أبو مروان من كفر عنان يحاول إطفاء حنينه لبلدته المهجّرة بزيارتها.. لكن نار الشوق “تقيد” من جديد- (صور وفيديو)

وديع عواودة
حجم الخط
0

كفرعنان- “القدس العربي”: يقول أبو الطيّب المتنبي: «وما ماضي الشَباب بِمُستَرَدٍّ… وَلا يَومٌ يَمُرُّ بِمُستَعادِ». هذا صحيح في كل مكان وزمان، لكن الشيخ الفلسطيني حسن منصور (أبو مروان)، من بلدة كفر عنان، يعوّض الخوالي من الأيام بالذكريات وتوريثها.

في مثل هذه الأيام من كانون أول عام 1934 ولد أبو مروان في كفر عنان، بلدة فلسطينية في الجليل، اقتلعته منها إسرائيل في النكبة، لكنها لم تنتزع منه حبه لها، وإيمانه المطلق بالعودة لها يوماً، وهو ما زال يصون لها الوفاء، ويحفظ قصة كل شجرة زيتون فيها.

هذا الأسبوع، زارته “القدس العربي” في بيته، والتقته لاحقاً على تراب بلدته المدمّرة، وقد استهل أبو مروان حديثه ببعض دقات المهباج، مطحنة القهوة التراثية، وهو يقول إن قلبه يدق مرتين مع كل “دقة مهباج”، لكونه موروثاً من والده المختار، ويرمز لعالم كامل، يوم كان والده يعيش في دياره ويستقبل ضيوفه داخل مضافته الواسعة في بلدة كفرعنان، قبل أن تحوله إسرائيل لكومة حجارة.

بعد فنجان القهوة يبدأ أبو مروان في استعادة ملامح بلدته المهجّرة في قلب الجليل، موضحاً أن والده قبيل النكبة كان يخطّط لتحويل بيتهم الواسع لمعصرة زيتون.

لاجئ في الرامة

يقيم أبو مروان اليوم في مسقط الشاعر الراحل سميح القاسم، بلدة الرامة المجاورة لبلدته غير البعيدة عن موطنه قرية كفرعنان التي دمرتّها إسرائيل في نكبة 1948 ضمن “عملية حيرام” لاستكمال احتلال الجليل في نهاية تشرين أول/ أكتوبر. موضحا أن كفرعنان شاطرت شقيقتها، جارتها قرية فراضية، في كل شيء: المسجد والحكايات ونبع المياه وقد ربطت أهالي القريتين روابط القربى والنسب والصداقة، مرجحاً أن تكونا اليوم بلدة واحدة لولا تدميرهما في 1948. مشيراً إلى أن بلدته عدّت قبيل تهجيرها نحو 450 نسمة، وأنها قامت على تل صغير شرقي بلدة الرامة، وكان أهلها “ملوكاً في وطنهم” يعتاشون على زراعة الخضروات، كالبندورة والفجل والخيار والبقدونس والملفوف والخس وغيرها، وكل ذلك بفضل عين فراضية الغزيرة.

ويتابع: «كانت فراضية وكفرعنان تعتاشان على زراعة الخضروات، وكانتا تصدران ما يفيض من منتوجاتهما لمدينتي طبرية وصفد المجاورتين، وقريباً منهما كانت تقوم سوق لبيع الخضار والفواكه الطازجة، وكانت العادة أن يتوقف المارة في مراكبهم للشرب من نبع فراضية الغنية المتدفقة على مدار العام واقتناء الخضراوات».

ورداً على سؤال، يقول أبو مروان، متودّداً، إن بلدته كانت تملك كروم الزيتون، لكن زيت بلدة الرامة هو الأشهى والأكثر جودة في فلسطين ويدّلل على ذلك القول الشعبي:

 «زيت الرامة مشهور ما في منه في إسطنبول، حط من زيته على الفول بطلع أحلى مأكول».

موضحاً أن أهالي قريته كانوا يعتادون على درس زيتونهم في معصرة بدائية، ولاحقاً انتقلوا إلى قرية المغار حيث كانت معصرة حديثة أكثر تعمل على محرّكات تتبع لشخص يدعى عبده العايدي.

أبو مروان، الذي يتمتع بصحة وذاكرة طيبتين، ويقرض الشعر، تعلم في ابتدائية قرية الرامة حتى الصف الرابع، لعدم وجود مدرسة في قريته كفر عنان، ثم انتقل لمدرسة المغار القريبة، حيث عمل فيها أساتذة من مختلف بلدات الجليل، لكن احتلال البلدة في 30 اكتوبر 1948 اضطره لوقف تعليمه.

ويتابع: «في ذاك اليوم احتل الجيش الإسرائيلي البلدة، ولم يتمكن أهالينا من المقاومة لأنها صغيرة، خاصة أن كل المناطق المحيطة قد سقطت، كما أعلمنا أهل عيلبون ممن قدموا صوبنا من بلدتهم مطرودين وهم يسيرون نحو لبنان، فدعا والدي، مختار البلدة، أهاليها لرفع أعلام بيضاء على أسطح المنازل، وفعلاً رفعوا علماً أبيض على حافة الشارع الرئيس عكا– صفد بمحاذاة بلدتنا، ودخلها الجيش دون طلقة واحدة من الجنود ولا من السكان، بعدما عسكر لعدة ساعات قريباً منها في حدودها الغربية، حيث مفرق كفر عنان، الذي استبدل بتسمية إسرائيلية “مفرق شيبع”. جمعوا أهالي البلدة في منطقة الربعان صباحاً واعتقلوا 36 شاباً، تم اقتيادهم لمعتقلات بعيدة وتركوا النساء والأطفال والشيوخ.

وخلال نكبة كفر عنان تم طرد الكبار في السنّ إلى بلدة مجد الكروم، والبقية طردهم الجيش الإسرائيلي إلى جنين، عبر مرج بن عامر.

تركوا مخبراً

وفي صباح اليوم التالي، 31 أكتوبر، حضر ضابط مع جنود إسرائيليين، وطلبوا من والدي أن يعود الشباب الهاربون لبيوتهم من محيط البلدة، مدعياً أن «لا سبب لهم للقلق، فالبلدة آمنة، وأنتم الآن آمنون»، وهذا تم بترجمة شخص بدوي كان برفقة الجنود ويقول بلهجته «يا أهل الجرية.. الزابط (الضابط) يقول كم..» وفعلاً طلب والدي منهم العودة.

في اليوم الثالث، الأول من تشرين ثاني/ نوفمبر، عاد ثمانية منهم، وألقوا القبض عليهم في منطقة البيادر غربي البلدة، وهم: حسن إبراهيم طه، وهو متزوج، وعنده طفلة تدعى سهام، وشقيقه فواز، وهو أعزب، وابن شقيقهما سليمان أحمد إبراهيم طه، عيسى كايد خشّان، سعيد أحمد محمود، سعود أسد أحمد الناصر، محيى الدين الشيخ طه، وسعيد أحمد محمود، ومعهم شاب من صفورية كان قد تزوج من كفرعنان واستقر فيها، يدعى عبد القادر، واقتادوهم نحو مفرق كفرعنان، فجاءت مهرولة السيدة نبيهة والدة الشابين الشقيقين، راجية من والده المختار أن يعيد لها ولديها.

 ويضيف: «فعلاً خرج والدي نحو الغرب من القرية، وما لبثت أن اعترضت طريقه دورية عسكرية، وطلبوا منه العودة، ووعدوا بإعادة الشباب بعد التحقيق معهم». و«في صباح اليوم التالي، الثاني من نوفمبر/ تشرين ثاني، فوجئنا مجدّداً بأن الجيش الإسرائيلي، فرض طوقاً حول البلدة، وجمع الأهالي في منطقة الربعان ذاتها (مراح العجاّل) وصاروا يختارون الشباب على حدة، والنساء “لحال” تمهيداً لاعتقال المزيد من الشباب ولطردنا. خلال تجميعنا قاموا بنسف عدة بيوت في القرية، أقربها علينا بيت يتبع صالح إبراهيم أحمد (أبو عبد الله)، وصعقنا صوت التفجير، وغطانا الغبار المتطاير، وما زالت صورة ذاك اليوم الأسود في عمق ذاكرتي».

صبحية تركت رضيعها تحت الزيتونة

 ويذكر أن «سعيد أحمد محمود هرب مع مجموعة الشباب المذكورين، والتقيناه في لبنان، وروى كيف قتلوهم، وقد سبق وشاهدنا جثثهم ملقاة بين الشجيرات جنوب شارع عكا صفد، قريباً من مفرق كفرعنان، في طريق الخروج من القرية». ويمضي في سرد التغريبة الفلسطينية الموجعة: «أذكر، ونحن في طريق اللجوء من الجليل إلى جنوب لبنان سيدة من قرية عيلبون المجاورة، تدعى صبحية، تركت رضيعها في الطريق تحت شجرة بسبب التعب. عندما وصل أهل عيلبون قرية بيت جن، في طريقهم للبنان، سألت زوجة عمها أين الرضيعة، ولما علمت أنها تركتها، عادت لتبحث عنها، لكنها لم تجدها فعادت تبكي».

من الجليل إلى لبنان مشياً على الأقدام حافياً

 ويقول إن أهالي كفر عنان وقرى أخرى واصلوا المسير مشياً على الأقدام في منطقة جبلية صعبة، مروراً بقرية عين الأسد نحو بيت جن وحرفيش، البلدة الحدودية الفلسطينية، ومنها إلى رميش وبنت جبيل اللبنانيتين. ويضيف بلهجة ما زالت تقطر أسى، وهو يغالب الدمعة: «مشينا رجالاً ونساء وأطفالاً، وكانت أختي خزنة تحمل على يديها رحاب، رضيعة عمرها ثلاثة شهور، وكانت خالتي خديجة تحمل رضيعها مصطفى ابن الشهور الأربعة. كل ذلك ونحن حفاة وبدون ملابس وطعام ودون أغطية وبلا نقود، فقد ظنّ الأهالي أنهم سيعودون بعد يوم يومين. تركنا بيوتنا مفتوحة، وعلى ثقة أننا سنعود بسرعة، كما وعدونا، ولذلك لم نرتد ملابس كما يجب».

يشار إلى أنه في هذه الأثناء بقي بعض المسنين داخل بيوتهم في كفرعنان، وفي محيطها، ورويداً رويداً عاد ثلثا أهالي البلدة من لبنان، بعد نحو الشهرين، لكن إسرائيل عادت لاحقاً وطردتهم مجدداً بعد عامين من نكبة 1948. وطبقاً لرواية أبو مروان، في بنت جبيل نام الرجال بين الشجر، والنساء والأطفال في مسجد علي بزة، وذهبت والدته وتوّسلت عائلة لبنانية حتى حصلت على سترة تغطيه وتقيه البرد، وهو فتى في الرابعة عشرة، وكان عدد كبير من الأطفال ساروا هذا المسار حفاة مثله.

 ويضيف: «بعد أسبوعين نقلنا الصليب الأحمر من بنت جبيل لمخيم البصّ في صور، وكل عدة عائلات في خيمة واحدة، وانعدمت الشروط الأساسية من النظافة. هناك وجدنا لاجئين من قرى قضاء صفد الصفصاف ودير القاسي وديشوم وصفورية والسموعي وغيرها، بينما تم طرد أهالي قرية فراضية إلى بيروت. بسبب الزحمة داخل المخيم كان يموت يومياً نحو عشرة أشخاص، وكانوا يدفنون في منطقة حدودية تدعى المعشوق. شهدنا جوعاً لم نعرفه من قبل، وكنا نقتات على النباتات في الطبيعة، ووالدتي فاطمة منصور تعمل في تجميع الحطب للفرن في المخيم مقابل بعض الأرغفة كي نبقى على قيد الحياة، وطيلة هذه الفترة كان والدي معتقلاً في معتقل إسرائيلي في عتليت، ثم في صرفند لمدة عام، منذ احتلوا بلدتنا وطردونا. حدثني لاحقاً أن تجربة الأسر كانت قاسية جداً، خاصة أنه لم يعرف عن مصير زوجتيه وأولاده». بقي وعائلته في مخيّم البصّ خمسة شهور، وكانت سيارة توزع الخبز، لكن والدته لم تكن تقدر على الوقوف في طابور طويل مع الرجال ينتظرون دورهم فصارت تذهب إلى محيط قرية القليلة اللبنانية وتلتقط الخبيزة، وتعدها ويأكلها أبناؤها بدون خبز ثم صارت تجمع الحطب وتبادله بالخبز.

سنة الثلجة

ويمضي في استعادة ملامح رحلة اللجوء المضنية: «من صور نقلنا الصليب الأحمر إلى قرية عنجر اللبنانية، بجوار زحلة، وبقينا فيها ستة شهور، ومنها إلى مخيم نهر البارد في الشمال، وهناك اكتشفنا حالة اكتظاظ شديد. وفي ذاك العام (1950)، الذي عرف بعام الثلجة، تهدّمت الخيم على رؤوس ساكنيها بسبب هطول الثلوج. وقتها نهضت شقيقتي خزنة في الليل لترضع رضيعتها رحاب، وسمعتها تقول لوالدتي شاكية باكية: بنتي رحاب ما بدها ترضع ولا تحرّك ساكنا.. شكلها ماتت. ويبدو أنها ماتت بسبب البرد، فصارت تبكي، والكل يبكي معها، وكنت أنا أشكو وأقول لأمي: أنا بردان وأرجف. عندها قامت وجلبت نبات البلان ووضعته أسفل “فراشنا” داخل الخيمة على أمل تخفيف وطأة الأرض المنبعث من الأرض كما ظلت».

لم شمل

في يوم الثلاثاء 24 أبريل/ نيسان عام 1950 وصلت لعائلة أبو مروان رسالة من والده بعد خروجه من معتقله تدعوها للعودة لفلسطين ضمن لمّ شمل بواسطة الصليب الأحمر، الذي حملنا في سيارة إلى رأس الناقورة، ومنها عدنا للبلاد بعدما سلمنا الصليب الأحمر للجانب الإسرائيلي. ويضيف: «قدم معنا من شمال لبنان إلى البلاد، ضمن “لمّ الشمل”، خالي قاسم اسماعيل طه وأسرته، مع أشخاص آخرين من قرية شعب والغابسية قضاء عكا. في البداية ظننا أننا عائدون لكفر عنان، وإذا بهم يأخذوننا إلى بلدة مجد الكروم في الجليل، وكان جدي هناك، بعد أن نقلته سلطات الاحتلال مع الكثير من أهالي بلدتنا إلى مجد الكروم عنوة في 04.02.1950. هناك بتنا في بيت يتبع لشخص يدعى مصطفى علي طه، ولم يتسع لنا، فقد كنا نحو 15 نفراً، ومن بينهم أسرة خالتي، فنقلتنا والدتي فاطمة طه إلى العيش داخل “طابون” يتبع لطاهر مناع، ولاحقاً، مع بدء الشتاء، انتقلنا للإقامة داخل معصرة زيتون قديمة نحن مع بعض الدواب».

وفي العام 1949 قدّم الأهالي دعوى قضائية لمحكمة إسرائيلية، بواسطة المحامي الراحل محمد نمر الهواري، بهدف العودة لمنازلهم فسارعت السلطات الإسرائيلية لقطع الطريق عليهم بهدم بيوت القرية في فبراير/ شباط 1950. وهكذا تحول معظم أهل كفر عنان إلى لاجئين في سوريا ولبنان والأردن، ومع الأيام تم تشريدهم بسبب الحرب الأهلية لمختلف بلاد الشتات خاصة ألمانيا. وحسب أبو مروان، يعّد أهل كفر عنان في الوطن اليوم نحو ألف نسمة، أغلبيتهم مهجرّون في الرامة، والقليل منهم اليوم في المغار ومجد الكروم.

الاستقرار في الرامة

 مكثت العائلة في بلدة مجد الكروم مدة عامين تقريباً، ومن أجل تأمين مدرسة لتعليم أبو مروان انتقلت إلى الرامة، حيث بدأ يستكمل تعليمه في مدرستها الابتدائية، بعدما أنهى الصف الرابع في قرية المغار، وقطعت النكبة مسيرته، وهناك تم ترفيعه من الصف الرابع إلى السادس ثم انتقل لمدرسة الرامة الثانوية، وحاز على شهادة التوجيهي. بعد إنهائه الثانوية، تقدم أبو مروان بطلب للعمل مدرساً وماطلوا في قبوله، لكنه واظب حتى قبلوه في فترة كان عدد الخريجين فيها قليلاً، وسعد بأنه بدأ بالعمل ليشارك في تأمين احتياجات عائلته الفقيرة. أبو مروان الذي يحتفظ حتى اليوم بكتاب التعيين الصادر من مديرية المعارف عام 1959 عمل في التربية والتعليم طيلة 36 سنة، لم يتغيّب خلالها 36 يوماً، وعن ذلك يروي متودداً: «في بداية المشوار عينت مديراً في قرية صغيرة قريبة من الرامة تدعى الكمانة، وكان يتعلم في المدرسة خمسون تلميذاً فقط ومعي معلمان فقط». انتقل بعد ذلك للعمل مدرساً في دير الأسد، ثم لمدرسة الرامة الثانوية، حيث كان طالبا قبل ذلك.

