس بالهيّن. ليس من السهل أن تقوم الدول بسحب أموال مودّعة لديها وتعيدها للعراق، لان ذلك سيعرض اقتصادها لهزّات. هناك صعوبة في حصر جميع الأموال العراقية المهرّبة من البلاد بفعل الفساد إلى دول العالم، غير إنها بمليارات الدولارات.
تشكيل الهيئة العليا لاسترداد أموال الفساد التي يرأسها رئيس هيئة النزاهة الوطنية، تعمل بقوّة لإعادة هذه الأموال، تقابلها تفاهمات تقضي بإعادة نسبة من الأموال في حال تم استردادها للدولة العراقية، غير أن المشكلة لا تتعلق بعودة هذه المبالغ من عدمها، بل أنها بالاستمرار في ملاحقة المال العام. إذا لم تتابع هذه الأموال لن يكون هناك حلّ للفساد.
ملف مكافحة الفساد من الملفات التي تتصدر أولويات الحكومة الحالية ومنهاجها الوزاري، بكونها تعدّ الفساد أبرز أسباب تعطّل التنمية في العراق، كما إن الحكومة شكّلت المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، يتبع هيئة النزاهة، والأمور بدأت تأخذ منحى جديدا في هذا الملف.
إن الفساد يكلّف أي مشروع تنموي في العراق 40 في المئة، تتراوح بين رشوة وتهديد وسوء تقدير وغيرها. الفساد يستهلك نحو نصف مبالغ التنمية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية