حسم معركة تحرير تكريت.. محطة اختبار حقيقي للقدرات العراقية

بغداد – «القدس العربي»: حظيت معركة تحرير تكريت التي نجحت في طرد تنظيم « الدولة» من معظم مناطق مركز محافظة صلاح الدين، باهتمام عراقي ودولي بعد إعلان القوات العراقية دخول المدينة من عدة محاور في أعقاب معارك عنيفة منذ بداية الشهر الحالي، مع أنباء عن استمرار حرب الشــوارع وخاصة في منطقة القصور الرئاسية والأحياء المحيطة بها التي يتحصن فيها بقايا عناصر التنظيم.
وكانت معركة تكريت الحالية قد سبقتها عدة محاولات لإجتيازها ولكنها أخفقت في تحقيق هدف طرد التنظيم المتشدد بسبب التحصينات القوية والمقاومة الشرسة التي قوبلت بها تلك القوات الحكومية سابقا.
وتأتي أهمية المعركة من كون تكريت تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة فهي مركز المحافظة وتتحكم في عدة طرق تربطها بكركوك من الشرق وبيجي شمالا التي فيها مصفاة نفط معطلة كانت تغذي مناطق وسط وشمال العراق بالمنتجات النفطية، كما تعتبر تكريت محطة مهمة على طريق التقدم نحو الموصل شمالا. لذا فإن السيطرة عليها من قبل القوات العراقية إذا أنجزت في فترة مناسبة وبتضحيات معقولة، ستوجه ضربة موجعة إلى تنظيم «الدولة» تسهم في إضعاف معنويات مقاتليه بالتأكيد.
وأثارت معركة تكريت مخاوف محلية وعربية ودولية جدية من إندلاع مشاكل طائفية جديدة في العراق بعد سيطرة القوات المسلحة والميلشيات والحشد الشعبي على المدينة، وجددت الاشتباكات القلق من إحتمال إندلاع أعمال عنف طائفي إنتقامية من أهالي المدينة المتهمين بالتعاون مع التنظيم خاصة بعد تسريب عدة أفلام وصور على مواقع التواصل عن انتهاكات وقعت بالفعل. وضمن هذا الإطار جاءت تصريحات الأزهر والإدارة الأمريكية ومجلس التعاون الخليجي، التي أبدت المخاوف من تعرض سكان المناطق المحررة إلى جرائم الميلشيات، إلا أن المؤشرات تدل على أن جهودا كبيرة يبذلها رئيس الوزراء حيدر العبادي وقوى سياسية متعددة لضبط تحركات الميلشيات، لتطمين سنة العراق والعرب والمجتمع الدولي بعدم السماح بارتكاب انتهاكات طائفية، مع إبداء الحرص على إشراك مقاتلين سنة في تحرير المحافظة.
ومع تقدم القوات الحكومية نحو تكريت، بادرت البيشمركة بشن هجوم على مناطق غرب كركوك وجنوبها بهدف طرد تنظيم «الدولة» منها مستفيدين من التقدم الذي حققته القوات العراقية في تكريت، حيث أعلنت القيادة الكردية أنها لن تنتظر قدوم القوات العراقية لتحرير تلك المناطق وأنها ستبادر لتحريرها وخاصة الحويجة والرياض، والهدف كما يبدو هو استكمال البيشمركة السيطرة على كافة أنحاء كركوك التي يعتبرها الكرد قلب كردستان. ورغم إعلان العبادي تأييده للحملة الكردية في كركوك، لكن يبدو أن القيادة الكردية تحركت بشكل منفرد ودون التنسيق المسبق مع بغداد.
ومن ناحية أخرى قوبلت تصريحات إيرانية قبل أيام بأن «إيران أصبحت امبراطورية عاصمتها بغداد» بردود فعل معارضة قوية من الشعب العراقي وبشكل خجول من الحكومة التي اكتفت ببيان عام، كما أن موقف المرجعية الشيعية في النجف جاء رافضا للتصريحات الإيرانية ومؤكدة «إننا نعتز بوطننا وبهويتنا وباستقلالنا وسيادتنا وإذا كنا نرحب بأي مساعدة تقدم لنا اليوم من إخواننا وأصدقائنا في محاربة الإرهاب ونحن نشكرهم عليها فإن ذلك لا يعني أننا يمكن أن نغض الطرف عن هويتنا واستقلالنا كما ذهب إليه بعض المسؤولين في تصوراتهم» إضافة إلى رفض الدول العربية لمحاولة إيران الهيمنة على العراق.
وضمن السياق نفسه جاءت اعترافات رئيس منظمة بدر هادي العامري بوجود 100 من المستشارين الإيرانيين الذين يساندون قوات الحشد والميلشيات الحليفة ويقدمون لها كل أنواع الدعم لكي تكون قوة عسكرية فاعلة ومؤثرة في أوضاع العراق تمكن إيران من تنفيذ سياستها في العراق.
ويعتقد المطلعون على الأوضاع العراقية أن معركة تكريت شكلت بداية التورط الإيراني العلني في شؤون العراق خاصة إذا أخذت المعارك في تكريت وغيرها أمدا طويلا يتطلب تقديمها المزيد من الدعم والمزيد من القتلى الإيرانيين الذين تؤكد المصادر القريبة من ساحات المعارك سقوط الكثير منهم. كما ستكون معركة تكريت إختبارا لمدى قدرة الحكومة العراقية على حسم المعارك ضد التنظيم المتشدد والتحكم بالميلشيات وضبط تحركاتها ومنع بعض العناصر فيها من إفشال توجهات الحكومة لتحقيق المصالحة الوطنية.

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية