هذا العام أتيح لي أن أشارك في هذه الدورة من معرض جدة للكتاب، في المملكة العربية السعودية، والتي جرت في شهر كانون الأول (ديسمبر)، وأظنها الخامسة، وتبدو حتى أنضج من كونها خامسة أو حتى عاشرة، لأن تنظيم المعرض كان مدهشا. مسارح الفعاليات مضيئة ومنتعشة، وفيها حضور كثير، على عكس معارض كتب عديدة شهدتها من قبل، في بلاد أخرى، لم يكن مرتادو الفعاليات فيها بهذه الكثافة. كما أن الحوار بين الكاتب والجمهور كان تلقائيا بلا مشاكل ولا منغصات، ولم يكن في الندوة التي أقيمت لي مع زميلي الروائي السعودي إبراهيم الخضير، أي اشتباك مع قارئ، وكان كل من حضر، يود أن يستمع ويناقش في هدوء، وربما التقط صورة مع الكاتب، أو أحضر كتابا من كتبه للتوقيع عليه من الكاتب.
ولطالما أحب الناس التقاط الصور التذكارية مع كل شخص قدم شيئا، من وجهة نظر من جاء يلتقط الصور معه، كما أن التوقيع على الكتب إما رسميا في منصة معينة، ينشئها المعرض لهذا الهدف، ويتم الحجز فيها طوال أيام المعرض، أو عشوائيا حين تلتقي المؤلف في ممرات المعرض، وتضع الكتاب في يده ليوقع، أضحى من سمات المعارض، وجزءا من تقاليدها الراسخة.
أيضا لا ينسى الكتاب الشباب أو الذين في أول الدرب، حتى لو كانوا كبروا في السن، وبدأو الكتابة متأخرين، أن يحضروا إصداراتهم، يغرسونها في يد الكاتب الراسخ على أمل أن يطلع عليها، ودائما هناك من يمسك بهاتف ما، مستعدا لالتقاط الصور، التي ستنشر في ما بعد.
هذه التقاليد بالضبط كانت في معرض جدة، خضتها كلها وابتهجت بها، وتمنيت أن تطول إقامتي وإقامة المعرض، لمزيد من الصحبة الطيبة، واللقاء برفاق الدرب، ومتعة التعرف إلى أجيال الكتابة الجديدة وآرائهم في ما قرأوه لي أو لغيري.
ندوتي مع إبراهيم الخضير، كانت بعنوان «عمر مع الرواية»، وبالطبع كلانا أنفق عمرا في هذا المضمار، وشخصيا لا أعرف كيف انقضى ذلك العمر أصلا؟ وهل كان بالإمكان إنفاقه في نشاط آخر؟ أو على الأقل اختصار ضياعه إلى أقل كثيرا من ذلك؟
وفي الندوة التي أدارها الصديق سالم عريجة باقتدار الملم بما كتبناه، كانت ثمة أسئلة كثيرة، بعضها تسهل الإجابة عليه، وبعضها صعب فعلا، فالكاتب أو الشاعر عموما، يجد نفسه في طريق الإبداع، ولا يعرف حقيقة كيف اكتشف نفسه، أي حين تكتب قصيدة أولى، لا تعرف لماذا كتبتها، ولماذا أصبحت قصيدة؟ وقد يبدو لك الأمر خارقا، وغير مألوف وتسرع بما فعلته إلى من تثق به، لتعرض عليه الأمر، وترى ماذا يقول لك.
أنا كنت طالبا صغيرا حين نظمت قصيدة غنائية بعامية بلادي، وقد جاءت فجأة حين كنت على دراجتي، عائدا من المدرسة المتوسطة، وكنا في مدينة الأبيض، غرب السودان، كنت أتغنى بأغنية لمغنينا الراحل زيدان إبراهيم. ثم نسيت الكلمات، فأكملتها بكلمات من خيالي، أربكتني، ثم أعجبتني، ثم وقفت على جانب الطريق، دونت ما كتبته على ظهر أحد دفاتري حتى لا يضيع، وفي البيت أتيت بدفتر جديد، كتبت فيه الأغنية كاملة. في اليوم الثاني كانت ثمة أغنية جديدة، كلها من ذهني، وليست تكملة لأغنية نسيت كلماتها، في اليوم الثالث وما تلا ذلك، كان ثمة شاعر رسخ في، وانطلقت المسيرة، لتنتهي بتجربة الرواية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
هذا السؤال الذي بينت إجابته الآن طرح، لكني لم أجب عليه باستفاضة، لأن لا وقت للاستفاضة، فقط بينت متعة الاكتشاف، حين تكتشف أنك مختلف، حتى لو كان اختلافا يرضيك وحدك، ويرفع من المعنويات.
سؤال آخر عن طريقة الكتابة، ومن أين تأتي الأفكار، وهذا سؤال سهل ويتم طرحه باستمرار، وأنا أعتقد أن أهم مدلولات طرحه هو الرغبة العظيمة لدى الأجيال الجديدة من الكتاب، في التعرف على طرق من سبقوهم، ومقارنتها بطرقهم، ومحاولة اكتشاف إن كانوا في الطريق الصحيح أم لا؟
أنا لدي رأي في هذا الأمر، وهو أنك لن تعرف أبدا إن كنت في الطريق الصحيح أو الخطأ، فأنت لا تتعلم في مدرسة، ولا تدرس الرياضيات، أو الفيزياء، لتصل إلى نتائج علمية، إنها كتابة إبداعية، قد تعجب الآخرين وقد لا تعجبهم.
وحين كنت أعمل مع الشباب في ورش الكتابة، كنت أقول ذلك، الورش تعطي كيفية التعامل مع النص، كيف تبدأ، كيف تصيغ الجمل، وكيف تنشئ حواراتك مع الشخوص، وكيف تتقمص أولئك الشخوص وتصل إلى المصير الذي يصلونه، أو تصل قبلهم وتجرهم إليه. لكنها لن تخبرك صراحة إن كان طريقك الذي تسير فيه هو الصحيح أم لا؟
وفي أيامنا تلك حين بدأنا الكتابة، لم يكن ثمة ضوء أصلا تستدل به، ولا أحد من المبدعين السابقين، يملك صبرا يشد به مبدع جديد، ليضع قدمه في أول الطريق، الذي كما قلت سيصبح طريقه وحده. لكن بالمقابل كتبنا وتعلمنا من تجارب الآخرين ومضى العمر مع الرواية.
معرض جدة وغيره من الأنشطة الكبيرة هي بلا شك جزء من التحديث العظيم في المملكة العربية السعودية، التي أصبحت دولة عصرية بكل المقاييس، تهتم بالآداب والفنون، ورقي الإنسان أسوة بدول المنطقة. وصراحة كان هذا المعرض الذي حضرته، والتقيت فيه بكثيرين كما قلت، واقتنيت الكثير من الكتب المعروضة فيه، عنوانا من عناوين الحداثة، خاصة أن المسؤول عن تلك النشاطات روائي موهوب وناجح، وحاصل على جائزة مرموقة، الروائي محمد حسن علوان، وقد كان حاضرا دائما، ومتابعا عنيدا لنشاط المعرض.
*كاتب من السودان