الدوحة وأنقرة: عزف ثنائي متناغم على وتر التوافق السياسي والتعاون الاقتصادي والتنسيق العسكري

حجم الخط
1

الدوحة – «القدس العربي»: في أقل من ثلاثة أشهر، يزور الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أنقرة لأكثر من مرة ويلتقي رئيسها رجب طيب أردوغان، والأخير تكون الدوحة أول محطة له بعد توليه مقاليد الحكم ليتناولا في لقاءاتهما عديد القضايا الثنائية المشتركة، ويحددان مواقف متطابقة إزاء أزمات المنطقة. قرب المدى الزمني في لقاءات قادة البلدين وحيوية الزيارات المتبادلة بين وفود الدوحة وأنقرة، تعكس عمق العلاقات القطرية – التركية، واستراتيجية التوافق بينهما على أكثر من صعيد ومستوى. من الجانب الاقتصادي المثمر إلى التحالف السياسي المتوافق في دعم الخيارات نفسها وصولا إلى التعاون العسكري، الحلقة الأخيرة من مسلسل التقارب القطري التركي. وانعكست العلاقات الثنائية الوثيقة في التنسيق والتشاور بين الدوحة وأنقرة في القضايا الإقليمية والدولية، في ظل تطابق الرؤى وتناغم المواقف في الخيارات الاستراتيجية التي تتعزز يوما بعد يوم، وهي مرشحة لمزيد من الرسوخ والعمق، والمزيد من التنسيق في المحافل الدولية.

العلاقات الثنائية

خلال آخر زيارة له لقطر كرئيس للوزراء، يؤكد رجب طيب أردوغان وهو يفتتح مقر سفارة بلاده الفخم في المنطقة الدبلوماسية، أن «أنقرة والدوحة تستمران في النمو رغم الأزمات التي يشهدها العالم، كما أن كلا البلدين قد سجلا تطورا كبيرا في الموارد البشرية، ورغم وجود مشاكل اقتصادية شهدها العالم في الآونة الأخيرة، فإنهما قد تمكنتا من الحفاظ على موقفيهما». الرئيس التركي الآن ومن قصر حكمه الفخم، يطمح بكل ثقة لرسم علاقة بلاده مع قطر التي يعتبرها حليفا استراتيجيا، استنادا على الإرث الذي يجمعهما. وسبق لرئيس حزب العدالة والتنمية السابق الحاكم الحالي لبلاده، أن صرح أن البلدين: «لهما آراء متطابقة في المسائل ذات الصلة الإقليمية والدولية، ويبذلان قصارى جهدهما من أجل تحويل المنطقة إلى نقطة سلام». من جانبه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يستهل في الكثير من المرات في تعزيز جهود دولته الدبلوماسية بزيارة لأنقرة ينسق فيها مع الطرف التركي تفاصيل خططه. ويعول الحاكم الشاب لهذا البلد الـغــني ذو الثقل الاستراتيجي على حنكة حليفه في رسم جهودهما سوية في حــل الــعــديد من القضايا واتخاذ مواقف مشتركة يكون الوئام عنوانها.
أردوغان توج آخر زيارة له إلى الدوحة بتوقيع اتفاق مشترك يتعلق بإنشاء لجنة استراتيجية عليا بين دولة قطر وجمهورية تركيا، تتولى التعاون في مجالات السياسة والاقتصاد والتجارة والاستثمار والتعليم والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والزراعة والاتصالات. وشهد الحاكمان على مراسيم التوقيع على اتفاقية للتعاون في المجالات الدفاعية بين دولة قطر وجمهورية تركيا. وأعرب الشيخ تميم في ختام مراسيم التوقيع على تلك الاتفاقات «أن العلاقات القطرية التركية استراتيجية ومتينة وتاريخية، وأنها شهدت تطورات كبيرة في السنوات الماضية». وشدد على متانة العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين وأهمية استمرار الاستثمارات التركية في قطر، خاصة أن الشركات التركية تعد شركات عالمية وهي محل ترحيب.
وتأتي الزيارات المتواترة بين البلدين تتويجا للإعلان السياسي المشترك التركي القطري، الذي يجسد مدى التقارب المتزايد بين البلدين في أوسع مضامينه.
وتشهد العلاقات التركية القطرية تطوراً كبيراً في السنوات الأخيرة، من خلال تقارب مواقف ورؤى البلدين تجاه القضايا العربية والإقليمية، والتوافق حول الملفين المصري والسوري وباقي دول الربيع العربي، بالإضافة إلى تنامي التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بينهما، وزيادة أعداد السياح القطريين إلى تركيا.

المظلة العسكرية

التعاون القطري التركي الاستراتيجي أخذ بعدا جديدا مؤخرا بإعلان أنقرة عن مشروع عسكري جديد كان نقطة تحول محورية ولافتة لا تزال محل رصد واهتمام دول عدة. وكان لتصريح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي، برات جونقار، بالتأكيد أن اللجنة صادقت على عدد من مشاريع القوانين، من بينها مشروع «اتفاق تعاونٍ عسكري» بين تركيا وقطر، تأثير وصدى دولي كبيرين. الاتفاق ينص على إتاحة المجال لكل دولة موقعة نشر قوات على أراضي الدولة الأخرى. وبمقتضى الاتفاق يتم تبادل خبرات التدريب العملياتي، وتطوير الصناعات العسكرية، مع إمكانية تبادل نشر قوات مشتركة بين البلدين إذا اقتضت الحاجة، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة. المسؤول التركي نوه إلى أن بلاده تنظر إلى علاقاتها مع دول الخليج، من خلال منظور استراتيجي، وتعتبر قضية أمن واستقرار بلدان المنطقة، العنصر الأكثر أهمية في رؤيتها الاستراتيجية. إضافة جونقار لنقطة في إعلانه كانت لها دلالة قوية بالتأكيد على أن «الاتفاق يوفر لبلدنا أرضية استراتيجية، في هذه المنطقة المعروفة من قبلنا منذ فجر التاريخ».

أهمية استراتيجية

يرى مراقبون أن تطابق وجهات النظر بين الدوحة وأنقرة في الكثير من القضايا والملفات الإقليمية والدولية، يأتي بسبب التنسيق المستمر بين قيادتي البلدين وحرصهما المشترك على بلورة مواقف تتسق مع المبادئ الأصيلة، فالثقل الكبير الذي تتمتع به تركيا إقليميا ودوليا يجعل منها لاعبا فاعلا في استقرار المنطقة، ووسيطا لحل النزاعات ودعم جهود السلام.

فورة اقتصادية

ويعد التعاون الاقتصادي بين البلدين عنواناً عريضاً لتطور علاقاتهما، إذ بلغ حجم التبادل التجاري 1.3 مليار دولار في 2013، فضلاً عن أن استثمارات الشركات التركية في السوق القطرية بلغت 12 مليار دولار، ما يعكس الرغبة المتبادلة في ترسيخ علاقات اقتصادية نموذجية. وتشكل تركيا للقطريين بلداً متطوراً آمناً، لذلك يقصدونها للسياحة والتعرف على طفرتها الهائلة في المجالات المختلفة، حيث بلغ عدد زائريها من المواطنين القطريين 15 ألف سائح في العام الماضي، ويتوقع المراقبون إرتفاع العدد مستقبلاً، خصوصاً مع إرتفاع عدد رحلات الخطوط الجوية القطرية للمدن التركية. وشهدت العلاقات القطرية التركية توقيع عدة اتفاقيات اقتصادية مهمة بين البلدين أسهمت بشكل مباشر في تطوير العلاقات الثنائية، مثل اتفاقيات تطوير التبادل الاقتصادي وحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي وإعفاء الشركات التركية من شرط الكفيل، هذا بالإضافة إلى الزيارات العديدة المتبادلة والتي قام بها كبار المسؤولين في البلدين والتي عــززت من مــســيرة تلك الـــعــلاقات وأكســبتــها قـــوة ومتانة وفــتـحت أمــامها آفــاقــا واسعة من أبواب التعاون الاقتصادي والاستثماري المشترك.
ويشير الخبراء إلى أن الفرص الآن مهيأة أكثر من أي وقت مضى لإقامة علاقات تجارية واقتصادية متميزة تكون تتويجا وتعبيرا حقيقيا وصادقا لحجم العلاقات التي تربط بين القيادتين في البلدين، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين قطر وتركيا خلال السنوات الخمس الأخيرة. ويصل حجم الاستثمارات القطرية في تركيا إلى أكثر من مليار دولار. فالدوحة تشكل اليوم بوابة أنقرة نحو أسواق الخليج. وبفضل مكانتها الاقتصادية الكبيرة وريادتها في مجالات تصدير الغاز، أصبحت قطر مؤهلة لأن تشكل نقطة انطلاق لأي دولة تريد دخول الأسواق الخليجية الأخرى.
وتشير معطيات لغرفة تجارة وصناعة قطر إلى أن رأسمال الشركات التركية العاملة في قطر يتجاوز الـ1.6مليار دولار، وتستثمر خصوصا في قطاع الإنشاءات والسياحة والديكور، ويبلغ حجم المشروعات التي تنفذها شركات تركية في قطر نحو 13.5 مليار دولار معظمها تمت ترسيته في السنوات العشر الأخيرة.
وفي تصريح سابق له يؤكد أحمد ديميروك، سفير تركيا لدى الدوحة: «إن العلاقات بين البلدين تشهد تطورا كبيرا، وتسجل نموا كبيرا في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والبشرية، وتركيا وقطر بلدان صديقان تربطهما علاقات متميزة، وهما ينحدران من ثقافة وعلاقات تاريخية وطيدة». وقال «نحن سنمضي قدما من أجل تعزيز العلاقات بين شعبينا الشقيقين وكذلك عن طريق التعاون والتضامن، وسنواصل في الاستثمار لإثبات وجودنا والتعاون مع قطر». حمد ديميروك، يؤكد إنه يسعى كسفير لبلاده في الدوحة إلى دفع العلاقات نحو مزيد من القوة والعمق على المدى البعيد، منوها إلى أن العلاقات التجارية لم ترتق بعد إلى درجة العلاقات الدبلوماسية المتميزة، ومن هنا فهو يسعى لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين في المستقبل القريب، وهذا يتطلب العمل الجاد، فقطر وتركيا بلدان يكملان بعضهما البعض بما يسمح بتنمية تلك العلاقات التجارية إلى أبعد مدى.

التبادل الثقافي

وخارج سلة العملات ودائرة المبادلات التجارية أطلقت الدوحة وأنقرة فعاليات ثقافية على مدى عام في إطار ما أسمته احتفالية العام التركي القطري 2015. وشارك في إعلان تدشين هذه الفعالية وزيرا الثقافة في البلدين حمد عبد العزيز الكواري وعمر تشيليك. وفي كلمة افتتاحية للحدث أكد الوزير التركي أن قطر تحظى بمكانة خاصة لدى «الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وأحمد داود اوغلو رئيس الوزراء، حيث كانت المحطة الثالثة في زيارتهما الخارجية بعد قبرص الشمالية وأذربيجان وذلك لأننا نعتبرها دولة لها أهمية وثقل في المنطقة، وهو ما يدل على عمق العلاقات بين القيادتين».
وأضاف: «نحن كشعبين لسنا بعيدين وقلوبنا واحدة ويجمع بيننا رابط روحي هو الإسلام». وأعلن الوزير التركي للعلن أن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس أردوغان «وجها بتقوية العلاقات الثقافية بين الجانبين وهو ما نعمل عليه بالتعاون والاتفاق مع سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري وزير الثقافة والفنون التراث». وتابع: «إننا في تركيا نثمن الجهود المثمرة لقطر في المجال الثقافي والحضاري فهي بمثابة لؤلؤة الخليج في ميادين كثيرة»، مشيرا إلى أن هناك تداخلا وتأثيرات مشتركة خاصة بين الفن والحضارة الإسلامية، التي وضحت في متحف الفن الإسلامي في قطر ومتحف الحضارة العربية والإسلامية في تركيا. وأوضح وزير الثقافة والسياحة التركي أن العام الثقافي قطر- تركيا سوف يشهد جملة من الأنشطة التي تعبر عن الثقافة التركية، مؤكدا أن الجانب التركي سوف يقوم بدعم الأنشطة القطرية التي تعرض لديها لخروج هذه العام بصــورة مشـــرفة، وبما يسمح للشعب التركي التعرف على الثقافة القطرية.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية