هاجسا الإثم والخطيئة ماثلان في كل ما تعيشه الفتاة فيكتوريا وما تفكّر فيه. ذاك من أثر تربيتها في البيت، ومن الجيرة والحيّ، حيث يؤثر المقيمون الامتناع عن العيش مع من هم مختلفون عنهم. كما من حضور الخوري، الذي يُستشار في كل كبيرة وصغيرة، في الكنيسة وخارجها. ثم هناك ما يسمّى المجتمع المسيحي العام، الممتد إلى مكان سكن الفتيات عند نزولهن إلى القاهرة للدراسة، وكذلك إلى العائلات المسيحية المقيمة في مدن مختلفة. ذلك، من الجهة الأخرى يتطلّب الانطواء والحذر على الدوام، لاسيّما في الزمن الذي تجري فيه حياة فيكتوريا، حيث التيارات الإسلامية المتشدّدة وارتفاع موجة التديّن عند المسلمين. كان ينبغي على والدها أن يدعوها إلى أن تعمل بحسب نصيحة «كن مراضيا لخصمك ما دمت معه في الطريق».
المراضاة التي تعني هنا التنصّل من أي دافع أو عمل يمكن أن يضع فيكتوريا في تماس مع مسلم. وهذا لا يتطلّب الكثير من الاحتياط، إذ يكفي أن تشيح النظر عن كل ما يحدث، أو قد يحدث، أمامها. أما في ما يتعلّق بالبنات أو النساء، فالأمر هيّن حيث المتحجّبات هنّ المسلمات.
نشأت فيكتوريا إذن على هذا الفصل بينها وبين المسلمين، وكان والدها قد ذهب إلى أبعد في محاولته تثقيفها، إذ كان يردّد لها أن ما تتعلّمه في كتاب التاريخ كاذب ومزيّف، وأن الصحيح هو أن يقال «الغزو العربي» وليس «الفتح العربي» و»أن هذه الأشياء التي تحدث لنا اسمها اضطهاد». ولم تكن هذه الكلمة غريبة عن فيكتوريا إذ كانت «تتردّد دوما في الكنيسة عما فعله الوثنيون بالمسيحيين». أما في الزمن الذي لحق، زمن جمال عبد الناصر، فكان والدها يرى كيف كانت الراية المرفوعة لحرب 1967 مع إسرائيل هي راية الكذب على لسان قائد تلك الحرب وإذاعاته. وفي ما بعد أمكن لفيكتوريا نفسها أن تشاهد ما خلّفته المجزرة التي قام بها متشدّدون إسلاميون في الكنيسة وذهب ضحيّتها العشرات.
مع ذلك أمكن لفيكتوريا أن تعيش، رغم ذلك الانعزال، حياة عادية، تلك العلاقة الوثيقة مع الأبوين، الأم خصوصا، لكن قبل رحيلها مصابة بمرض السرطان، ومع الأب كذلك قبيل انتقالها للسكن المعدّ للفتيات طالبات العلم من الطائفة نفسها، بل هي حياة تقليدية تذكّر بما كانت تنقله سينما الستينيات والسبعينيات المصرية عن عيش البنات في كنف الأهل، كأن الرواية التي تتابع بالتفصيل ما يجري في حياة فكتوريا ترجع بالحياة المصرية إلى ذلك الزمن، على الرغم من نقلها المستجدات العنيفة مثل تفجير الكنيسة التي لطخت جدرانها بالأشلاء والدماء، والحملة التي استهدفت الخنازير، حيث أمكن لفيكتوريا أن ترى بعينيها كيف تمتلئ الآلة الضخمة الشبيهة بالمجرفة بعشرات الخنازير وتُسقط في الهاوية التي حفرت لدفنها.
هي حياة، رغم الأحداث المروّعة والعنيفة، تحفل بهناءة العيش المتواضع، مثال على ذلك اكتفاء فيكتوريا بالقليل من التجارب والأقل من عصيان الأهل والتردّد في الإقبال على رفقة الشبّان، ومنهم المسيحيون على وجه التحديد، والاكتفاء بتدخين نفَسٍ واحد من سيجارة واحدة، وارتشاف نصف كأس، وأخيرا رضاها بالزواج من يوسف الذي تعرف أن ما تقوم به ليس هو الخيار الصحيح. عالم الستينيات، كما تنقله السينما، لم يتغير إذن، لكن ما تغيّر مع رواية كارولين كامل هو حريتها في وصف «العام» من زمنها. أعني بذلك الأحداث المذكور بعضها أعلاه، والتنافر بين ملتزمي الدينين، وأيضا الإفاضة في وصف الحميمية المتعلّقة بتعامل الفتيات أو النساء مع أجسادهن. في الرواية لا يكتفى بالتلميح لدى وصف ما تجرّبه فيكتوريا، ودائما في المرة الأولى على نزع الشعر عن كامل جسمها وتجربة ظهورها عارية، لكن أمام رفيقتها في السكن وليس أمام رجل.
لا الخروج من بيت الأهل، ولا التحصيل الدراسي في الجامعة، ولا مستجدات الزمن المحرّض على المواجهة والتغيير، كافية لزعزعة الرسوخ العائلي ومفاهيمه. فيكتوريا أقل جرأة من ناديا لطفي في بعض أفلامها، ومن ممثلات أخريات خطون تلك الخطوة نحو اللارجوع (أتذكر هنا سناء جميل في دورها في فيلم مقتبس من رواية «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ).
باستثاء ذكرها لتلك التفاصيل الحميمة تجنّبت فيكتوريا، في عيشها، الذهاب إلى ما يتجاوز العادي من حياة شابة مصرية. أتاح لها ذلك كون الكتاب التزم وقائع سيرة لا استثناء لبطلتها سوى كشفها لما يعتمل في وسطها الديني والأهلي من اعتزال وشعور بالقهر. هي سيرة فتاة عادية لكنها مشوّقة في قراءتها. أعني ذلك النوع من التشويق الذي لا يتأتى من تسارع الأحداث وديناميكيتها، بل من الإصغاء لحياة حقيقية تروى بلسان مَن عاشتها.
رواية «فيكتوريا» لكارولين كامل صدرت عن دار الكرمة في القاهرة في 292 صفحة – سنة 2022.
كاتب لبناني