الناصرة ـ «القدس العربي»: تمتاز منطقة الطابغة جنوب بحيرة طبرية داخل أراضي 48 الفلسطينية بمكانة خاصة في الديانة والتقاليد المسيحية لزيارتها من قبل السيد المسيح وتلاميذه ومكوثهم فيها لعدة سنوات وهذا ما يفسّر وفرة الأديرة والكنائس في المكان الذي يستقطب أعدادا كبيرة من الحجاج والزائرين من كل العالم على مدار العام. ويعتبر الدير الموجود هناك وفيه كنيسة القديسين بطرس وبولس أو كنيسة الرسل من أهم الكنائس الأرثوذكسية التي أقيمت خلال الحقبة البيزنطية، ويقصدها المؤمنون من شتى أصقاع الأرض طلبا للشفاعة.
وطبقا لمعتقدات المسيحية اختار السيد المسيح أن يعيش السنوات الثلاث الأخيرة من حياته في مدينته، وهي كفر ناحوم في فلسطين، حيث صنع العديد من المعجزات. وفي الثاني عشر من تموز/يوليو تحتفل البطريركية الأورشليمية الأرثوذكسية كل عام بعيد القديسين بطرس وبولس، مؤسسيْ الكنيسة. هذه الكنيسة المتميزة بقبابها الحمراء تقع على ضفاف بحيرة طبريا في منطقة تدعى الطابغة أو كفار نحوم وتنتشر داخلها الأيقونات التي تجسّد القصص الإنجيلية ومسيرة القديسيْن بطرس وبولس في الزمن الرسولي. وطبقا للمركز الإعلامي المسيحي التابع لـ «الأراضي المقدسة» التيراسانطا، بُنيت الكنيسة داخل الدير من قبل البطريرك القدس داميانوس عام 1931 ومنذ عام 1967 كانت الكنيسة والمنطقة المحيطة بها تحت رعاية متروبوليت البتراء جيرمانوس الذي قام بأعمال الترميم والحفريات الأثرية في منطقة الدير بمساعدة الراهب المتوحد طيب الذكر فيليبوس، ومن بعده الراهب ثادوس، والراهبة طيبة الذكر إفدزكيا من أستراليا وطيبة الذكر الراهبة إفلوجيا. على مدى السنوات الـ20 الماضية اهتم الراهب المتوّحد إيرينارخوس برعاية الدير وبرسم الأيقونات البيزنطية على جدران الكنيسة وزراعة المنطقة المحيطة بها بالأشجار والأزهار وما زال حتى اليوم.
أنت صخر
وعلى الصخر أبني كنيستي
وحسب «المركز الإعلامي» توقر الكنيسة هذين القديسين وتُغدق عليهما أجمل الألقاب والصفات، حيث استشهد كلاهما حبا وتفانيا في المسيح. فالقديس بطرس هو الأساس المتين الذي بنى عليه المسيح كنيسته: «أنت صخر وعلى الصخر هذا سأبني كنيستي». أما القديس بولس فقد ثبت في الإيمان وبشّر بالإنجيل بكل ما يملك من قوة: «لقد جاهدت الجهاد الحسن وأتممت شوطي وحافظت على الإيمان». وفي هذا المضمار يقول راهب يوناني بالكنيسة، ميتكاس أرينارخوس، «إن معظم المعجزات ودعوة ثمانية من الرسل الإثني عشر ليكونوا من تلاميذ المسيح جرت في هذه المنطقة، بالإضافة لمعجزة شفاء الرجل المفلوج، والتي كُرست لهذا المكان وفقا للتقليد. وكان أهل المريض قد جلبوه إلى منزل عندما كان يسوع المسيح يخطب في الناس. فلم يتمكنوا من الدخول لأنهم جاءوا متأخرين، فصعدوا إلى السقف وفتحوا فيه فجوة وأنزلوا المريض. ولما رأى يسوع المسيح جهودهم قال للمريض: «مغفورة لك خطاياك» ثم قال له: «قم احمل سريرك وامش».
وطبقا للمعتقدات المسيحية وفق ما جاء في «المركز الإعلامي» تَعُودُ جُذُورُ 11 مِنَ تلاميذ السيد المسيح إِلَى ألْجَلِيلِ، حَيْثُ نَشَأَ يَسُوعُ. فـ«نَثَنَائِيلُ» مِنْ قَانَا، وَ»فِيلِبُّسُ» وَ»بُطْرُسُ» وَ»أَنْدَرَاوُسُ» هُمْ أَسَاسًا مِنْ بَيْتَ صَيْدَا. إِلَّا أَنَّ «بُطْرُسَ» وَ»أَنْدَرَاوُسَ» يَنْتَقِلَانِ لَاحِقًا إِلَى كَفَرْنَاحُومَ، حَيْثُ يَعِيشُ «مَتَّى» عَلَى مَا يَظْهَرُ. «يَعْقُوبُ» وَ»يُوحَنَّا» أَيْضًا يَقْطُنَانِ فِي كَفَرْنَاحُومَ أَوْ قُرْبَهَا، حَيْثُ كَانَا يُدِيرَانِ مَصْلَحَةَ صَيْدِ سَمَكٍ فِي تِلْكَ ألنَّوَاحِي. وَيَبْدُو أَنَّ ألرَّسُولَ ألْوَحِيدَ مِنَ ألْيَهُودِيَّةِ هُوَ «يَهُوذَا» ألْإِسْخَرْيُوطِيُّ ألَّذِي يُسَلِّمُ يَسُوعَ فِي مَا بَعْدُ.وذكر الراهب اليوناني أرينارخوس: «أنه داخل هذه الكنيسة يبكي الكثيرون هنا طالبين صحة النفس والجسد ومغفرة الخطايا. فهذا المكان شهد على الكثير من أعمال الرحمة الإلهية تجاه الضعفاء».
