رام الله- “القدس العربي”:
لم يكن “لأم الشهيدين” أم ناصر أبو حميد أحلام كبيرة متعلقة بابنها الأسير ناصر، الذي كان يقضي حكما بالسجن مدته 7 مؤبدات و50 عاما، فقط كانت تريد أن يطلق سراح جسده المريض الذي فتك به السرطان أمام سياسة الإهمال الطبي المتعمد ليقضي بقية أيامه في حضنها وأمام عينيها الحنونتين.
كانت تريد أن ترى ابنها وتجعله يعيش في نبع حنانها، كانت تريد أن تظهر له ما يمكن أن تجود به من حنان وحب، وهو ما استبدلته لسنوات طويلة بنبع من الصبر والتصميم والصمود أمام مشوار نضال عائلة فلسطينية بسيطة من مخيم الأمعري، عائلة استشهد أحد أفرادها فيما سجن خمسة من أبنائها وحكم عليهم بالمؤبدات، لتتوج هذه الحكاية باستشهاد الابن الثاني لها.
والمفارقة المرة أن كل المسيرات اليومية على مدى عام كامل أمام مقرات الصليب الأحمر وكل المناشدات الدولية والحقوقية وحالة التواجد في خيم التضامن وكل طرقات أبواب الجهات الرسمية لم يكتب لها أن تحقق لها حلمها الصغير والبسيط.
وها هي اليوم وبعد أن استشهد ابنها على سرير مستشفى إسرائيلي استبدلت حلما أول بحلم ثان وهو أم تتمكن من دفنه.
وبحسب أم ناصر فإن كل ما تريده هو أن “يدفن بعز وكرامة في أرض الوطن الذي ضحى من أجله”.
وتعتبر مسألة استعادة جثمان ابنها السجين سابقا والجثمان المحتجز حاليا، مسألة مؤجلة ولا يعرف أحد ما مدى إمكانية تحققه.
وتبدو هذه الحكاية بحسب المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي الأسير المحرر عصمت منصور بكونها “تعكس أقسى وأكبر حالة عجز فلسطيني يمكن أن يراها أو يعيشها الفلسطيني بكل تفاصيله”.
وفي حديث صحفي بصوت خفيض قالت إن مطلبها اليوم يتمثل في دفن ابنها، لكنها تابعت بأنها لن تسامح كل شخص قصر في قضية ناصر.
ورددت قائلة: “حسبي الله ونعم الوكيل في كل واحد كان لديه القدرة على المساعدة ولم يقدمها لناصر بحيث يعيش آخر أيامه حيا بيننا”.
وتعكس مقولات الصابرة أم ناصر عمق ما حرمت منه ألا وهو “رؤية ابني ناصر وهو حي”.
وفي المقابل احتشد آلاف المواطنين على مدخل مخيم الأمعري الذي يقع على الطريق الرئيس الذي يربط وسط مدينة رام الله مع القدس المحتلة فيما لا يبعد مقر المقاطعة (المقر الرسمي للرئيس الفلسطيني محمود عباس) إلا كيلومترات عدة.
وبحسب نشطاء تحدثت معهم “القدس العربي” فإن هذا التواجد العفوي الذي تخلله ملثمون ومسلحون يرتدون زيا عسكريا يعكس حالة عامة للغضب الشعبي والعفوي على نهاية الأسير المقاوم الشجاع.
وتبادل نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة تعود لأحداث انتفاضة الأقصى الثانية (2002) يظهر فيها ناصر بلباس مدني ويمتشق سلاحا مشتبكا مع قوات الاحتلال التي اقتحمت وقتها مدينة رام الله.
وخلال فيضان المواطنين القادمين من مناطق متفرقة من محافظة رام الله أغلق الشارع الرئيسي المؤدي للقدس وهتف المواطنون بحرقة مطالبين بالانتقام وبخيار المقاومة المسلحة.
وردد أحد المتحدثين عبر مكبرات الصوت أن “الكلمات تعجز عن وصف حالة الحزن على فقدان الشهيد الباسل أبو حميد”.
وأطلق المسلحون الرصاص في سماء المدينة المشمس من دون توقف.
وفي حديث آخر انتقد أحد المتحدثين دول التطبيع العربي مشيرا إلى حالة عامة من العجز عن إطلاق سراح الأسير الفلسطيني المريض، فيما لم يتم التطرق لعجز القيادة الفلسطينية عن عمل شيء في سبيل إطلاق سراحه.
وجل ما قامت القيادة الفلسطينية بإنجازه أن تمكنت من توفير زيارة خاطفة لأم الأسير ناصر لابنها في المستشفى قبل لحظات من استشهاده.
وبحسب أحد النشطاء فإن شيئا ما تجاوز مشاعر الحزن المعتادة على رحيل الشهداء أصاب مشاعر الفلسطينيين، وقام بتلخيص الحالة بأنها “مشاعر الخيبة ومرارة العجز”.
وانعكس إحساس الخيبة ومرارتها إلى حالة كبيرة من النقد الذاتي والحاد التي عكست أكبر حالة من العجز يمكن أن يعيشها الفلسطيني.
