عيد الميلاد في بلد المسيح “أيام زمان”.. بين ذكريات لاجئة من يافا وصور المتحف الفلسطيني- (فيديو)

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله/ “القدس العربي”:

من مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان تتذكر الفلسطينية ليندا طاس (86 عاما) ابنة مدينة يافا تفاصيل احتفالات عيد الميلاد في يافا وبيت لحم قبل احتلال فلسطين، تتذكر وتضحك كطفل صغير.

وفي شريط فيلمي قصير أنتجته منصة “كامبجي” المتخصصة بأحوال الفلسطينيين اللاجئين في لبنان تعود اللاجئة طاس بذاكرتها لتمنح الفلسطيني اليوم صورة كبيرة عن طبيعة الحياة قبل النكبة وتجربة اللجوء وتحديدا في جزئية الاحتفال بأعياد الميلاد.

وتشهد احتفالات الميلاد في المدن الفلسطينية الرئيسية وكذلك القرى المختلفة التي تشهد حضورا مسيحيا أكبر حالة من الاحتفال بالأعياد الميلادية المسيحية في بلد ارتبط اسمها بميلاد المسيح عليه السلام.

وغالبا ما يتجمع آلاف الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين في المناطق الرئيسة في القدس وبيت لحم لمشاهدة فعاليات الاحتفال التي تستعد لها مدينة مثل بيت لحم أيما استعداد.

بدورها تستعيد الفلسطينية اليافاوية طاس التي قضت أغلب سنوات عمرها في مخيمات اللجوء المشهد وتقول: “كان هناك جنينة (ساحة كبيرة) حول الكنيسة يتجمع فيها من حضر الاحتفالات” وتقصد الساحة جوار كنيسة المهد في بيت لحم.

وتؤكد طاس: “كنا نحشي دجاجا، وكوسا وورق عريش (ورق عنب)، وكذلك الرز المفلفل المغطى بالصنوبر واللوز واللبن”.

https://www.facebook.com/watch/?v=4958242617528642

وتتابع حديثها في إشارة إلى طبيعة الحال الميسورة: “كان هناك أكل مشكل، أكل بيتي بحيث تأخذه معها كل عائلة من يافا في طريقها إلى بيت لحم، كانت تأتي السيارات لنقلنا، كنا نخرج معا بعد أن نضع الطعام بالسيارة وننطلق بشكل جماعي”.

وعن أسرتها تقول إنها مكونة من خمس فتيات وثلاثة صبيان، إضافة إلى الأب والأم، “كنا نطلع من يافا يوم العيد على بيت لحم”.

وتصف العالم في فترة ما قبل النكبة الذي كان يشارك في الاحتفالات بأنه عالم “زي النمل” في دلالة على عدد المحتفلين الكبير نسبيا لكن الأرقام اليوم لأعداد المسيحيين في فلسطين المحتلة تعتبر مخيبة للآمال حيث تعاني من تناقص مستمر لوجود عوامل طاردة للوجود المسيحي في بلد المسيح.

وتضيف أنه بعد الصلاة ومراسم الاحتفالات كان يذهب الجميع خارج الكنيسة في ساحة “جنينة/ حديثة” مخصصة لوضع الأكل الذي يكون من نصيب جميع الحاضرين.

وتقول: “كنا نأكل يد واحدة، مسلم مسيحي درزي يهودي، أي والله أربع أجناس”.

وبعد الطعام الدسم كان هناك بحسب طاس مساحة للقهوة والحلوى والدخان.

وتصف الحياة قبل النكبة وواقع الاحتفالات في الأعياد الميلادية “إنها أحلى حياة هناك” (أي فلسطين قبل النكبة).

وتصف الحياة وواقعها بأنها كلها تزاور واحتفال وطعام وعيديات حيث كان يخصص العيدية المادية للفتيات كي يشترين ما يردن، أما الفتية الذكور فكانت الهدايا على شكل “بسكليت” غالبا.

وتتذكر أجواء العائلة في العيد فتتذكر قائلة: “كانت الهدايا تعلق على الشجرة البسيطة فيما يتعارك الأطفال على من يحوز على أجملها وأثمنها”.

وخلال فعل التذكر لا تمل المسيحية التي تعيش في لبنان بعد أن هجرها الاحتلال عام 1948 من الضحك والابتسام حيث طبع عيد الميلاد في تلك الفترة في مخيلتها بأبهى صورة حيث البهجة والفرح والمكان المقدس الذي كان بإمكان كل الفلسطينيين المشاركة به بدون حواجز أو أوامر احتلالية كما هو الحال اليوم.

