شحاتة عوض لم تكن أزمة المحامي المصري أحمد الجيزاوي المعتقل في السعودية حاليا بتهمة محاولة تهريب أدوية مخدرة وما آثارته من غبار كثيف سوى القطرة التي أفاضت الكأس وأخرجت ميراثا ثقيلا من المرارة والشعور بالمهانة والرغبة في الإنتصار لكرامة المصريين المهدرة في المملكة وغيرها من البلدان العربية نتيجة تفريط النظام الساقط في حقوق شعبه في الداخل والخارج على حد سواء. ولم تكن هذه الأزمة لتصمد وحدها سببا في وصول العلاقات بين البلدين الشقيقين الى هذا المستوى غير المسبوق من التوتر لولا أن هناك بركانا من الغضب في صدور جموع المصريين إنفجر مرة واحدة في مظاهرات شعبية غاضبة أمام السفارة السعودية بالقاهرة تخللتها تصرفات فيها قدر من الإنفلات وعدم الإنضباط من جانب بعض المتظاهرين. لكن هذا السلوك المنفلت من بعض المتظاهرين الغاضبين لا يبدو كافيا لتبرير هذا السلوك الدبلوماسي الخشن والذي عكس قدرا من الإستعلاء والإنفعال من قبل السلطات السعودية وتمثل في قرار سحب السفير وإغلاق السفارة وقنصليات السعودية، في خطوة عكست رغبة في توجيه رسالة صارمة لكل الأطراف في مصر الثورة ولاسيما للقيادة الجديدة التي ستتولى حكم البلاد، بألا يفكروا في التمرد أو تجاوز القواعد التي حكمت العلاقات بين البلدين على مدى عقود من حكم مبارك. هذه الرسالة السعودية القاسية والتي لا تخلو من شبهة محاولة معاقبة المصريين لأنهم إنتفضوا ضد محاولات الإهانة والتقزيم، كشفت هشاشة هذه العلاقات التي توصف بأنها إستراتيجية.. فأي علاقات إستراتيجية تلك التي لا تصمد أمام أزمة يصفها الطرفان بأنها عابرة؟. وهذا ما يظهر أن هذه العلاقات قامت في اساسها على علاقة شخصية بين قيادتي البلدين بأكثر من كونها علاقات بين دول تحكمها أهداف مشتركة ومصالح متبادلة وهو ما إتضح في أول إختبار حقيقي تتعرض له هذه العلاقات بعد سقوط مبارك.
موقف الرياض في هذه الأزمة يظهر أن المسؤولين السعوديين لم يدركوا بعد أو ربما لا يريدون إدراك حجم التغيير الذي حدث في مصر بعد ثورة يناير وأنهم الآن أمام مصر جديدة كليا تسعى لصياغة علاقاتها مع الأخرين على اسس جديدة تقوم على الإحترام المتبادل والندية وعدم السماح بالتفريط في حقوق المصريين تحت أي ذريعة أو مبرر. ومن هنا فإن مثل هذه الخطوات العقابية ربما تؤثر على النظام الذي يحكم مصر الآن وهو إمتداد لنظام مبارك ولكنه لا يجدى نفعا مع الجيل الجديد الثائر في مصر والذي لن يرضى الضيم مرة إخرى. مصر تغيرت ولن تسمح بأهانة ابنائها، ومصر التي تغيرت هي الشعب الذي إستعاد كرامته وسيادته على قراره وليس المجلس العسكري وليس حكومة الجنزوري اللذين يشكلان إمتدادا طبيعيا لنظام مبارك وسياسته البائسة المخزية. إن مشاعر الغضب التي ظهرت في الشارع المصري خلال هذه الأزمة لم تكن فقط بسبب إهانة وإساءة معاملة المصريين في السعودية وإهدارحقوق العشرات منهم الذين يقبعون في سجون المملكة منذ سنوات دون محاكمة، لكنها كانت قبل ذلك وبعده تعبيرا عن شعور متزايد لدى قطاع كبيرمن المصريين بأن الإختلال في العلاقات بين البلدين وصل في عهد مبارك إلى درجة تحولت فيها مصر لأول مرة في تاريخها لدولة تسير في ركاب السعودية ووفق حساباتها وليس وفق حسابات الدولة المصرية. فعلى مدى سنوات حكمه شهدت العلاقات بين مصر والسعودية في عهد الرئيس المخلوع تطورا نوعيا وتنسيقا لافتا وتوافقا واضحا في المواقف بين البلدين حيال معظم إن لم يكن جميع ملفات المنطقة، وشكل البلدان مع سوريا حافظ الأسد المثلث الذي كان أهم مرتكزات النظام العربي في مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت وخروج العراق من معادلة القوى العربية الكبرى. وظل هذا المثلث حاكما لتفاعلات العلاقات في المنطقة وملفاتها، إلى أن خرجت سوريا بشار الأسد عقب إغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وما تلاه من قطيعة سعودية سورية بعد أن أشارت أصابع الإتهام السعودية الى دور لدمشق في إغتياله، ثم قطعية مماثلة مع مصر لا سيما بعد خطاب بشار الأسد الشهير إبان العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006 والذي تحدث فيه عن أنصاف الرجال وهو ما اعتبرته السعودية ومصر مساسا بقيادتيهما. منذ ذلك التاريخ شهدت العلاقات بين الرياض والقاهرة تحولا نوعيا جديدا فزاد التقارب والتنسيق بينهما، لكن كفة هذه العلاقات بدأت تميل بوضوح لصالح السعودية التي بدت الطرف الأقوى، بينما بدت مصر أكبر دولة عربية في كثير من المواقف متماهية مع مواقف السعودية. ولأن مبارك منذ تولى السلطة في مصر لم يكن يملك رؤية ولا خيالا ولا إدراكا لقيمة ومكانة البلد الذي يحكمه، فإن مثل هذا الإختلال في العلاقات لم يثر لديه أي قدر من الحساسية. وفي السنوات الأخيرة من عمر النظام والتي شهدت تكريس كل مقدرات الدولة المصرية لتمرير سيناريو التوريث، زادت حالة الإنكشاف والخلل في علاقات القاهرة بالرياض بصورة ولدت شعورا بالمهانة وجرح الكبرياء الوطني لدى قطاع وافر من المصريين، فاقم من هذا الشعور سكوت نظام مبارك عن الكثير من الإهانات والمعاملة غير المحترمة التي يلقاها المصريون في السعودية وغيرها من دول الخليج.
وبدا مبارك مستعدا للتغاضي عن كثير من مثل هذه الممارسات في سبيل الحفاظ على علاقاته مع الاستراتيجية مع السعودية. لكن ثورة يناير التي أطاحت بمبارك كان أهم شعارتها المدوية’ إرفع رأسك فوق إنت مصرى’ وهذا شعار لا يحمل اي شوفينية او عنصرية، بل كان تعبيرا صارخا عن شعور المصريين العميق بالإهانة التي تعرضوا لها على يد مبارك ونظامه في داخل الوطن وخارجه. ليس هذا فحسب بل إن الثورة كانت في أحد أهم تجلياتها إحتجاجا على تراجع مكانة مصر في العالم العربي ورغبة في إستعادة هذه المكانة من خلال تصحيح الخلل الفاضح في علاقاتها العريبة سواء مع السعودية أوغيرها. في هذا الإطار يمكن القول إن أحد أسباب الأزمة الإخيرة بين القاهرة والرياض هو الشعور بأن السعودية ودولا خليجية أخرى إتخذت منذ البداية موقفا معاديا للثورة وهذا أمر تدعمه مواقف كثيرة، فالجميع يذكر المحاولات والضغوط الكبيرة التي مارستها السعودية لمساعدة مبارك ونظامه وهي محاولات وصلت لحد أن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز وفي مكالمة هاتفية غاضبة مع الرئيس الامريكي باراك اوباما أكد إستعداد السعودية لتعويض مصرمبارك عن المساعدات الامريكية في حال قررت واشنطن وقف هذه المساعدات لإجباره على التخلي عن السلطة. كما أن السعودية فتحت أحد منابرها الاعلامية وهي قناة العربية لمبارك للدفاع عن نفسه في خطوة أثارت مشاعر غضب عارمة لدى الشعب المصري. ثم جاء تردد السعودية وغيرها من دول الخليج عن تقديم الدعم الاقتصادي لمصر الثورة لمواجهة الظروف الصعبة التي تمر بها حاليا، في الوقت الذي تدفقت فيه أموال خليجية طائلة على تيارات سياسية بعنيها والمقصود هنا هي التيارات السلفية، لتدعيم موقفها وللتأثير على خريطة القوى السياسية في مصر. كل هذه المواقف ولدت شعورا متزايدا لدى المصريين بان السعودية لا تريد لمصر أن تنهض وتسعيد عافيتها من جديد.
ومع ذلك فإن الأزمة الحالية وإن كانت خلفت سحب دخان في سماء العلاقات المصرية السعودية، فإنها في المقابل، تشكل فرصة ثمينة للجانبين لفتح كل الملفات العالقة والجروح القديمة ومحاولة تطهيرها وليس التغطية عليها كما يحاول البعض الآن عبر المجاملات، لأن ما فيها من صديد وقيح يمكن أن يسمم هذه العلاقات بشكل كامل. وأخطر هذه الجروح هي أوضاع المصريين وحقوقهم في السعودية. إن المدخل الصحيح لأقامة علاقات إستراتجية حقيقية بين هذين البلدين الكبيرين في العالم العربي هو أن تستند لشبكة من المصالح والاهداف المشتركة والأهم من ذلك كله هو أن تقوم على الندية والإحترام والإدراك المتبادلين لقيمة وأهمية كل طرف بالنسبة للطرف الأخر.
لكن أهم شروط تحقيق ذلك هو أن وضع أسس وقواعد جديدة لهذه العلاقات تراعي المتغيرات الكثيرة التي جرت في مصر بشكل خاص وعلى رأسها أن الشعب صار طرفا في المعادلة السياسية.*كاتب مصري