وقال أحد النشطاء: “هو اللي بجيب بطاقات الـ VIP وبطاقات الـ BMC، وتصاريح زيارة لفلسطينيين من جزر البلطيق، ما في يجبلنا جثمان الشهيد أبو حميد؟”.
وخلال ساعات الصباح قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بمهاتفة والدة الشهيد أم ناصر أبو حميد معزيًا باستشهاد نجلها البطل.
وعلق مواطن فلسطيني “ماذا يفعل الفلسطينيون سوى التعبير عن غضبهم بعد أن فشلوا في أبسط المهمات وهي إطلاق سراح قائدهم المريض؟”.
وعلى دوار المنارة وقف المطارد الفلسطيني أبو رعد فتحي خازم شامخا إلى جانب أم ناصر التي توشحت العلم والكوفية.
وبدت بكامل صبرها وهي محاطة بمجموعة من النساء والقيادات الوطنية والتي كانت من ضمنهم محافظ محافظة رام الله ليلى غنام.
وانتقد فلسطينيون منح الأسير الشهيد بعد سنوات طويلة من المرارة والعلقم؛ والعيش في السّجن وسط أوجاع المرض، وحالة الخذلان، رتبة “لواء”.
وعاد نشطاء إلى أصل اسم “ناصر” وهو اسم علم مذكر عربي، بصيغة اسم الفاعل، ومعناه: المعين على الخصم، المعاون على النصر، المطر، مجرى الماء إلى الأودية.
وأكدت عائلة أبو حميد في بيان صحفي أنها لن تتقبل العزاء في ابنها، وأنها ستبقى في حالة حداد الى ان يتحرر جسده الطاهر، فيما قام نشطاء محسوبون على حركة فتح بإقامة خيمة اعتصام على الدوار الرئيسي المقابل لمخيم الشهيد ليس من باب قبول التعازي إنما لتكون نقطة انطلاق نضال جديد من اجل استعادة جثمان الشهيد.
وعلق الأسير المحرر عصمت منصور قائلا: “على أمثالك يا ناصر تبكي الرجال.. خسارتنا بك كبيرة والله. فاجعة وطنية وإنسانية”.
وأضاف: “ليس الاهمال الطبي وحده من قتلك… بل جُبن وضعف وانشغال قادتنا بالحلول السلمية”.
ووصف منصور الشهيد بأنه واحد من عظماء هذا الجيل الذي لم يعرف سوى النضال والاعتقال والمطاردة.
وشدد أن “ناصر لم يفقد ثقته حتى وهو يصارع الموت بشعبه وعدالة قضيته واختار ان تكون اخر كلماته: “أنا ذاهب إلى نهاية الطريق، ولكن مُطمئن وواثق بأنني أولا فلسطيني وأنا أفتخر، تاركًا خلفي شعبا عظيما لن ينسى قضيتي وقضية الأسرى”.
وشدد منصور أن “رحيله على هذه الطريقة يقدم أكبر حالة عجز تعكسها الحالة الفلسطينية.. أكبر عجز يمكن ان يعبر عنه الواقع الفلسطيني”.
وقال إن طرقات الأسرى في سجون الاحتلال على الأبواب والتكبيرات كلها تبعث برسالة لنا نحن ممن يعيش خارج السجون ومفادها أنهم يطرق على جدران قلوبنا بأنهم لا يريدون أن يعيشوا نفس التجربة التي مر بها ناصر”.
وأضاف: “نحن إزاء معتقل كان يموت ببطء منذ عام تقريبا، كل ذلك كان أمام سلطة كان يمكنها أن تقوم بالكثير من الخيارات من أجل إطلاق سراحه قبل رحيله”.
وعن الخيارات قال منصور كان يمكن رهن التنسيق الأمني بإطلاق سراحه، وأضاف: “من تمكن من الدخول للسجون الإسرائيلية وعقد اللقاءات مع القائد مروان البرغوثي من أجل التفاوض على الانتخابات كان يمكنه أن يضغط كي يطلق سراح أبو حميد”.
وأكد منصور أن السلطة والجهات الرسمية اكتفت بالمظاهر الاحتفالية والمسيرات والوقفات ولم تمارس ضغطا فعليا على الاحتلال.
وبحسب منصور فإن السلطة بأمس الحاجة إلى رصيد من المشروعية وكان بإمكانها الاستثمار في هذه الحادثة المأساوية من أجل تعزيز شرعيتها لكن ذلك لم يتم. “إنها سلطة لا تريد أي رصيد. ليست معنية بالشعب الفلسطيني ولا الأسرى”.
وفي ذات السياق قال الإعلامي والناشط معز كراجة إنه ليس من حقنا بكاء البطل ولا نعيه، فالبكاء تحت خيمة الصمت والعجز هو فعل مبتذل.
وتابع: “كان حلم أمه أن يموت ولدها المريض في حضنها، فهل هذا حلم كبير؟ ولكن عجزنا أكبر. لم تكن قضيته أولوية لنا، فقد انشغلنا بالذهاب إلى سوق الخضار وبشراء الخبز قبل أن يغلق المخبز”.
وختم: “ليس من حقنا بكاء البطل لأن أمه بعد غد فقط ستجد نفسها وحيدة، لن نزورها ولن نهتم إن حصلت على أدويتها بكرامة. البكاء تحت خيمة العجز فعل مبتذل”.