باسكال كينيار
خُصص المجلد التاسع من المملكة الأخيرة لباسكال كينيار «الموت من التفكير» للفكر. وهكذا يصل باسكال كينيار إلى قلب بحثه، كتابا بعد كتاب، تسعى المملكة الأخيرة لتجربة طريقة أخرى في التفكير. طريقة تفكير لا علاقة لها بالفلسفة. طريقة للتركيز على الحرف، على تجزئة اللغة المكتوبة، والمضي قدما عن طريق تحطيم صور الأحلام، وتشويش الأشكال اللفظية، والكشف عن نصوص المصادر. يستكشف هذا الكتاب ثلاثة أشياء. كيف يلمس الفكر والموت بعضهما بعضا؟ كيف أن الفكر قريب من الكآبة؟ كيف يقيم الفكر بجوار الصدمة؟ من يفكر «يعوض» عن هجر قديم جدا؟ ما يجعل قعر الفكر هو الأم المفقودة.
فكما أن الحلم هو معنى تستشعر صوره المضطربة والمكثفة والمتناقضة شيئا يستبق النوم ويعود إليها، كذلك فإن الفكر هو المعنى الذي يستخدم كلمات مكتوبة، ومنسوخة، ومترجمة، ومقشرة، ومشتقة، ومحددة، تجسم روابط بين الصور الظلية المتناثرة حيث ضعنا في ما مضى.
٭ ٭ ٭
يقف ملك الفريزيين على حافة الحوض كما يقف مالك الحزين على حافة بركة. Intinctum pedem retrahens…
لكن الملك رشورد، عوضا عن غطس القدم الأخرى في الماء البارد، يسحب القدم اليمنى التي كان قد بدأ يبتلعها الماء هناك؛ ينسحب من المجموعة المحيطة. ينكفئ على نفسه في ذاكرته مستحضرا أسلافه اسما اسما، كل الموتى المنحدرين من سلالته. كان يفكر: «أن التنشئة الاجتماعية للصغار الذين يولدون ويتعلمون لغة الآباء من شفاه الأمهات الباقيات على قيد الحياة هي أكثر حيوية من تفكير الذوات التي تشيخ، منفصلة عن الآخرين حذرة من كل شيء ومن الناس».
الفصل الثاني
يمكننا أن نموت من التفكير (1)
كان أويستراخ وستيرن صديقين حقيقين. دامت هذه الصداقة عشرين عاما دون أن تبلى. وحده الموت الذي لا ينجز شيئا، هو الذي وضع حدا لها. كانت آخر مرة التقيا ببعضهما بعضا في لندن، سنة 1974. لم يكن سن أويستراخ حينها سوى ستين سنة، لكنه كان يبدو في عين ستيرن قد انهكته السنون كليا. زاد وزنه كثيرا. (كان سيموت بعد ثلاثة أشهر.) أخذ إسحاق ستيرن يد صديقه قائلا:
ـ أنت متعب دافيد.
ـ نعم أنا كذلك
ـ اهجر بلدك. وتعال لترتاح هنا.
ـ لا يمكنني القيام بذلك، إسحاق. لن يتركوا زوجتي وأبنائي يهاجرون معي.
ـ إذن عليك أن تقلل من ساعات عملك.
ـ لا يمكنني فعل ذلك. إذا توقفت عن اللعب، أفكر. وإذا بدأت أفكر، سأموت.
الفصل الثالث
يمكننا أن نموت من التفكير (2)
لم يتعرف أحد على أوليس في ثيابه الرثة ما عدا كلبه أرغوس. كتب هوميروس منذ 2800 سنة، في الأوديسة الجزء السابع عشر، البيت 103: Enoèn Odyssea eggus eonta. ، والترجمة الحرفية هي : فكّر في «أوليس» وهو يرى إلى هذا الرجل الذي يتقدم أمامه. إن المشهد مؤثر جدا لأنه لا رجل ولا امرأة في جزيرة إتاكة لم يتعرف بعد على أوليس متخفيا في هيئة متسول: وحده كلبه المسن، أرغوس، الذي تعرف على هذا الرجل فجأة. الكائن الأول الذي تفاجأ وهو يفكر، في التاريخ الأوروبي، هو كلب.
كلب فكر في إنسان.
استأنف المشهد: يتمدد الكلب على الروث. يرفع رأسه عند سماع صوت ارتفع بقرب الباب. يرى إلى متسول يتكلم مع راعي الخنازير. لكن لم يخدع التنكر طويلا الكلب: فكر أن المتسول المتخفي هو أوليس. فجأة، وفي اللحظة نفسها، أحس أوليس بدوره أن أحدا ما تعرف عليه في الفضاء (إن أحدا «فكر» فيه في الوسط المحيط به). نظر أوليس حواليه، فأبصر، أخيرا وليس ببعيد عن البوابة، كلبه المسن، ملقى على كومة من القمامة والقش المتسخ، أرغوس، الذي كان يركض معه خلف الخنازير البرية، والأيول، والأرانب البرية، والوعول قبل عشرين عاما، عندما كان ملك الجزيرة. لم يكن أوليس يرغب في أن يتعرف عليه أحد. مسح بسرعة دمعة سالت على خده الذي لوثه قبل ذلك بقطعة من الفحم حتى لا يمكن التعرف عليه. في تلك الأثناء، نظر أرجوس إلى الأعلى، ومد خطمه في الهواء، «فكر» في أوليس وهو ينظر إلى المتسول، هز ذيله، نكس أذنيه نحو الأسفل، ومات.
نجد أن أول من يفكر لدى هوميروس هو كلب لأن فعل «noein» (الذي هو الفعل الإغريقي الذي يترجم بفكَّر) يدل أولا على الفعل «شم». فالتفكير، هو أن تشم الشيء الجديد المنبثق في الهواء المحيط بك. هو أن تحدس ما وراء الثياب الرثة، ما وراء الوجه الملطخ بالأسود، قلب المظهر الزائف، والمحيط الذي لا يكف عن التبدل، الفريسة. نقول عن التأمل في اللغة الإغريقية theôria. كانت الفريسة غارقة في المفترس. لم يتم التفكير في الفريسة دون عدوان شبه فوري، دون تدمير ناتج عن الرؤية، ودون تفانيها الكامل في بقايا جيفة مفككة من قبل كل حيوان مفترس مشبع. ما من شيء يتأمله، بمجرد أن يشبع جوعه، سوى بقايا الطعام: خشب، عظام، أسنان، أنياب، فراء، جلود، دروع، ريش، فضلات، روث.
إنه المعجم الأول
كل هذه النقوش في المجال البصري، بقايا الأحياء، آثار المهارات الحركية للحيوانات البرية، تقنيات الاستذكار لموتاهم، هي أحرف كثيرة (باللاتينية litterae) شكلت الشيء الوحيد الذي يمكن تأمله. كتب بارمينيدس أن العلامات (باليونانية السيماتا) هي أولاً براز الحيوانات المطاردة، ثم الآثار التي تشير إلى مسارها، وأخيراً النجوم (باللاتينية sidera) التي تحدد مسارها. تصبح علامات مرور الحيوانات هي علامات التعرف التي توجه الصيادين نحو فرائسهم – حتى ينقلبوا فجأة ويصبحوا علامات مسارات تجعل من الممكن العودة من مكان قطع الطريدة إلى «المنزل» إلى «ناره» وصولاً إلى حشد الطرائد الميتة والمقطعة ، وصولاً إلى إمكانية ولادة محكي ليس فقط للصيد لكن أيضا للبقاء على قيد الحياة مع عائلته، جالسين حول لهب النيران التي تطبخ الطرائد الميتة. تُقال حركة العودة في اللغة اليونانية meta-phora. إن حركة العودة إلى الوراء تقال في الطاو الصينية.
فكر الإغريق القدماء في تركيا (مثل الصينيين القدماء في الطاوية) في المفكر فيه كذهاب وإياب: noein و neomai. كانوا يفكرون في التفكير على أنه ذهاب لا ينسى الطريق الذي يسير فيه. الذهاب الذي يذهب بينما يعود بالفعل، هذا هو الطريق، الزقاق، الطريقة التي تشكل أساس الفكر. يكتب تشوانغ تسو: هكذا هو الطاو. يكتب هيراقليطس بمهارة في العصر نفسه: إنه سباق عكسي (سباق يعود أدراجه). لهذا رغب المفكرون اليونانيون الأوائل قبل تأسيس الفلسفة في بناء كلمة noos (فكر) في كلمة nostos (عودة) كان التفكير هو التيه في أي مكان متذكرين مع ذلك إمكانية العودة أحياء إلى عائلاتهم بعد الخروج من محنة الموت. هناك ندم (باللاتينية regressus) حتى في جرأة التفكير. هناك طريق لا يمكن نسيانه في ما يفكر فيه. هذا ما تعنيه الكلمة اليونانية منهج (meta-hodos): الطريق العكسي (الطريق التلخيصي) أو على وجه التحديد النقل -عبر (meta-phora) الذي يتم في الاتجاه المعاكس. هناك شخص ضائع يحب نفسه إلى ما لا نهاية في الحركة النوستالجية للتفكير. هل يستطيع البشر التفكير دون عودة؟ لا.. نحن نفهم لماذا يفكر روشفورد أولا، قبل أن يتخذ قرار تحويل جسده، يفكر قبل أن يغرق جسده في ماء أصلي جديد: «أين رحل موتاي؟» تملكه ندم فهرب من الماء الأبدي ليجدهم، بعد ثلاثة أيام، حيث يوجد الكثيرون منهم: في ظلام العالم الآخر حيث ينكمش جميع الموتى الذين تلاشوا تحت الأرض. هذه هي الطريقة التي يصف بها البيت 326 من الجزء السابع عشر من أوديسة هوميروس طاناطوس الغريب (شهوانية، انكماش، اكتئاب، موت) لكلب الصيد الذي تبع فورا حدسه (شمه، فكره). غطت ظلال الموت عيون أرغوس مباشرة بعد أن رأى أوليس الذي كان ينتظر رؤيته عشرين عامًا…
كاتبة مغربية