لندن- “القدس العربي”: نشر موقع “ذي إنترسيبت” تقريرا أعده بيتر ماس، قال فيه إن الجيش الأمريكي يريد الاحتفال بالمعركة الدموية والشرسة التي وقعت في مدينة الفلوجة العراقية عام 2004، وإطلاق اسمها على بارجة حربية “يو أس أس فلوجة”.
وقال الموقع: “لو أردت أن تجمع بين مؤرخين متناحرين في الشرق الأوسط، وسألتهم عن المدينة العراقية التي عانت أكبر قدر من العنف على يد الجيش الأمريكي، فسيقولون إنها الفلوجة”.
ففي هذه المدينة، وبعد عدة أسابيع من سقوط بغداد عام 2003، فتح جنود الفرقة 82 المحمولة جواً، النار على حشد من المدنيين المحتجين وقتلوا 17 منهم، وزعم الجيش الأمريكي أن الطلقة الأولى جاءت من الجانب العراقي، مع أنه لا يوجد هناك دليل مقنع لدعم هذا، والعكس صحيح. وكانت الفلوجة معقل الزعيم العراقي السابق صدام حسين، ولهذا السبب عارض سكانها غزو بلادهم غير المبرر وغير القانوني حسب القانون الدولي.
وكان القتل مقدمة لفيضان من العنف والدمار في عام 2004. وشملت العملية الدموية في ذلك العام، مقتل أكثر من ألف مدني عراقي، وقتل الأسرى من نقطة قريبة، وتعذيب السجناء في سجن أبو غريب الذي لا يبعد سوى 20 ميلا عن الفلوجة. واستمر عقاب الفلوجة حتى بعد الفترة الوحشية للاحتلال الأمريكي، ففي السنوات التي أعقبت المعركة، شهدت المدينة انتشار حالات السرطان والولادات المشوّهة بسبب استخدام الجيش الأمريكي ذخيرة تحتوي على اليورانيوم المنضّب.
وبدلا من الاعتراف بما فعلته، فإن الولايات المتحدة تريد اختيار اسم الفلوجة لبناء بارجة حربية بكلفة 2.4 مليار دولار.
وأكد قائد المارينز الجنرال ديفيد بيرغر، أن الجيش الأمريكي قرر التأكيد على روايته الخيالية عن الفلوجة باعتبارها انتصارا أمريكيا: “لقد انتصر المارينز في ظل ظروف غير مواتية، ضد عدو مصمم، كان يتمتع بكل المميزات للدفاع في حروب المدن”. وأضاف في مؤتمر صحافي عندما أعلن عن الاسم، أن “معركة الفلوجة كانت وستظل محفورة في ذهن كل المارينز، وستذكر بأمتنا وأعدائها، ولماذا يعتبر المارينز أنفسهم الأفضل في العالم”.
وذكر إعلان المارينز أن 100 من قوات الولايات المتحدة وحلفائها قتلوا في المعركة، ولكنه تجاهل عدد الضحايا المدنيين العراقيين، وتدمير أجزاء واسعة من المدينة باستخدام القنابل عالية الكلفة، والمشاكل الصحية التي تركها الهجوم الأمريكي، إلى جانب جرائم الحرب، وحقيقة أن القوات الأمريكية لم تستطع الحفاظ على المدينة لمدة أطول. وبالنسبة للبنتاغون، فإن هذه الأمور لم تحدث على ما يبدو.
وفي الوقت الذي لم يحدِث الإعلان ردة فعل في الولايات المتحدة، إلا أن تبييض صفحة الجيش الأمريكي أثار غضبا في العراق وأماكن أخرى. وقال أحمد منصور، مراسل الجزيرة الذي غطى المعركة عام 2004: “لا يزال ألم الهزيمة في الفلوجة يلاحق الجيش الأمريكي، ويريدون تحويل جرائم الحرب التي ارتُكبت هناك إلى نصر.. كنت شاهدا على الهزيمة الأمريكية في معركة الفلوجة”. وقال الناشط العراقي مرتضى الزيدي الذي ألقى حذاءه على الرئيس جورج دبليو بوش عام 2008: “من الإهانة أن تعتبر قتل الأبرياء انتصارا… هل تريد التفاخر بقتل الجنود وملاحقة الأبرياء؟ آمل أن تذكركم هذه السفينة دائما بعار الغزو وذل الاحتلال”.
وأشار الكاتب إلى تجربته، حيث كان مرفقا مع الجيش الأمريكي، وقال إن الفلوجة بعد الاحتلال كانت أخطر منطقة في العراق، وكان يخفي هويته ويرتدي الكوفية الحمراء ويعدل جلسته عندما كانت تقف سيارته عند الإشارات الضوئية خوفا من تعرف الناس على أمريكي فيها. وكان محظوظا لعدم تعرف أحد عليه ولا مصوره الأشقر، لكن قافلة تابعة للمتعهدين الأمريكيين تعرضت لكمين في نفس المكان الذي علق فيه مرة، وقتل المسلحون أربعة أمريكيين ومثّلوا بجثثهم وعلقوها على جسر قرب الفلوجة، وهو ما دفع البنتاغون لشن سلسلة من العمليات العسكرية الانتقامية. وكان رد الفعل فظيعا خاصة أن القتلى لم يكونوا من الجنود الأمريكيين، بل من المرتزقة الذين تلقوا أجورا عالية، ونظر إليهم العراقيون والأمريكيون على حد سواء، بأنهم متهورون وقساة وغير مهنيين. وارتكب هؤلاء مجزرة فظيعة أثناء الاحتلال الأمريكي، عندما قام متعهدو “بلاكووتر” بقتل 17 مدنيا عراقيا في ساحة النسور ببغداد عام 2007.
وحدثت معركتان في الفلوجة، الأولى عندما سيطرت القوات الأمريكية على المدينة جزئيا في آذار/ مارس من نفس العام، وسلمتها للسلطات العراقية التي تخلت عنها لاحقا للمسلحين، حيث قُتل 800 عراقي في تلك المعركة معظمهم من المدنيين. ثم شنت القوات الأمريكية في نهاية العام نفسه، معركة أوسع شاركت فيها وحدات عسكرية أكبر من أجل السيطرة على المدينة بناية بعد بناية، واستمرت ما بين تشرين الثاني/ نوفمبر إلى كانون الأول/ ديسمبر.
وفي أثناء المعركة، التقط مراسل “إي بي سي” كيفن سايتس، مشهدا من داخل مسجد فيه عدد من المقاتلين العراقيين الجرحى، وسمع أحد الجنود في الفيلم وهو يقول: “إنه يزيفون جراحهم”. وقام جندي بإطلاق النار على عراقي ممدد على الأرض وسمع صوت في التسجيل وهو يقول: “حسنا، هو ميت الآن”. وبعد تحقيق في الحادث، وجد أن فعل الجندي متناسب مع قواعد الاشتباك وقوانين النزاعات المسلحة، وحق المارينز الأساسي في الدفاع عن النفس.
وبعد المعركة، تم إخراج 700 جثة من بين الأنقاض معظهمن من النساء والأطفال، حسب مدير مستشفى الفلوجة، والذي قال إن التعداد الذي قام به كان جزئيا؛ لأن مناطق في المدينة لم يتم الوصول إليها لإنقاذ المدنيين. وكانت المعركة الثانية أكثر دموية للمدنيين بحسب رفاعة العيسوي، الذي كتب مقالا نشر عام 2005 في “إيرين نيوز” وهي مؤسسة تمولها الأمم المتحدة، وقال: “كان من أكثر الأوضاع إثارة للكآبة وشاهدته منذ بداية الحرب”.
وقال الكاتب إن التاريخ محفور في الكتب والأفلام والمقاتلات والنصب التذكارية، ولكن أمريكا تريد تخليد انتصارات جنودها الشجعان بإطلاق اسم بارجة بدون الاعتراف بالضحايا أو الجرائم التي ارتكبتها.
وفي الفلوجة، كان هناك جنود شجعان، حيث هاجموا عدوهم وحموا بعضهم البعض ولم يرتكبوا مجازر، وفق زعم الكاتب، وهذا هو حال الجيوش في الحروب، وينسحب على الجنود الألمان في الحرب العالمية الثانية. وسيكون من الكذب التعامل مع الشجاعة الفردية في الحرب بدون النظر لما جرى في المعركة بشكل عام.
ولا يستطيع الكاتب فهم السبب وكيف قرر قادة البنتاغون اختيار اسم الفلوجة لإطلاقه على بارجة حربية لم تبن بعد. هل هم غير عارفين بما جرى، وهل هم يعرفون، ولكنهم قرروا تجنب الحقيقة؟ هل يعولون على عدم اهتمام الرأي العام؟ أم أنهم يريدون إرسال رسالة بأن أمريكا تستطيع تدمير أي مدينة تختارها في العالم؟
ربما كان الجواب هو الجميع أو واحدا من هذه الأسئلة. ولم ينته الأمر، فالأسماء تتغير، خاصة أن البارجة تحتاج لسنوات كي يكتمل بناؤها، وربما تغير الاسم قبل التدشين. ولهذا يجب على جماعات الضغط، العمل وربما وقف جو بايدن أمام القرار، فقد وقف في وجه الجنرالات الذين يريدون الحفاظ على القوات الأمريكية في أفغانستان للأبد.