د. كمال الهلباوي هناك ثوريون يُحمّلون الثورة، ويضعون على عاتقها أكثر مما تطيق، وهم بذلك يخالفون بعض المبادئ الاستراتيجية المهمة في التغيير، ومنها ضرورة الحفاظ على التوازن بين القدرات والامكانات من ناحية، وبين الأعباء والمسؤوليات والواجبات من ناحية أخرى. هب مثلاً أن رجلاً بطلاً قوياً، يستطيع أن يحمل مائة كيلو جرام من الحديد أو أي مادة أخرى، ثم أقنعه إخوانه وأهله المقربون أنه يستطيع أن يرفع أو أن يحمل طناً من الحديد أو سيارة مثلاً. فماذا سيحدث لهذا الرجل البطل القوي، إذا تجاوزت آماله وطموحاته- تجاوزت- قدراته وامكاناته ومهما كان مركزه الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.
هذا النظام أو القانون ينطبق على الشعوب والجماعات والقبائل والعشائر والدول، كما ينطبق على الأفراد سواءاً بسواء. ولذلك فإننا رأينا هتلر صاحب القوة العظيمة أثناء الحرب العالمية الثانية، يتجرع كأس الهزيمة ويتلو ذلك الانتحار كما يشاع. ورأينا الاتحاد السوفياتي يتفتت ويسقط طوبة طوبة. ولقد لمسنا ذلك بأنفسنا وبأم أعيننا في أفغانستان، بل تعدى ذلك الأمر إلى تفتيت حلف وارسو بأكمله. كل ذلك بسبب فقدان التوازن أو عدم مراعاة التوازن بين القدرات والامكانات وبين الآمال والطموحات. هذا صحيح ولا يتناقض مع قول الشاعر: وإذا كانت النفــــوس كباراً تعبت في مرادها الأجسامولكن النفوس الكبيرة تطمح إلى آمال يمكن تحقيقها بالقدرات المتاحة والامكانات المتوفرة. وأهل الهمم العالية لا يفرطون فيما يمكن تحصيله. وكما يقول إبن الجوزي ‘ينبغي لمن كان له همة أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس… ثم يقول: ولو كانت النبوة تنال بالإجتهاد لعد المرء مقصراً إذا قنع بالولاية’. وهذا قول صحيح و يدل على ضرورة العمل الصحيح ‘وقل إعملوا’. ولكن ذلك يجب أن يكون في إطار الحسابات الصحيحة والخطة الدقيقة والاعتبار الكريم، حتى لا يتجاوز الانسان الفرد، ولا تتجاوز الدول ولا الجماعات ولا القبائل والعشائر حدود العقل والمنطق فضلاً عن الشرع.
ولقد رأيت أن من واجبي أن أشرح- في ضوء فهمي للأوضاع في مصر- خطر تحميل الثورة أكثرمما تطيق، أو أن نضع على عاتقها أكثر مما تحتمل، أو أن نفرط في نتائجها العظيمة، وأهمها الحريات دون أن تصل إلى حالة الفوضى. وفي مقدمة الواجبات، ضرورة التطهير الذي يجب أن يبدأ بالعزل السياسي. أرى مجموعات و فرقاً وأناساً يلجأون إلى التظاهر- بإعتباره أهم تفاعلات الثورة- عندما تتعثر مشروعاتهم أو يفشلون في التفاهم مع القوى الأخرى وخاصة المجلس العسكري. وأرى ثواراً كان لهم مطالب شخصية فلما تحققت تلك المطالب أو معظمها إختفوا من الميدان. ورأيت ثواراً كانوا يربطون أذرعهم أو أرجلهم أثناء التظاهر والاعتصامات على اعتبار أنهم من مصابي الثورة، فلما تحققت مطالبهم أو أهمها عن طريق رجال أعمال أو هيئات إغاثة أو هيئات خيرية بإيحاء أو بدون إيحاء، فكوا الأربطة وشفيت الأذرع والأرجل دون علاج طبي، ولكنهم هربوا من الميدان أو تركوه رغبة أو رهبة، وأرى بلطجية في الميدان بل وفي كل مكان ونحمد الله تعالى أننا لسنا في مكانهم، ولكن جموع الثوار كانوا شرفاء وضحوا تضحيات عزيزة في حب هذا الوطن وكراهية في الفساد وأهله وفي مقدمتهم رئيس النظام البائد.