جامعة حيفا

 تمكّن أبو مروان خلاله عمله في التربية والتعليم من الالتحاق بجامعة حيفا، وأنهى دراسة التاريخ واللغة العربية، التي ما زال يعشقها ويجيدها حتى اليوم، ويقيم حتى اليوم في الحي الغربي في الرامة، ويشيد بمعاملة أهل الرامة مع مهجّري كفر عنان، وفق ما يؤكده أبو مروان، منوّها لوجود علاقات جيرة قديمة بين البلدتين. ويقول إنه ورث مهباج القهوة من والده، وما زال يحتفظ به في صالون بيته في الرامة، مثلما ورث طول العمر والذاكرة الطيبة من والده، الذي عمّر 108 سنوات، وكذلك أعمامه تجاوز كثيرون منهم المائة عام.

بعد اللقاء في بيته اصطحبنا أبو مروان لـ “محبوبته الأولى” كفرعنان فسار يحّث الخطى منفعلاً فرحاً، ونحن بالكاد نجاريه بالمشي، وهو على أبواب التسعين. هناك واصل المسير حتى مركز القرية، ولما سألناه عمّا في داخله وهو يجلس على واحد من حجارة منزله المتناثرة، بعدما نسفته إسرائيل قبل سبعة عقود قال:

أتيت الدار وناديتها فلا الدار داري ولا الجيران جيراني

ويتابع: هذا يؤلمني جداً، فهنا لنا ذكريات فالدار كانت واسعة مكوّنة من عقدين وقبوين ومضافة عامرة بالأقرباء والأصدقاء والقهوة المرّة متوفرّة ليل نهار، والآن باتت كومة حجارة. هذا موجع، لكن ثقتنا كبيرة بأن نعود، وسبق أن عبرّت عن ذلك بلغة الشعر:

مشيناها خطى كتبت علينا/ ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن كانت منيته في أرض/ لا يموت في أرض سواها

 تتبع كفرعنان لقضاء صفد، قبل نقلها في فترة الاستعمار البريطاني إلى عكا، وما زال أبو مروان محبّا لصفد، خاصة أنه اعتاد مرافقة والده في زياراته لها، حيث اقتنى له حذاء وحلويات وغيره. ورداً على سؤال يخلص أبو مروان للقول: «لا لم أسمح لصدمة النكبة أن تخرسني، فأنا أروي حكايتنا للأبناء والأحفاد، وفي ذكرى الاحتلال من كل عام أصطحبهم للقرية، وأتجّول معهم في رحابها وأروي لهم قصة كل زاوية فيها».

أبو مروان، الذي ما زال يحفظ ملامح قريته حجراً حجراً وبيتاً بيتاً وشجرة شجرة، كيف لا وذاكرته من حديد، يستفيض في شرح وفرة مياه بلدته وكثرة كرومها وحقولها، فيشير ببنانه في مختلف الجهات مسمياً كل ناحية باسمها.. فهناك منطقة الجوابي، حيث زرعت الأرض بالري، بفضل ينابيع قرية فراضية المتدفقة على مدار السنة، الخضراوات والأشجار على أنواعها، علاوة على كرم التوت والبستان وكرم حسان.

 أبو مروان الذي رسم بخط يده خريطة لمعالم البلدة التي يعرفها معرفته ككف يده، يقول إنه يزور محبوبته الأولى كفر عنان يومياً تقريباً في الربيع والشتاء، يقول رداً على سؤال: «الزيارة أحياناً تطفئ الحنين، وأحياناً تصب الزيت على نار الشوق». ويؤكد أنه يرفض مبادلة الدنيا وما فيها بكفرعنان، ويعبّر عن حبه ذلك بتلاوة بعض أبيات شعر من قصيدة كتبها يقول في مطلعها:

“بلدي الحبيب متّيم في هواك/ ما كان عمري إن رضيت سواك

بلدي الحبيب أهديك مقلتيّ/ روحي وما أملك الجميع فداك

بلدي السليب سنعود يوما إليك/ وأن نعيش أحراراً في حماك

الأمل والثقة بالعودة، إن لم يكن أنا فأولادي أو أحفادي، فلا يساورني شكّ أننا عائدون، مهما طال هذا الزمان في هذا الصراع الطويل المرير.

هل ترضى بالتبديل؟

 «لدينا اليوم بيوت وأراض في بلدة الرامة، ولو طلبوا مني التنازل عنها مقابل نصف دونم لأبني فيها كوخاً صغيراً لما ترّددت، فما الحبّ إلا الحبيب الأوّل».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية