لقاء مع الكاتب فيليب فوريست الذي خصص بحثا لجائزة نوبل لسنة 1994. يكشف أوي، بحسبه، عن يابان مزاح عن مركزه ومجرد من كل نزعة قومية: ‘ لاتعني الكونية في شيء احتكار الغرب.’اجرى حوار: مكسيم روفيريترجمة: الحسن علاجخصص فيليب فوريست، علاوة على روايته ساريناغارا (Sarinagara)، بحوثا عدة لفائدة الأدب الياباني وسيصدر قريبا مونوغرافية مخصصة لكينزابورو أوي، الذي التقاه لمرات عديدة. نظرة ذاتية لكاتب فرنسي حول جائزة نوبل للآداب في 1994. شرع كينزابورو أوي في الاشتغال على سارتر. ماهو الفرق بين مفهوم الـ’ مثقف الملتزم ‘ الذي قام سارتر بتجسيده والتنظير له. و ‘ رفض الثقافة ‘ الذي يعتبر في رأي أوي، وظيفة للأدب؟ فيليب فوريست: كان التأثير الذي مارسه سارتر، فيلسوفا وكاتبا، على الشباب الياباني لما بعد الحرب مهما. وفي هذا الصدد فإن أوي يعتبر حالة نموذجية، كما يبرهن على ذلك أحد كتبه، ‘ سبعة عشر’ (1961) ، حيث يستلهم فيه عملا متعددا، يحكي، بصيغة ساخرة، مسار تلميذ ثانوي معقد يؤمن بتقديم معنى لحياته وذلك بانضمامه إلى صفوف حزب قومي.
يتم التفكير غصبا في طفولة زعيم لسارتر. وقد أجج الكتاب غضب اليمين المتطرف باليابان. استعاد أوي من سارتر الفكرة التي مؤداها أنه لاينبغي لكاتب ما أن يكون ناطقا توافقيا بلسان الثقافة التي ينتمي إليها، بل ‘ إحساسه بالخطإ’ النقدي.
أليس هناك نوع من التناقض بالرغبة في اتخاذ موقف في التاريخ مع العمل على إبراز ‘ اضطرابـ’ ـه؟
فيليب فوريست: بدون شك. وأعتقد أن أوي عبر عن ذلك في عبارات استعيرت من جديد من الأدب الفرنسي. فقد اعترف بطيبة خاطر، أنه لو وضع سارتر فوق كل الكتاب الآخرين، لأحس بعد الآن أنه أكثر قربا من كامي. يوجد لديه تفاؤل ‘ على طريقة سارتر ‘ ، الذي يفصح عن تعاطفه لصالح القضية الثورية، وكذلك انبهاره بالتيارات التمردية أو الإرهابية التي تفهم تغيير العالم بواسطة العنف، وهو ما يفسر البعد التبشيري لبعض رواياته. يوجد لديه كذلك تشاؤم ‘ على طريقة كامي ‘ الذي يعارض تسكعات الإيمان الثوري بإيثيقا التمرد والرزانة ثم الإيمان بأنه، في زمن الكارثة، لايتعلق الأمر أبدا بـ’ إعادة صياغة العالم ‘ بل بالـ’ حيلولة دون انهياره ‘ . والنتيجة، خلافا لذلك، هي وعي مأساوي للتاريخ. كنت سأقول بأن أوي يعتبر كاتبا ديموقراطيا. صرح أوي، في سنة 1995 ، بكل الغضب الذي ساهم فيه استئناف التجارب النووية الفرنسية. فيليب فوريست: ينبغي العودة إلى هذه المسألة التي تعتبر قيمة ‘ بيداغوجية ‘ لسلسلة كاملة من الأسئلة التي تؤثر في الخلافات السياسية والثقافية التي يمكن أن توجد بفرنسا بخصوص موضوع اليابان وكتابه. عندما تسلم جائزة نوبل وكان بصدد التهييئ للذكرى الخمسين للقصف الذري المزدوج لسنة 1945 ، أقر أوي العزم على إلغاء الرحلة التي كان عليه القيام بها إلى فرنسا بهدف التظاهرضد استئناف التجارب النووية بالمحيط الهادي. إن ذلك يعتبر على الفور هدفا لحملة وشايات. فقد هاجم كلود سيمون، في مقال مقيت كل المقت شكلا ومضمونا أوي، وربما خلط بينه وبين ميشيما، فقد قدمه بوصفه ناطقا بلسان القومية اليابانية التي يعتبر أوي، بالنقيض من ذلك، من أكثر أعدائها الشجعان. عمل أوي إذا على قطع العلاقة الثقافية مع فرنسا، ولم يقبل باستئناف الحوار إلا بعد أربع سنوات، حينما خصني في طوكيو بحوار لفائدة المجلة الفرنسية الجديدة ( La NRF) . هل بالإمكان قراءة رد فعل أوي تجاه تلك القضية مثل تعبير عن وعي ‘ معولم ‘ ـ كما لو أن كاتبا توفرت له إرادة، منذ الآن، اتخاذ موقف فيما وراء الحدود الـ’ وطنية ‘ . فيليب فوريست: لقد قام أوي بإعادة النظر في كل عبارات سؤالك، متهما مفاهيم النزعة القومية وكذلك مفاهيم العولمة. إن يابانه هي يابان مضاد، مناقض لليابان الإمبراطوري المدعوم بواسطة الإيديولوجيا الفاشية: يتعلق الأمر بيابان الهوامش الذي يجد ‘ مركز ‘ ـه التعاقبي في الوادي القصي والمهجور لجزيرة شيكوكو، التي ينحدر منها، عاملا على توظيف الأساطير المتمردة كي يجعل منها مادة عمل روائي أكثر حداثة يقوض فكرة الأدب القومي ذاتها.
وحتى لانجعل من أوي مبشرا بعالم الخيال المعاصر الذي يعتبر هاروكي موراكامي، في اعتقادي، خير ممثل له. يتعلق الأمر بالنسبة إليه بالتفكير في إمكانية حوار بين يابان الهوامش التي يطالب بميراث وثقافة الشرق والغرب العظمى ـ كما تشهد على ذلك مراسلاته مع مثقفين مثل إدوارد سعيد، غونتر غراس، عاموس عوز، سوزان سونتاغ، ثم الطريقة التي يوظف بواسطتها مكتبتنا الخاصة في رواياته، منذ دانتي ورابليه إلى و.
ب.
ييتس وت.
س.
إليوت. تلكم هي كونية أوي ـ التي يعلمنا، بلا توقف، أن فكرة الكونية لاتعني في شيء احتكار الغرب.
كيف تطور بين مذكرات هيروشيما وعلاقته بفوكوشيما؟ فيليب فوريست: ينبغي التأكد من أنه لايبدو أن الوضع قد تغير كثيرا، إن الهيباكوشا ـ ضحايا القصف النووي ـ، ضحايا الأمس كما ضحايا اليوم، يشكلون موضوعا لرفض شبه مجمع عليه للتبصر في مصيرهم. اليابان أولا ـ لأنه يوجد للمرة الثانية في تاريخه في المقدمة ـ غير أن الناس جميعهم هم ضد التهديد النووي بواسطة حالة الاستنكار ذاتها. يلزم إعادة قراءة مذكرات هيروشيما زمن فوكوشيما. التزم أوي، بوصفه مواطنا على إجبار الرأي والحكومات كي يأخذوا الدرس مما حدث. وبوصفه كاتبا، فهو يجتهد في سبر ما يسميه ‘ جرحا غائرا ‘ حيث يكتب، ‘ تبرز إلى السطح إمكانيتان: الأمل في شفاء الكائن الإنساني، وخطر تحلله ‘ . يبدو أن أوي يخلط بين الخاص والعام ـ موضحا بأن الأحداث ليست أقل فردية لأنها جماعية ثم إنه خلاف لذلك نجدأن كارثة فردية ذات حمولة جماعية. كيف هاجم ذلك؟ فيليب فوريست: ذلك هو الرهان الأساسي للأدب. يتعلق الأمر بإيجاد شكل روائي يسمح في ذات الوقت بقول الفردي والجماعي بطريقة تكون شاهدة على تجربة الشر، بالتعبير عن هذه الأخيرة بـ’ ألم وعذوبة ‘ ـ التعبير هو لأوي ـ ثم كذلك الصمود أمام الحقيقة المؤلمة. ففي حالة أوي، والذي نجد أن عمله الذي يتجدد باستمرار، والذي يرتكز على التأمل مستعيدا أبدا حدثين يعتقد أنهما يرتبطان ببعضهما البعض: فمن جهة، انبثاق الرعب في القصة؛ ومن جهة أخرى، الهجمة المؤثرة لما هو مبهم مع ولادة ابنه البكر الذي كان يعاني من إعاقة فظيعة. يوجد في اليابان نوع [ أدبي ] يطلق عليه شيزوتسو (shish’setsu) . ويعني حرفيا: ‘ رواية الأنا ‘ . يكمن مشروع أوي في إعادة ابتكار الشيزوتسو، وفق شكل تجريبي تماما، بحيث أن المحكي الذي يصوغه كاتب ما انطلاقا من تجربته الحياتية الخاصة ينفتح على تأمل يخص الإنسانية جمعاء. وقد بدا لي أنه ثمة درس للفهم ـ وحتى نموذج للسير على منواله ـ بالنسبة للكتاب الفرنسيين. وبوجه خاص ما يتعلق بجانب الـ’ التخييل الذاتي ‘ . وكما شرحت ذلك في كتاب جمالية الخطإ والمقالات اللاحقة، بطريقة شخصية، منذ رواية ساريناغارا، ذلك هو القرار الذي بادرت إلى اتخاذه.
عن مجلة: Le Magazine Li’raire مارس 2012 عدد: [email protected]