من الناصرة إلى كفر ناحوم
ويوضح المرشد الأستاذ سهيل مخول من بلدة البقيعة في الجليل أن كفر ناحوم أي قرية ناحوم قد كانت تعتبر مدينة تقع على الشاطئ الشمالي الغربي لبحر الجليل، عاش فيها يسوع المسيح آخر ثلاث سنوات من حياته. جاء في الإنجيل المقدس بأن يسوع المسيح قد ترك الناصرة وسكن فيها: «وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ» (متى 4: 13) وجعل من كفر ناحوم، مركزًا له حتى أنها دعيت «مدينته» كما جاء في إنجيل متى 9: 1 «فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَاجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ».
العهد البيزنطي
ويوضح المرشد سهيل مخول من بلدة البقيعة في الجليل أنه خلال العهد البيزنطي تم بناء الكنائس والأديرة في جميع الأماكن المذكورة في العهد الجديد، وكان ذلك بين القرن الرابع والسادس ميلادي حيث كانت كفر ناحوم من أهم المزارات المسيحية، وذلك لأنها ترتبط بشكل مباشر مع الأحداث التي ذكرت في العهد الجديد.
ويتابع: «سكن القديس بطرس في كفر ناحوم، وبيته تحوّل إلى كنيسة بيزنطية على شكل مثمن الأضلاع، هدمها الفرس سنة 614 م. في سنة 1894 م اشترى الفرنسيسكان الموقع وأقاموا سوراً حول المساحة التي اشتروها، وبعد حوالي عشرة أعوام باشروا بأعمال الحفريات. كشفت هذه الحفريات عن آثار كنيس يهودي وبعض البيوت وبقايا الكنيسة البيزنطية ولكن بعد الحفريات التي أجراها الفرنسيسكان تم اكتشافها وترميم قسم من الآثار، وفي 29 حزيران/يونيو 1990 انتهت أعمال بناء الكنيسة الفرنسيسكانية الحالية وهي مبنية على شكل قارب صيد وتحتفظ تحتها بأطلال الأبنية السابقة وقد سبق ونشرت «القدس العربي» تقريرا عنها قبل شهور.
ويشير مخول إلى أن الكنيسة الأرثوذكسية (كنيسة القدسين) تحتفل في الثاني عشر من تموز/يوليو كل عام بعيد القديسين بطرس وبولس. وعن منطقة الطابغة بشكل عام يقول مخول أيضا إن كفرناحوم كانت مركزًا للجباية وكان فيها مركز عسكري رومي وفيها شفى غلام قائد المئة، وشفى حماة بطرس المحمومة، منوها لما جاء في الكتاب المقدس: «وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً، فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ». ويضيف «فيها أيضا شفى المفلوج الذي كان يحمله أربعة كما جاء في انجيل مرقس: «في ذَلِكَ ألزَّمان، دَخَلَ يَسوعُ كَفَرناحومَ … وَكانَ يُخاطِبُهُم بِألكَلِمَة. فَأَتَوا إِلَيهِ بِمُخَلَّعٍ يَحمِلُهُ أَربَعَة وَإِذ لَم يَقدِروا أَن يَقتَرِبوا إِلَيهِ بِسَبَبِ ألجَمعِ، كَشَفوا ألسَّقفَ حَيثُ كان. وَبَعدَما نَقَبوهُ، دَلّوا ألفِراشَ ألَّذي كانَ ألمُخَلَّعُ مُضطَجِعًا عَلَيه فَلَمّا رَأى يَسوعُ إيمانَهُم قالَ لِلمُخَلَّع: يا بُنَيَّ، مَغفورَةٌ لَكَ خَطاياك!.. قالَ لِلمُخَلَّع: لَكَ أَقولُ: قُمِ أحمِل فِراشَكَ وَأذهَب إِلى بَيتِكَ».
نبوءة الخراب
لافتا إلى أن السيد المسيح شفى في هذه المنطقة المصروع المجنون موضحا أنه ومع كل هذه العجائب والمواعض والتعاليم، لم يؤمن سكانها ولهذا تنبأ يسوع بخرابها الكامل وفق ما جاء في انجيل متى المقدس: «وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ، وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالًا يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَك».
قبب ترمز لعدد تلاميذ المسيح
ويوضح المرشد في السياحة والطبيعة فوزي ناصر إن مئات آلاف الحجاج والزائرين من العالم يدأبون على زيارة كنائس الطابغة وبالذات كنيسة القديسين ويتابع «في كفر ناحوم التي عاش فيها المسيح بعد أن غادر الناصرة وقبل أن يذهب إلى أورشليم، وفي هذه المدينة عاش سمعان الذي هو بطرس وثلاثة آخرون من التلاميذ».
منوها أن هذه الكنيسة التي تخلّد الرّسل بحملها اسم كنيسة الرسل وترمز لهم باعتبار المكان هو الذي اختار فيه السيد المسيح تلاميذه ويقول إنه أبرز اثنين هما بطرس (سمعان) وبولس (شاؤول) تعلوها قباب بعدد تلاميذ السيد المسيح وتبرز بينها قبّتان ترمزان لبطرس وبولس.
لافتا إلى أن كنيسة القدسين بطرس وبولس تتبع لليونان الأرثوذوكس، وإنها بنيت في العام 1925 خارج أسوار المنطقة الأثريّة من الشرق، وهي غنيّة بالإيقونات خالية من التماثيل كغيرها من الكنائس الأرثوذوكسيّة وأغلب الإيقونات ترمز لمعجزات ومحطات في حياة السّيّد المسيح.