البصرة – «القدس العربي» على مدى عشرة أيام، أقامت دار الكتب للطباعة والنشر في جامعة البصرة معرض الكتاب الجامعي والأكاديمي تحت شعار (تعليم ممنهج وبحث علمي بناء برؤى حضارية جديدة)، من أجل دعم الجانب العلمي والأكاديمي لطلبة وأساتذة الجامعة، فضلاً عن القراء الذي كان حضورهم إلى المعرض ملفتاً على مدى الأيام العشرة.
المعرض الذي أقيم في قاعات المكتبة المركزية وسط جامعة البصرة شارك فيه أكثر من 22 داراً من العراق ومصر ولبنان والإمارات وإيران، غير أن الكثير من الكتب إن لم يكن أغلبها لم يكن جديداً، وقد عزا بعض المشاركين في المعرض سبب ذلك للأوضاع التي تعيشها المنطقة، إضافة إلى عدم إمكانية إيصال الكميات المطلوبة من الكتب في وقتها المحدد. وأشار محمد الإمارة، أحد المساهمين في المعرض، إلى أن الكثير من دور النشر لم تتمكن من الحضور والمشاركة في المعرض بسبب آليات النقل التي أجبرت عليها دور النشر، «فقد حاولت بعض هذه الدور إرسال كتبها عن الطريق البري لإمكانية إيصالها بأسرع ما يمكن، غير أن وجود تنظيم الدولة والجماعات الإرهابية التي سيطرت على مناطق في سوريا والعراق حالت دون وصولها، ما اضطر بعض الدور لإرسالها عن طريق البحر، وهو ما منع مشاركتها، لأن هذا الطريق قد يأخذ وقتاً من شهرين إلى ثلاثة أشهر لإيصال الكتب خلال مدة إقامة المعرض».
من جانبه بيّن الدكتور جاسم مهدي الأسدي، مدير دار الكتب للطباعة والنشر في جامعة البصرة، أن هذا هو المعرض الأول الذي تقيمه دار الكتب، وقد كانت في السابق تشارك في المعارض التي تقام داخل الجامعة، غير أنها تمكنت من دعوة اثنين وعشرين داراً محلية وعربية. أما الهدف الرئيس من المعرض فهو توفير الكتب العلمية والأدبية إلى الأستاذ والطالب على حدٍّ سواء. مبيناً أن العالم الآن يمر بثورة تقنية ومنهجية هائلة، إذ إن المستفيد والقارئ يستطيع الحصول على كتاب من خلال الانترنت، «لكن ما زال الفارق بين الكتاب الألكتروني والملموس له لذة بالتعامل مع الورق وكيف تتصفح الكتاب، ولا يمكن الاستغناء عنه. وحتى مع وجود الكتب الإلكترونية نرى أن هناك إقبالاً على الكتاب الورقي، خصوصاً من قبل الأساتذة وعدد كبير من الطلبة، وهذا دليل على أن القارئ العراقي ما زال يبحث عن الكتاب الورقي رغم وجود الألكتروني».
أما عن الدعم المقدم للمعرض وطرائق تمويله، فاشار الأسدي إلى أن المعرض كان على نفقة المديرية من دون دعم مادي، علماً أن الجامعة قدمت دعماً معنوياً، وهو ما نحتاجه في بداية مشوار الدار والمعرض… «في الحقيقة لم نطمح أن نحصل على الأرباح من دون دعم الجامعة للدار، علماً أننا لم نؤجر الأرض للدور المشاركة، وكانت المساحات مجانية من أجل إنجاح المعرض الأول، ويجب الاعتراف أننا لم نعرف إن كان تأجير أراضي الدولة أمر قانوني وغير أن السؤال عن هذا الموضوع سيكون مشروعاً لأننا بحاجة لدعم المعرض من أجل إدامته وإقامته بشكل سنوي».
ربما لم يكن المعرض على مستوى طموح الأساتذة والباحثين، فالجديد الذي طرح في هذا المعرض كان نادراً، كما أن الكثير من الدور المشاركة عرض كتباً كانت موجودة في مخازنها ولم ترسل الكتب الصادرة حديثاً إلى قاعات العرض، وهو ما أكده الأسدي، موضحاً أن المعرض الأول لا يخلو من الهفوات وستستفيد الدار من كل ما يطرح في سبيل تلافيه في المعارض المقبلة، «لكن هدفنا كان نوعياً، ومن أجل أن نستفيد من إدخال اسم الدار في إقامة معرض، وهو أيضاً من أجل أن تكون الجامعة مكاناً للمعرفة والثقافة وليس للدراسة فقط». وأكد الأسدي أن بعض دور النشر شاركت بفروعها في البصرة، غير أن هناك دوراً لبنانية جاءت فعلاً من بيروت وتمت ضيافتها في دار استراحة الجامعة وعلى نفقة الدار، ومع هذا يجب أن نعترف «أن الإمكانيات محدودة، ونعيش في زمن تقشف معروف، لكننا نطمح إلى أن نرتقي بمعارضنا، غير أن ظروفنا المالية الحالية محدودة ولا تسمح لنا باستقدام دور مهمة عربياً وعالمياً». صاحب دار ومكتبة البصائر مناف حميد، أشار إلى أن ما يميز هذا المعرض عن غيره من المعارض، على أن أغلب المعروض فيه من الكتب الأكاديمية والتي تحتاجها الجامعة تحديداً. وتوفر المصادر العلمية البحتة، الهندسة والطب والفنون والآداب.