وقد نتجت أحداث كثيرة وخطيرة عن إهمال السير في الطريق الثوري الصحيح أو التركيز على المسار الديموقراطي فقط دون المسار الثوري ودون التوازن المطلوب. كما وقعت أحداث أخرى مؤسفة طالت بعض أعز وأجمل من ينتمون إلى الثورة، ومنها أحداث العباسية التي وقعت مؤخراً في وقت لا تزال فيه القوى الثورية تنتظر تكريم الشهداء، وإكمال علاج المصابين الذين تحولوا إلى شحاتين يستجدون الناس وأهل الخير، وينتظرون نتائج المحاكمات في أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد وتهريب الأمريكان وهي أحداث تثقل الكاهل ولا تحل المشكلة وإن اعتبرها بعضهم جهاداً. إن قراءة سريعة في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعض أعضاء المجلس العسكري يوم الخميس 2 مايو، توضح لنا بعض الإيجابيات التي تمثلت في التأكيد على أن عدم استخدام العنف ضد الشعب هو عقيدة ثابتة لدى القوات المسلحة، وكذلك نرى إيجابية أخرى في سياسة التوافق بشأن الدستور الجديد، وفي نفس الوقت نرى تخبطاً واضحاً في الاصرار على صلاحية المادة 28 من الإعلان الدستوري لأنها من المواد التي تم الاستفتاء عليها، رغم أنها مادة معيبة. والرجوع إلى الحق والصواب أفضل من التمادي في الخطأ، حتى لو تم استفتاء الشعب على هذه المادة. ورغم أن المادة 60 من الإعلان الدستوري خدعت مجلس الشعب عند إختيار أو إنتخاب اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، وأوجدت خللاً حتى في موضوع إنتخاب الرئيس الذي كان ينبغي معرفة إختصاصاته وسلطاته وواجباته قبل أن يتبوأ منصبه ويقوم بمهام الرئاسة، إلا أن المجلس العسكري يصر على إجراء الانتخابات في ضوء هذه المواد المعيبة والفضفاضة في لغتها.
هناك موضوع مهم آخر، وهو اللجان المختصة المنبثقة عن لجنة المائة الشعبية المستقلة التي قدمت تقريرها النهائي إلى لجنة المائة يوم 1/5/2012 حول نتائج مشروع الفريق الرئاسي الذي تسعى اللجان إلى إنجاحه والتوفيق بين المرشحين الذي ينتمون إلى الثورة والروح الثورية. وإتضح من التقرير النهائي أن التوافق أو التضحية العزيزة حتى في ضوء وضوح المصلحة أمر يكاد يكون مستحيلاً.
لقد سعت لجنة المائة أو ما يسمى بلجنة إختيار الفريق الرئاسي إلى تكوين فريق رئاسي يتكون من رئيس ونائبين من المرشحين الذين ينتمون إلى الثورة، وذلك من أجل قطع الطريق على مرشحي الثورة المضادة، ولم تتمكن اللجنة المختصة والتي تضم عدداً كبيراً من رموز الحركة الوطنية والثورية المصرية من تحقيق الغاية من تشكيلها. ورغم كثرة تحليلاتها ودراساتها وإجتماعاتها وإتصالاتها بالمرشحين، لكن تلك اللجنة مع هذه النتيجة السلبية إستطاعت أن تصل إلى نتيجة أساسية إيجابية تتمثل في دعم مرشح واحد إذا وصل ذلك المرشح الثوري إلى مرتبة الإعادة مع غيره من المحسوبين على الثورة المضادة. كما استطاعت اللجنة أن تحظى بثقة أهم إتحادات وإئتلافات ومجالس الثورة وإضطلعت اللجنة ضمن مهامها المستقبلية بمهمة تشكيل قيادة للثورة لكي تملأ الفراغ الناتج عن إهمال هذه المهمة بعد نجاح الثورة وتسليم زمام الأمر بالكامل بما في ذلك صناعة القرار إلى المجلس العسكري في ضوء الشعار الجميل: الشعب والجيش إيد واحدة.
وكانت لجنة المائة أو إختيار الفريق الرئاسي قد حددت مجموعة من المعايير يجب أن تتوافر فيمن تدعمه اللجنة، ومنها القبول الشعبي العام وتبني مطالب الثورة والاستعصاء على الاستقطاب والتاريخ النضالي المشرف ضد الظلم والفساد والديكتاتورية فضلاً عن الحفاظ على الثوابت الوطنية.
الوضع في مصر يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم كلما إقتربت إنتخابات الرئاسة. فهناك أزمة مستفحلة بين مجلس الشعب الذي علّق جلساته وبين الحكومة التي يؤكد رئيسها مراراً وتكراراً أنهم مستمرون في الحكم، ولا يحق في ظن رئيس الحكومة لمجلس الشعب أن يسحب الثقة من مجلس الوزراء. وفي نفس الوقت يؤكد رئيس مجلس الشعب أن وزارة الجنزوري لن تستمر. وقد جمد المرشحون للرئاسة المحسوبون على التيار الثوري حملاتهم الانتخابية، وفي نفس الوقت تمت إحالة المرشحين الأساسيين – أبو الفتوح ومرسي وموسى – إلى النيابة العامة بتهم خرق حظر الدعاية الانتخابية.
لا أحد يدري ماذا يحدث؟ الاحتمالات المستقبلية معقدة ولكن اللاعب الأساسي فيها هو المجلس العسكري الذي يعلن ويؤكد إقامة الانتخابات في موعدها بل وتسليم السلطة يوم 24 مايو أي في اليوم التالي بعد الجولة الأولى إذا فاز أي من المرشحين بالرئاسة في تلك الانتخابات. وقد لخص أحد الأساتذة الأكارم الموقف قائلاً في لقاء لجنة المائة لاختيار الفريق الرئاسي: إن الشعب يبحث عن الخبز، والنخبة تبحث عن السلطة. وهو قول سليم إلى حد بعيد.
والله الموفق’ مستشار مركز دراسة الحضارات في لندن