باريس – «القدس العربي»: لا تزال العلاقات المغربية الفرنسية لم تستعد بعد عافيتها رغم عودة المياه إلى مجاريها إثر محادثات وصفت بالهامة كانت قد جمعت الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بالعاهل المغربي محمد السادس في قصر الإيليزي في باريس، حيث لا تزال غيوم كثيرة تلبد سماء العلاقة بين المملكة المغربية ومستعمرتها السابقة فرنسا.
وينزعج المسؤولون المغاربة من تحريك القضاء الفرنسي لمتابعات قضائية ضد مسؤولين أمنيين سجل معارضون مغاربة ضدهم دعاوى أمام محاكم فرنسية يتهمون فيها أجهزة المخابرات المغربية الداخلية منها والخارجية بممارسة التعذيب ضد معارضين لنظام الملك محمد السادس، بينما تنفي الحكومة المغربية باستمرار ذلك وتقول إن مقر المخابرات المغربية في مدينة تمارة ليس سوى مركز أمني كباقي المراكز الأمنية في البلاد.
وتنزعج الحكومة المغربية كذلك من منح الديوان الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية شبه الحكومي صفة «لاجئ سياسي» لكثير من المغاربة ممن وصلوا إلى فرنسا وقدموا طلبات لجوء سياسي، إضافة إلى سماحها لمعارضين مغاربة بتنظيم مظاهرات مناوئة لنظام الملك محمد السادس بينهم النقيب السابق في القوات الجوية المغربية مصطفى أديب والملاكم المغربي السابق زكرياء مومني.
وأنهى العاهل المغربي محمد السادس زيارة خاصة قضاها في قصره الفاخر في مدينة بيتز في إقليم الواز التابع لمنطقة بيكاردي القريبة من باريس، استمرت لأكثر من شهر وتميزت برفع مقربيه شكاوى متعددة إلى وزارة الداخلية الفرنسية بسبب تزايد وتيرة مطاردة تحركات موكبه واقتفاء خطواته من قبل مجموعة صغيرة من معارضي حكمه.
وكان خمسة معارضين لنظام الملك بينهم النقيب السابق في القوات البحرية المغربية مصطفى أديب والملاكم المغربي السابق زكرياء مومني قد تظاهروا على بعد مسافة 400 متر من بوابة قصر العاهل المغربي محمد السادس حملوا خلالها صورا ولافتات وشعارات تتهم العاهل المغربي بممارسة التعذيب.
وأشرف محافظ الإقليم شخصيا على مراقبة المظاهرة المناوئة للنظام المغربي وضمان التزام المتظاهرين الخمسة بالشروط التي سطرت لهم مقابل الموافقة على طلبهم السماح لهم بالتظاهر قرب القصر الملكي، خاصة فيما يتعلق بعدم اقترابهم من البوابة الرئيسية للقصر أو محاولة اعتراض موكب الملك في حالة خروجه أو دخوله إليه.
وتميزت العلاقات المغربية الفرنسية عموما بالتوتر منذ وصول مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا أولاند إلى كرسي الرئاسة الفرنسية، حيث يعرف الحزب بسياساته التي تميل نحو كفة الجزائر عكس اليمين ممثلا في حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الذي يقوده الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي يميل نحو المغرب.
واستأنفت الرباط وباريس التعاون القضائي والقانوني بعد شهور من التوتر الذي فجرته محاولة القضاء الفرنسي اعتقال رئيس المخابرات المغربية بشأن مزاعم تعذيب، حيث رضخت الحكومة الفرنسية لضغوطات المعارضة اليمينية في البرلمان التي سارعت إلى تحميل أولاند وحكومته جزءا من مسؤولية الهجمات الدامية التي تعرضت لها فرنسا في أعقاب الاعتداء على مقر صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة بسبب عدم سعي باريس للعمل من أجل إعادة الأمور إلى نصابها مع الرباط خاصة ما يتعلق بوضع حد لتعطيل التعاون القضائي بين البلدين.
واستئناف التعاون القضائي والقانوني بين البلدين خطوة مهمة لفرنسا التي تحتاج إلى معلومات المخابرات من المغرب وغيرها من بلدان شمال أفريقيا بشأن المشتبه بهم في مجال الإرهاب، وهو أمر بات أكثر إلحاحا بعد الهجومين اللذين شنهما متشددون على صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة ومتجر لبيع الأطعمة اليهودية في العاصمة باريس.
وكانت الرباط قد عطلت اتفاقات التعاون مع باريس احتجاجا على محاولة السلطات الفرنسية استجواب رئيس المخابرات المغربية بشأن مزاعم تعذيب أثناء زيارته العاصمة الفرنسية، حيث توجه محققون فرنسيون إلى بيت السفير المغربي في محاولة لاعتقال المسؤول الأمني المغربي دون جدوى.
وكثيرا ما وجهت منظمات دولية ومغربية لحقوق الإنسان بينها منظمة العفو الدولية اتهامات إلى المخابرات المغربية بتعذيب الناشطين والمشتبه بهم في مجال الإرهاب وفي بعض الحالات بالنيابة عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
وينظر القضاء الفرنسي في العشرين من شهر اذار/مارس الجاري في قضية تشهير رفعتها السلطات المغربية ضد المعارض المغربي والملاكم السابق زكرياء المومني أمام الغرفة 17 الجنحية المختصة في قضايا التشهير في محكمة «سيتي» وسط باريس، حيث تتهم الحكومة المغربية المومني بالإدلاء بمجموعة تصريحات لقنوات تلفزيونية فرنسية «تمس بشكل خطير بسمعة السلطات المغربية» وفق تعبير السفارة المغربية في باريس.
وكان الملاكم المغربي السابق قد حل ضيفا على نشرات أخبار عدة قنوات تلفزيونية فرنسية اتهم من عبرها مسؤولين أمنيين وسياسيين مغاربة كبار بتهديده وتعذيبه عام 2010، بينهم منير الماجدي السكرتير الخاص للملك محمد السادس، ومحمد الحموشي رئيس جهاز المخابرات الداخلية المغربي التي تعرف اختصارا باسم «دي. إس. تي». كما يتابع المومني أيضا في شكوى مرفوعة ضده أمام المحكمة الابتدائية في الرباط من أجل الاتهام الكاذب وإهانة السلطات والتشهير العام».
وقضى الملاكم المغربي السابق المثير للجدل عقوبة حبسية بلغت نحو سنتين عام 2010 بعد أن وجهت إليه السلطات المغربية تهمة النصب والاحتيال على مجموعة شبان وتقاضي مبالغ مالية منهم بغرض إيهامهم بمساعدتهم على السفر نحو أوروبا، وهو ما ظل ينفيه المومني باستمرار بحجة أن التهمة «كيدية» من جهاز المخابرات المغربية على خلفية مطاردته الملك محمد السادس في شوارع باريس للمطالبة بحقوقه على حد وصفه.
ولم تطلق السلطات المغربية سراحه إلا بعد نجاح زوجته الفرنسية في تحويل ملفه إلى قضية رأي عام في فرنسا، حيث تطوعت عدة جمعيات ومنظمات حقوقية لتبني قضيته والدفاع عنه من خلال إطلاق تنظيم مساند له.
واضطرت السلطات المغربية لإطلاق سراح زكرياء المومني من سجنه تحت ضغط السلطات الفرنسية والسماح له بمغادرة الأراضي المغربية نحو فرنسا، ليتحول بعدها إلى أحد المعارضين للنظام الملكي المغربي من فرنسا.
والمومني ليس وحده من اتهمته السلطات المغربية بـ»النصب والاحتيال وتقاضي أموال لمساعدة مغاربة على السفر نحو أوروبا» حيث سبق وأن وجهت السلطات القضائية المغربية تهما مماثلة لناشطين وصحافيين مغاربة في الخارج، ما زالت قضايا بعضهم عالقة بعد أن رفض المجلس الوطني لحقوق الإنسان الحكومي النظر في ملفاتهم لتسهيل عودتهم إلى المغرب في إطار برنامج طي صفحة الماضي بعد أن رفضت الأجهزة الأمنية المغربية إلغاء مذكرات بحث صادرة في حقهم على ضوء متابعتهم في قضايا تصفها منظمات حقوقية فرنسية بـ»المفبركة».
وينتظر أن تتحول محاكمة زكرياء المومني في باريس إلى ساحة أزمة جديدة بين باريس والرباط بعد أن سارعت منظمات حقوقية فرنسية إلى توكيل محامين باسمها لمساندة الملاكم المغربي السابق في ظل ارتفاع أصوات فرنسية تطالب باريس بالضغط على الرباط من أجل إنهاء بعض الممارسات التي تسيء لحقوق الإنسان في البلاد.
وتعرضت الحكومة الفرنسية لانتقادات حادة من قبل حقوقيين بعد توشيح باريس رئيس المخابرات المغربية الذي تابعته محاكم فرنسية بتهمة التعذيب وساما رفيعا هو وسام جوقة الشرف بدرجة ضابط، تقديرا لجهوده في مجال مكافحة الإرهاب، حيث أعلن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف على هامش زيارة رسمية إلى المغرب، أن بلاده ستقلد مدير المخابرات الداخلية المغربية وساما، وهو الذي سبق وأن استدعاه قضاء فرنسا بسبب ادعاءات بارتكابه التعذيب، ما تسبب في نشوب أزمة دامت قرابة سنة بين البلدين.
وخص الوزير الفرنسي بالشكر عبد اللطيف الحموشي رئيس المخابرات المغربية الذي كان محل تحقيقات قضائية فرنسية «في المقام الأول» موضحا أنه «سبق لفرنسا بالفعل أن كرمت السيد الحموشي خلال 2011 وقلدته وساما من درجة فارس» مؤكدا أن فرنسا «ستقلده مجددا وساما كشهادة جديدة على التقدير الذي يحظى به».
وتعتبر فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، والشريك التجاري الثاني بعد إسبانيا، كما أن ما بين 60 و80 ألف فرنسي يعيشون فوق الأراضي المغربية في حين يقيم أكثر من مليون ونصف مليون مغربي في فرنسا ويحمل عدد منهم الجنسية الفرنسية كذلك.
وخرجت الأزمة المغربية الفرنسية للعلن لأول مرة حين أعلنت سفارة المغرب في باريس أن سبعة من رجال الشرطة الفرنسية زاروا مقر إقامة السفير المغربي «لإبلاغه باستدعاء من قاضي التحقيق للمدير العام لجهاز مكافحة التجسس».
وتحرك القضاء الفرنسي بناء على طلب لجمعية «العمل المسيحي من أجل إلغاء التعذيب» التي دعت السلطات القضائية الفرنسية إلى اغتنام فرصة وجود مدير الاستخبارات المغربية في باريس للاستماع إليه.
وتقدم مومني أيضا بالشكوى ضد حموشي، بحسب ما أعلنه محاميه باتريك بودوان، الرئيس الفخري للاتحاد الدولي لجمعيات حقوق الإنسان من أن البطل المغربي السابق «شاهد حموشي شخصيا خلال إحدى جلسات» التعذيب التي يزعم أنه تعرض له، في مركز الاعتقال بمدينة تمارة القريبة من الرباط التابع لجهاز «مراقبة التراب الوطني».
وكان حموشي قد حصل على درجة أدنى من الوسام في 2011. ولم يدل بتعقيب بشأن الدعاوى القضائية التي أقامها ضده نشطاء مغاربة فرنسيون. ولم يتضح إن كانت هناك أي تحركات أخرى ستتخذ في الدعاوى.
وكثيرا ما اتهمت منظمات حقوقية مغربية ودولية بينها منظمة العفو الدولية المخابرات المغربية (مديرية مراقبة التراب الوطني) بتعذيب نشطاء وأشخاص يشتبه في ضلوعهم بالإرهاب وفي بعض الأحيان كانت تقوم بذلك لحساب المخابرات الأمريكية.
ونفت الحكومة المغربية مرارا أن تكون طلبت حصانة من الملاحقة القضائية لمسؤوليها على الأراضي الفرنسية كشرط لاستئناف العمل باتفاقيات التعاون الأمني والقضائي مع باريس، ردا على تصريحات لمسؤولين فرنسيين أعلنوا من خلالها أن الرباط تريد الحصول على ضمانات بالحصانة لمسؤوليها من الملاحقة القضائية في فرنسا قبل العودة للعمل بالاتفاقيات.
وألغى وزير الخارجية صلاح الدين مزوار زيارة كانت مزمعة إلى باريس لبحث النزاع بشأن ترتيبات التعاون الأمني والقضائي شهور قليلة بعد تعرضه لما وصفتها الصحافة المغربية بـ»المهانة» حينما عمدت سلطات مطار أورلي الباريسي على تفتيش الوزير المغربي رغم حمله جواز سفر دبلوماسي بلغ حد تجريده من بعض ملابسه، وهو الحادث الذي قدمت الحكومة الفرنسية بشأنه اعتذارا رسميا للرباط لاحقا.
ويرى المختصون على أن تراجع المغرب عن صفقة مقاتلات مع فرنسا لشراء مقاتلات رافال الفرنسية ساهم أيضا في تعميق الهوة في العلاقات بين الرباط وباريس بعد أن وصلت المحادثات بشأنها إلى مرحلة متقدمة قبل أن تفضل الحكومة المغربية مقاتلات اف 19 الأمريكية على نظيرتها «رافال» الفرنسية.
كما يعبر صناع القرار الاقتصادي الفرنسي باستمرار من انزعاجهم مما يسمونها «المنافسة الاقتصادية «المغربية لهم في أفريقيا، بعد أن باتت المملكة المغربية لاعبا رئيسيا مهما في مجال تنشيط التجارة والصفقات التجارية والأعمال المصرفية مع بلدان القارة السمراء.
محمد واموسي