في حين قال محمد عبد الحسن الراضي، صاحب دار الكتب العراقية، ووكيل كلٍّ من دار الكتب العلمية ودار صادر ودار الجيل ودار النهضة، أن الدار عرضت ما يناسب الجامعة باعتبار المعرض أكاديمياً، وما يمكن أن يسهم في إغناء البحوث والدراسات، فـ»الأكاديمية ليست بالضرورة أن تكون كتب منهجية ومتخصصة، بل هناك روايات وشعر وتاريخ، إضافة إلى بعض الكتب الصحية والدينية».
أما الكتب الأكثر إقبالاً عليها فهي الكتب التي يحتاجها الطالب الجامعي أولاً، ومن ثمَّ كانت كتب الدكتور علي الوردي؛ عالم الاجتماع العراقي، التي حققت مبيعات كبيرة خلال أيام المعرض.
وعلى الرغم من عرض دار الكتب العراقية لبعض منشورات دور الكتب المصرية، غير أن أغلبها كان قديماً ولا يفيد الباحثين ولا الطلبة؛ حسبما ما صرَّح الكثير من زوار المعرض، وهو ما أكده الراضي، غير أنه وضَّح أن الذي حدث أن الكتب المصرية كانت صعبة الوصول إلى العراق، كما أن أغلب المستوردين يجلبون الكتب التي عليها طلب وليس الكتب العامة، «على سبيل المثال عندما تأخــذ وكـــالة من دار الكنوز، فهي تفرض عليك أن تأخذ الكتب التي لديهم جميعاً، بعيداً إن كان لها سوق أم لا».
وفيما إذا تم استيراد كتب خاصة للمعرض أو تم عرض ما بقي في المخازن فقط، قال الراضي إنه تم استيراد كتب على حساب المعرض، لكن دور النشر العربية اتخذت قرارً بإيقاف الطباعة لمدة ثلاث سنوات بسبب أوضاع المنطقة الحالية ودخول تنظيم الدولة للعراق وسوريا، وهذا ما أدى إلى عدم إمكانية التوزيع وإيصال الكتاب للدول البعيدة.
الناشر عبد المالك الناصري، دار الكتب العلمية، كشف في حديث خاص لصحيفة «القدس العربي» أن تخصص الدار هو الكتب العلمية بمختلف التوجهات، كالطب والهندسة والزراعة والمحاسبة والإحصاء وغيرها، «لدينا أكثر من 2000 عنوان متنوع، فضلاً عن بعض الكتب الأدبية التجارية التي يحتاجها السوق. أغلب الكتب هي باللغة الإنكليزية فضلاً عن بعض العناوين المترجمة». وعن الإقبال خلال أيام المعرض، أكد الناصري أن الإقبال كان جيداً على مدى أيام المعرض، خصوصاً خلال أيام الأسبوع مع دوام الجامعة وحضور الطلبة والأساتذة.
المشكلة التي يواجهها الطلبة مع الكتب العلمية أنهم كلما يقتنون كتاباً يصدر كتاب جديد فيه معلومات غير موجودة في الكتاب السابق، وهذا ما أشار إلى أيضاً الناصري، الذي قال إن هذه مشكلة نعاني منها نحن دور النشر، ويعاني منها الطلبة أيضاً، فالكتب العلمية تتـــغـير باستمرار، فضلاً عن الأساتذة الذين يغيرون مناهــجـــهم والكتب التي يبحثون فيها، ما يسبب إرباكاً للطالب، إضافة إلى التكلفة المالية التي غالباً ما لا يتمكن من دفعها مع كل موسم أو أستاذ جديد. لهذا نحن نضطر إلى استيراد كل ما هو جديد، أو تصويره من أجل تقديمه للطالب بأسعار مناسبة، وغالباً ما نخسر الكثير بسبب تراكم الكتب القديمة التي يمر عليها عام أو أكثر ويتم تغييرها. لكننا باستمرار نستورد الكتاب القديم والجديد لكي نترك الخيار للطالب والأستاذ وما يخدمهما.
المعرض لم يكن على مستوى الطموح الذي كان يأمله الطلبة والباحثون والزوار أيضاً، غير أن هذه الخطوة التي قامت بها جامعة البصرة من خلال الدار التابعة لها ربما تكون الأولى على مستوى المعارض المقبلة، خصوصاً وأن الأوضاع السياسية والأقتصادية ألقت بظلالها بشكل واضح على الكتب المعروضة والدور المشاركة.
صفاء ذياب