ويعاني مسيحيو قطاع غزة على سبيل المثال لا الحصر من حرمان زيارة كنيسة المهد في بيت لحم في عيد الميلاد، حيث منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مطلع الشهر الحالي، إصدار تصاريح خروج لقرابة 200 مسيحي يقيمون داخل غزة، للوصول إلى الأماكن المقدسة في مدينة القدس وبيت لحم للمشاركة باحتفالات أعياد الميلاد وإقامة الشعائر الدينية.

وهو ما ولد حالة غضب من تجاهل إسرائيل لطلبات المواطنين المسيحيين، الذين يرغبون بالاحتفال ولقاء أقاربهم وأصدقائهم.

وتعتبر مدينة بيت لحم في فلسطين، من أقدس المواقع المسيحية في العالم كونها المدينة التي فيها وُلِدَ يسوع المسيح، وبسبب قدسية مدينة بيت لحم لدى العالم المسيحي.

ويحفل الفيديو الخاص بليندا طاس المسيحية التي تتذكر طفولتها في الاحتفال بأعياد الميلاد في بيت لحم والقدس بعد أن بلغت من العمر 86 عاما حيث يعتبر عمرها أطول من عمر دولة الاحتلال، بتذكر “أحلى حياة” حيث الوحدة الوطنية “مسلم مسيحي يهودي درزي كنا نأكل مع بعض” كما تقول ليندا.

ويعتبر هذا النوع من الاستعادة بالأمر المؤلم رغم بقاء الأمل بالعودة للوطن الكبير، أي فلسطين التاريخية وهو ما يجعل من طاس تتذكر حياة الماضي وكأنها حياة الجنة.

ويوم أمس (الأحد) قدم رئيس الوزراء محمد اشتية، التهاني للمسيحيين بمناسبة عيد الميلاد المجيد، في كنيسة سيدة البشارة للروم الكاثوليك بمدينة رام الله.

وقال رئيس الوزراء: “كان في كنيسة المهد يوم أمس أكثر من 2500 من كل جنسيات العالم، وهذا الأمر أسعدنا كثيرا، فمدينة بيت لحم دخلها في عام 2022 أكثر من 750 ألف سائح، وكان دخلها في عام 2019، 3 مليون سائح على مدار العام، وبالتالي نحن في طريق التعافي من جائحة كورونا، والحجاج المسيحيون عادوا للتوافد على مدينة الميلاد بيت لحم وعلى فلسطين”.

ورغم الرقم الذي تفاخرت به وزيرة السياحة الفلسطينية رولا معايعة إلا أن المسيحية ليندا طاس التي تعتبر “على حافة قبرها” ممنوعة من القدوم إلى فلسطين واستعادة ما كانت تمارسه عائلتها من طقوس قبل أكثر من 70 عاما.

وأضاف اشتيه: “نحتفل في هذه الأيام المجيدة بمولد سيدنا المسيح عليه السلام بحضور هذه الكوكبة من اخواني رجال الدين المسلمين والمسيحيين ورئيس البلدية والهيئات الأمنية والمدنية، جئنا لنقول لكم وحدة هذا الشعب تتجسد تحت هذا السقف مثلما تتجسد تحت كل السقوف، شعبنا يقف موحدا في مواجهة الاحتلال، وموحدا من أجل الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس”.

وقال اشتية: “أتمنى على اخواني المحتفلين في هذا اليوم المجيد، أن نبقى جميعا متمسكين بالأرض، فهذه الأرض لنا وسنبقى حُماتها، وأن نبقى هنا صامدين، لأن بالنسبة لنا شعبنا بمركبه الديني الوطني هو ما يميز فلسطين وما يميز بيت لحم، ويجب أن يبقى رمزا متمسكين به بكل ما نستطيع، يزيد عددنا فلسطينيا ديمغرافيا، نواجه جغرافيا على الأرض وفي الإنسان والرواية والمال، وبكل ما نستطيع، نحن شعب يجمعنا الفرح والمعاناة والألم والقدس وبيت لحم والوحدة الوطنية وفلسطين، يوحدنا الوطن ولا يفرقنا الدين وستبقى فلسطين قبلة كل الفلسطينيين وبيت لحم قبلة المسيحين، والقدس قبلة المسلمين الأولى والمسيحيين”.

أرشيف المتحف

المتحف الفلسطيني بدوره نشر قائمة من مُختارات من أرشيفه الرّقمي على شكل صور تعود لفترات زمنية بعيدة وتعكس طبيعة الاحتفالات بعيدِ الميلادِ المجيدِ ورأسِ السّنةِ الميلاديّةِ.

إحدى الصور تظهر احتفال رأس السّنة الميلاديّة في مدينة النّاصرة وهي من مجموعة توفيق زيّاد التي أرشفها المتحف، وتظهر سيارة من نوع فولكسفاجن بيضاء فيما عليها سماعات قديمة وبابا نويل ويافطة كتب عليها تهنئة بسيطة وفقيرة للعيد تتناسب مع إمكانيات الزمن الماضي.

وفي صورة ثالثة تظهر شقيقاتٌ يقفنَ بجانب شجرة الميلاد، وهي صورة مستمدة من مجموعة عبلة طوباسي عام 1955.

جانب من الصور تناول احتفالات عيدِ الميلادِ في بيت لحم، وذلك عام 1957. والصورة مستمدة من مجموعةُ محمّد سالم ذويب. كما تضمنت صور أخرى بطاقة بريديّة تحوي رسالةً وصلت موسى العلمي بمناسبة أعياد الميلاد، وهي من مجموعة جمعيّة المشروع الإنشائي العربي.

وفي جانب آخر من الصور تظهر طفلاتٌ يحملنَ دُمَاهنَّ في البيتِ الإنجيلي للبنات في رام الله خلال أعياد الميلاد، خلال الفترة ما بين 1954- 1956. أما بطاقةٌ بريديّة ثانية فتحملُ رسالة مُعايدة بمناسبة عيد الميلاد المجيد، 24 كانون الأوّل 1961. وهي من مجموعة سريّة رام الله الأولى.

ليست مجرد صور

وبحسب الصحفي الفلسطيني المقيم في لبنان أيهم السهلي فإن الصور التي نشرها المتحف الفلسطيني في ذكرى الميلاد، لا تبدو مجرد صور معبرة عن ذاكرة معينة لحدث معيّن.

ويضيف: “من وجهة نظري فإن للصور التي تتعلق بالتاريخ الفلسطيني، أهمية مضاعفة لأننا شعب نتعرض لعملية إبادة لم تتوقف مع الزمن، مع اتخاذها أشكالاً عدة مع الوقت، ولعل من نافل القول، التأكيد أنه لا يمكن لمستعمر أن ينجح بالإبادة الكاملة لشعب، إلا في حال تمكن من شطب ذاكرته، وكل ما يجعلها قابلة للحياة، كالصور على سبيل المثال لا الحصر”.

ويضيف السهلي الذي يعمل مساعد باحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية: إن هذه الصور وغيرها الموجودة لدى المتحف الفلسطيني ومؤسسة الدراسات الفلسطينية وجامعة بيرزيت وباقي المؤسسات الفلسطينية التي تعمل على جمع الصور وأرشفتها، تكمن أهميتها، بأن فيها حياة من حيوات الفلسطينيين ووجودهم القديم والحديث، وها هنا أتذكر صورة السيدة ميشلين عواد في انتفاضة الحجارة، التي التقطها المصور المعروف ألفرد يعقوب زاده، وهي ترمي الجنود بحجر، اشتهرت الصورة وظلت صاحبتها مجهولة، كانت خارجة من الكنيسة، والتقت بجمع من الشبان يرشقون جنود الاحتلال بالحجارة، فشاركت في تلك اللحظة؛ تلك الصورة وثيقة اليوم على فعل نضالي للشعب الفلسطيني بأسره، كما أنها وثيقة لمشاعر الفلسطينيين وفعلهم النضالي في لحظة معينة، ذكرتها عواد في أكثر من مقابلة بعد أن تم التعرف عليها.

وبرأي السهلي فإن أهمية الصور تتضاعف لدينا نحن الفلسطينيين، فهي واحدة من الشهود على وجودنا وحياتنا، وشكل هذه الحياة، ولعل من الأهمية بمكان، عدم الاكتفاء بنشر الصور، ووضع تعليقات عنها، بل البحث في تاريخ الأشخاص في الصورة، ووضع قاعدة بيانات عن المراحل والسنوات والأيام التي التقطت فيها الصور، والبحث عن مصائر الأشخاص في تلك الصور، وكذلك أحوال المصورين بعد تلك السنين.

ويختم: “ولعل من حسن الحظ أن المصور الفلسطيني يوسف قطب (مصور فلسطيني شهير شارك بالثورة الفلسطينية وعمل بالتصوير الفوتوغرافي)، ينشر صوره على صفحته في “فيسبوك”، فعدا عن أنه يعيد المتابعين إلى تلك اللحظات التاريخية التي التقط فيها صوره، يعرّفنا بشكل ما، على تاريخه الشخصي، وتاريخه الحالي، ولا سيما بتعليقاته وتفاعله شبه اليومي”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية