فتح منتخب المغرب سجل المونديال بشغف، فدوّن سبع مباريات مرفوقة بالنشيد الوطني، وممهورة بحب وتعاطف العرب والأفارقة.
لم تهتم الأسود بتصنيفات الفيفا لمنتخبات توجد ضمن العشرة الأوائل، بل كرست منطقا جديدا ينبني على أن بلوغ المونديال هو كاف ليفتح باب الحلم على مصراعيه أمام الجميع بدون استثناء، فمن كان يراهن على خروج الأسود سالمة من معركة الكروات والبلجيكيين في المجموعة السادسة، ومن بعدهم الاسبان والبرتغاليين، ربما أكبر المنجمين لم يكن ليمنح المغرب فرصة تجاوز الدور ثمن النهائي الذي بلغه قبل 36 سنة بالمكسيك.
قد يكون تاريخ المونديال يحتفظ فقط بالفائزين وبالانتصارات، لكن عدة استثناءات شهدتها دورات سابقة، وجاء الدور على المغرب باعتباره ثالث منتخب يحل بين الأربعة الكبار من خارج قارتي أوروبا وأمريكا اللاتينية بعدالولايات المتحدة سنة 1934 وكوريا الجنوبية سنة 2002.
صحيح كان الجميع يمني النفس بمركز ثالث استمرارا لحلم انطلق واختتم أمام منتخب كرواتيا، لكن تداخلت معطيات متفرقة لتجعل الحلم مؤجلا بعدما كان قريب المنال. ولا يمكن لوم وليد الركراكي ومجموعته، فهما تعاملا مع مباريات أصعب بحكمة وترو، كما ان الإصابات والغيابات خلخلت تركيبة الفريق الأساسية، على نحو دفع الركراكي إلى الدفع بعناصر لم تخض ولو دقيقة واحدة في المباريات الست السابقة.
وبعيدا عن عملية “التنقيب” في قاموس النقد والتحليل والتدقيق بعد مباراة لن تخدش بطبيعة الحال صورة منتخب سافر بنا إلى أقصى نقطة، يمكن تناول ما تحقق بطريقة أكثر عقلانية من خلال استخلاص دروس مونديالية، وأهمها على الإطلاق منح الثقة للمدربين الوطنيين بعيدا عن وهم المدرب الأجنبي صاحب العصا السحرية، ففي آخر المطاف فازت ثمانية منتخبات بكأس العالم منذ 92 سنة بمدربين وطنيين، كما أن المنتخبات المتأهلة عن دور المجموعات بدورة قطر كلها كانت تحت قيادة مدربين وطنيين بإستثناء كوريا الجنوبية، وبالتالي فإن عقدة المدرب الأجنبي على المستوى العربي كسرها وليد الركراكي اداء وقولا، فهو القائل في مختلف الندوات الصحفية أن على الاتحادات العربية أن تثور على تقاليد تآكلت في غفلة عنها، وأن تؤمن بأن الأصلح هو ابن البلد الذي يدرك قيمة قيادة منتخب يجر وراءه أحلام شعب كامل.
سننتشي طويلا بإنجاز منتخب المغرب، والبداية باستقبال شعبي وملكي يعود بنا لصور عشناها سنة 2004 عندما فزنا بلقب الوصافة الافريقية بتونس، وسنستحضر المسار في كل مرة بزهو كبير، لكن الأهم الآن هو طي صفحة التواضع، والبداية بفرض هيمنة المغرب إفريقياً من خلال الحلول في دورة الكوت ديفوار مستهل سنة 2024 بشخصية البطل بعدما كان الرهان متوقفا عند حدود نصف النهاية، ففي آخر المطاف المغرب الذي تابعناه بفخر بدورة قطر لا يحتفظ في خزانته سوى بلقب يتيم يعود إلى 46 سنة خلت. أما مونديال 2026، فربما ستكون هناك حكاية أخرى بحضور 48 منتخبا وبتسعة متأهلين على الاقل من افريقيا، ومن يدري قد يكون إبداع المغرب في دورة قطر إلهاما ومفتاحا لقصص أخرى تنسجها ببراعة منتخبات عربية وإفريقية أخرى.