نُصبت الجنائز وانهمرت دموع القهر الساخنة في كل الأماكن من المحيط إلى الخليج، حزنا على خسارة منتخبنا المغربي أمام نظيره الكرواتي بنتيجة 1-2 في مباراة تحديد المركز الثالث في نهائيات كأس العالم، وفي عالم مواز البعض يحاول الاصطياد في المياه العكرة، بإخراج عقدة النقص الأزلية على فخر وبطل العرب الحقيقي وليد الركراكي، بحجج واختراعات “نقدية” لا محل لها من الإعراب.
صحيح بالفطرة البشرية والانتماء العربي، كنا جميعا نمني النفس بحصول الأسود على المركز الثالث والميدالية البرونزية، لكن ردود الأفعال بعد الهزيمة أمام وصيف النسخة الماضية، ذكرتني بالمشهد السينمائي الخالد في فيلم “مافيا”، بين أحمد السقا وعباس أبو الحسن، عندما قال الجزار جملته الشهيرة “عجيب أمركم أيها المصريون.. تؤمنون بأشياء غريبة”، وهذا بسبب التفنن في البكاء على اللبن المسكوب، وتوجيه النقد لمجرد النقد، رغم أنه باسترجاع نشاط الذاكرة أسبوعين فقط إلى الوراء، سنهدأ قليلا ونعود إلى صوابنا، على الأقل سنتذكر أننا ما كنا نجرؤ على الحلم برؤية منتخبا عربيا في المربع الذهبي لكأس العالم.
في حقيقة الأمر، لا أجد تفسيرا لهذه المحزنة والانتقادات العجيبة سواء للمدرب أو بعض اللاعبين بدون ذكر أسماء، سوى أن بعض العقول ما زالت بحاجة لمزيد من الوقت لاستيعاب حجم الإعجاز، وفي رواية أخرى المعجزة التي حققها المنتخب المغربي على الأراضي القطرية، دعك عزيزي القارئ من المحصلة النهائية، بالحصول على المركز الرابع، لكن فتش عن العظمة وباب الأمل، الذي فتحه حكيم زياش ورفاقه، ليس فقط لنا كعرب في قادم المواعيد، بل للشعوب الكادحة ومنتخبات دول العالم الثالث في كرة القدم.
من منا تخيل أو حلم ذات مرة أنه سيعيش لليوم الذي يرى منتخبا عربيا في نصف نهائي كأس العالم؟ البعض سيقول المخرجة والمؤلفة المغربية نرجس النجار، صاحبة الفيلم السينمائي الذي تنبأ بفوز الأسود بكأس العالم عام 2006، لكن ما عجز خيال الكاتبة على الوصول إليه، أن يظهر المنتخب بهذه القوة والشراسة، كفريق عربي بالجودة والفخامة المحفورة في الأذهان عن عظماء أوروبا وأمريكا الجنوبية، وليس بضربة حظ وعوامل خارجية مساعدة، كما حدث مع كوريا الجنوبية في نسخة 2002، حين تأهلت إلى نصف النهائي بكوارث وفضائح تحكيمية هزت العالم.
الشاهد والموثق في دفاتر كاتب التاريخ، أن المنتخب المغربي رفع سقف الطموح العربي والأفريقي أكثر من أي وقت مضى، وبكل فخر واعتزاز سنخبر الأجيال القادمة، أن هذا الجيل الاستثنائي للأسود، قارع أعتى منتخبات أوروبا، ولم يهتز أو يرتبك من تاريخ وسمعة خصومه، بل قابلهم بطريقة “الند للند”، بداية من الاختبار الأول أمام كرواتيا في المباراة الافتتاحية لمجموعة الموت، مرورا بضحايا الطريق نحو النهائي بلجيكا وكندا وإسبانيا والبرتغال، ولولا بعض التفاصيل البسيطة وانفجار لعنة الإصابات وبعض القرارات التحكيمية المثيرة للريبة أمام فرنسا، لكانت النهاية أكثر سعادة، على عكس الإنجاز الكوري الجنوبي، الذي كُتب بأخطاء تحكيمية مشبوهة أمام إيطاليا وإسبانيا.
نتفهم صدمة النساء ودموع الأطفال وتحطم الرجال بعد انتهاء الحلم بطريقة أو بأخرى أمام منتخب الديكة، خاصة وأننا كنا على بعد خطوة واحدة من نهائي “لوسيل”، لكن ما يصعب هضمه ويحتاج وضع الكثير من علامات التعجب والاستفهام، هو الشعور السائد بعدم “الرضا” على المركز الرابع، بحجة أنه كان بالإمكان أفضل مما كان، ناهيك عن الظهور المفاجئ لفلاسفة وجهابذة التحليل، الذين استغلوا مباراتي فرنسا وكرواتيا، كما نقول بالعامية المصرية “للتقطيع” في المدرب واختياراته، وبالأخص بدلاء العالمي يوسف النصيري، بعبارة أخرى حملوا الركراكي واللاعبين فوق طاقتهم، رغم اتفاقنا المسبق على أن أكثر المتفائلين من الناطقين بلغة “الضاد”، كانت أقصى أحلامهم تتلخص في تجاوز الدور الأول للمونديال.
لا تحزن يا صديقي المغربي، يكفيك ويكفينا فخرا، أن منتخبك حطم الصورة البائسة المحفورة في الأذهان عن كرة القدم العربية، ببشارة ودفعة معنوية لا تقدر بثمن، من المنتخب السعودي، الذي كان سباقا في وضع حجر أساس، ما وصفته في أول مقال مونديالي بعنوان “هل يحدث الانفجار الثاني العظيم”، بفوزه السينمائي على الأرجنتين بهدفين لهدف، ثم بهدية تونس أمام الدنمارك، ليتسلم زياش وحكيمي والنصيري وبقية عصابة الخير، كرة النار التي أحدثت الثورة الأمازيغية العربية الأفريقية، في ما يمكن اعتبارها الثورة الثانية، بعد إنجاز نسخة المكسيك 1986، كأول منتخب عربي تذوق طعم اللعب في مراحل خروج المغلوب في كأس العالم، وهذا ليس فقط دليلا على الفجوة الكبيرة بين أسود أطلس وجُل المنتخبات العربية، بل تأكيد على صدق المقولة المأثورة لمدرب الأهلي الأسبق بيتسو موسيماني “المغرب يتقدم علينا جميعا بـ20 عاما”.
خلاصة القول، أنه بمجرد انتهاء متلازمة “اكتئاب ما بعد المونديال”، سندرك أننا كم كنا محظوظين بمشاهدة وتوثيق أعظم لحظات وانتصارات المنتخبات العربية في كأس العالم، والأهم أننا كنا شهودا عيانا على الملحمة الكروية المغربية والقصص الإنسانية، التي طبعت بتواضع هؤلاء الشباب في احتفالاتهم مع أمهاتهم بعد كل انتصار، وحينئذ سنبدأ في استيعاب ما حدث في الفترة بين 20 نوفمبر/تشرين الثاني و18 ديسمبر/كانون الأول، بأن أفضل منتخب عربي وأفريقي في التاريخ مر من هنا، وستكون أحزان وانتقادات ما بعد ضياع المركز الثالث، مجرد مشاعر وانفعالات من الماضي، شكرا لمنتخب المغرب الذي أسعدنا جميعا وجعلنا نصدق أن الأحلام ليست مستحيلة.