عسكر على مين؟

حجم الخط
0

 

مشهد من الذاكرة: لسنوات، ظل الشعار مدموغاً بالأحمر على أحد الجدران في حي بربور في المزرعة، على بعد أمتار من المبنى الذي قطنه الأستاذ نبيه بري قبل أن يصبح رئيساً لمجلس النواب. كان شعاراً نادراً، لم يتكرر جداراً بعد جدار على غرار غيره من عبارات التعبئة، ربما لأنه كان في الأصل من صنع شاعر.
«انا شعبي أكبر يا عسكر» كان يقول الشعار، وقد خطته يد مجهولة استفزتها على الأرجح حكومة العسكريين في بدايات الحرب. لكنه لم يكن من أدبيات الحرب، على العكس كان صدى لظاهرة مدنية في المقام الأول هي التظاهرات الطالبية التي عاش لبنان على وقعها مطلع السبعينيات. بل أن الشعار هو في الأصل من «قرّادة» شاعت يومها على ألسن الطلاب، ومما جاء فيها:
«وينن قياداتك، يا عسكر؟
بالحمرا بتسكر، يا عسكر
عسكر على مين، يا عسكر؟
عالفلاحين، يا عسكر».
كان من الصعب على من سمع يوماً صدى تلك التظاهرات الطالبية ألا يردد هذه «القرادة»، وخصوصاً لازمتها أول من أمس، إذا تسنى له المرور قرب أحد المعسكرات، عفواً الجامعات.
صحيح أنه تغير الكثير منذ مطلع السبعينيات. فأولاً كانت كلمة «العسكر» تعني خصوصاً قوى الأمن الداخلي المولجة آنئذ بقمع التظاهرات. ثم أن الحمرا لم تعد المكان الأمثل للهو والسكر، بل أن السكر لم يعد السبيل الوحيد للتلهي عن المصلحة العامة، إذ يمكن الوصول إلى النتيجة نفسها بوسائل أكثر صحية، الرياضة مثلاً.
والأهم ان الجيش، الذي كان ينال قسطه من الانتقاد خلال الإشارة إلى امتناعه عن حماية الجنوب، تغير جوهرياً، أصبح «وطنياً»، كما طمأننا قائده السابق بعد انتقاله من اليرزة إلى بعبدا. وإذا كان لا يزال يحاذر التوجه جنوباً، فليس بدافع من قلة الوطنية، وإنما من باب الحرص على الاستراتيجيا القومية، التي لا تكتمل إلا بضغط لبناني على إسرائيل من أجل القبول بالسلام العادل والشامل، كما شرح لنا رئيس الحكومة في محاولة بطولية لعقلنة اللامعقول.
جيش وطني اذاً، بل عسكر عربي. فكيف يجوز السؤال؟
يجوز.
مشهد من «الميدان»: حاجز عسكري على بعد مئة متر من إحدى الجامعات، أمام مقهى يقصده الطلاب في ساعات الفراغ. كل من يمر يخضع للتفتيش، ما لم يكن «مسنوداً» بصلة مع جهاز. الشاب مثل الكهل، النساء مثل الرجال، المشاة مثل السيارات. الضابط الشاب بنفسه مستنفر، بنفسه، ممتلئ بخطورة مهمته، يصادر العلم اللبناني إن أخطأ العلم وظهر على مرأى من حاميه، ولا يعجبه أن يرى الطالب نفسه مرتين، فيتوعد من يكثرون من التجوال بين الجامعة والمقهى. الضابط الشاب لا يحب الشباب، والبحث يدور عن «دفاتر الجيش»، عسى ولعل أحدهم أفلت من التجنيد، فالجنوب بحاجة إلى كل القوى، لا، ليس الجنوب، ولكن لا فرق.
الأستاذ يخرج من المقهى مع أحد طلابه. الضابط الشاب ينادي المواطن الشاب، يتدخل الأستاذ. «هذا واحد من طلابي»، يقول في محاولة لتهوين الأمر. «هذا مواطن عندي»، يرد الضابط الشاب، قبل أن يدفع بالأستاذ ويباشر تفتيش كتاب «القانون المدني»!
لم العجب من تفتيش كتاب، وإن يكن كتاباً في القانون، ومدنياً فوق ذلك؟ لم العجب ما دام الضابط الشاب يرى الشعب مواطنين «عنده»، فينسى أن مبرر وجوده ان يكون هو «عند» المواطنين، أداة لصون السيادة ومصدرها الوحيد الشعب.
عسكر على مين؟ على المواطنين؟
طبعاً، المشكلة ليست في أداء الضابط الشاب. المشكلة في من عبأ رأسه حتى يصير كأي عسكري عربي، منتفخ الذات، يحسب نفسه أسمى من «العامة»، لا يأبه مسؤول إن «وصلوا حيث لا يريدون الذهاب».
إلى الخراب. أو الاغتراب.
مشهد من وراء الشاشة: ثكنة عسكرية في مؤسسة تلفزيونية. أو مؤسسة تلفزيونية في ثكنة عسكرية. الأحكام العرفية فجأة من دون إعلان مسبق ولا قرار من سلطة شرعية. التوقيف الاعتباطي من دون أدنى أمر قضائي. بل انقلاب على القضاء والسلطة المدنية، ومن دون بلاغ عسكري. والسؤال هنا أكثر من أي مكان آخر عن المسؤولية.
فما جرى في «المؤسسة اللبنانية للإرسال» أخطر حتى من قرار تحول بيروت معسكراً حربياً وتشويه صورة السلم الأهلي وسمعة لبنان وتطفيش المستثمرين، فضلاً عن المواطنين. هو أخطر لأنه يمثل النموذج الصارخ ليس فقط لسوء استخدام السلطة، بل لاستخدامها من أجل مصالح شخصية. ففي النهاية الخلاف بين مساهمين في شركة خاصة، ولا يهم، في هذا المجال على الأقل، إن كان لبعضهم صفة رسمية ولا حتى طريقة حصولهم على صفة المساهم وصلاحياته. خلاف بين مساهمين قال القضاء كلمته فيه، فيقحم الجيش فيه من دون مبرر ويتحول توقيف الإعلاميين عملية حجز رهائن حتى تبدأ مفاوضات الإفراج عنهم وعن مؤسستهم، فيظهر فجأة شبح المدير الخاص للأمن الخاص في «اللبنانية ـ السورية للتلازم والعلاقات المميزة» (شركة غير محدودة اللامسؤولي(.
من يضمن أن ما حدث مع «المؤسسة اللبنانية للإرسال» بحجة سياسية، فقط حجة، لن يتكرر غداً مع غيرها، ومن دون حجة، أو بأي حجة كانت؟
من يضمن أن لا يؤدي سوء استخدام سلطة العسكر الى أن يتساءل أحد غداً: عسكر على مين؟
وأن يجيب: على الآمنين؟

الراقص الرشيق في حقول الألغام

من باب المشاركة، عن بُعد، في إحياء أربعينية الكاتب والمؤرّخ والصحافي الشهيد سمير قصير (1960 ـ 2005)، أرسل محمود درويش كلمة مسجلة جاء في بعض فقراتها هذا التوصيف للراحل:»الراقص الرشيق في حقول الألغام، الساخر من كل انسجام مع عبودية مفروضة أو مختارة، هو أحد أسماء التفوّق على صَدَفة الهوية وعلى التخصص في مدوّنة واحدة. لذلك صدّق أن في وسع الفلسطيني أنّ يكون لبنانياً، وأنّ في وسع اللبناني أن يكون فلسطينياً عربياً، وأنّ من واجب العربي أن يكون مشاركاً بالتفكير على الأقل في التداعيات التي تتركها انقلابات العالم المعاصر على ما يُعدّ له من مصائر»…. وبالطبع، كان درويش يلتقط ذلك التفصيل، الآسر حقاً، في سيرة قصير: أنه ولد لأب لبناني ـ فلسطيني، ولأمّ لبنانية ـ سورية، وأنه تغلّب على أسر الهويات الثلاث دون أن ينعزل عن هواجسها الوطنية والاجتماعية والثقافية، وعن الحريات العامة والمواطنة وحقوق الإنسان، متخذاً في الآن ذاته أوضح مواقف الانخراط في خدمة القضية الفلسطينية.
ولد قصير في بيروت، وغادرها في سنة 1981 ليتابع دراساته، الجامعية والعليا، في باريس؛ حيث شارك، بنشاط، في الكتابة الصحافية، باللغتين العربية والفرنسية، في صحف ودوريات مثل «الحياة» و»لوموند دبلوماتيك» و»اليوم السابع″، إضافة إلى «اللوريان لوجور» اللبنانية. وفي سنة 1992 وقّع عملاً مشتركاً، بالفرنسية، مع المؤرخ والناشر السوري فاروق مردم بك، بعنوان «مسارات من باريس إلى القدس: فرنسا والصراع العربي الإسرائيلي»؛ ثمّ عاد إلى بيروت ليدرّس العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف، ويلتحق بصحيفة «النهار» كاتباُ ومديراً لدار النشر فيها. أصدر، بعدئذ، بالفرنسية أيضاً، كتابه «الحرب اللبنانية: من الانقسام الأهلي إلى الصراع الإقليمي»، الذي كان أساس أطروحته للدكتوراه، كما أطلق مجلة «لوريان إكسبريس» الفرنسية التي تصدّرت الدوريات الثقافية، واستجمع مقالاته في «ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان» و»عسكر على مين؟» و»تأملات في الشقاء العربي»؛ وأخيراً، كان كتابه «تاريخ بيروت» علامة فارقة في ميدانه.
مواقفه الجريئة في نقد المركّب الأمني ـ الطائفي، المرتبط بالأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام السوري؛ وكتاباته السياسية عامة، مثل تركيزه على التلازم الديمقراطي بين لبنان وسوريا؛ ومشاركته في تأسيس «حركة اليسار الديمقراطي»، جرّت عليه سخط السلطات الأمنية، فتعرّض لمضايقات شتى، بينها مراقبته يومياً، ومطاردة سيارته، وسحب جواز سفره، وصولاً إلى اغتياله بعبوة ناسفة يوم 2/6/2005.

نصّ: سمير قصير

اشترك في قائمتنا البريدية