سلطنة عُمان: استثمارات خليجية وإدارة الملف اليمني وتحريك “الشورى” لقانون مقاطعة إسرائيل

حجم الخط
0

مسقط ـ «القدس العربي»: تسودُ القيادات الجديدة في دول مجلس التعاون الخليجي حالة أكبر من التقارب والمصلحة الواحدة المشتركة. حَرَصَ السلطان هيثم بن طارق منذ توليه الحكم في سلطنة عُمان على إيلاء العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول المجلس الأولوية. كانت أولى زياراته الخارجية إلى المملكة العربية السعودية، التي فتحت أبواب التعاون والفرص الاستثمارية بين البلدين في مشاريع متنوعة تُلبّي “رؤية 2030″ السعودية، و”رؤية 2040” العُمانية. أساساً، هو مَن كان في زمن السلطان قابوس يُدير إستراتيجية “رؤية 2040″ التي تقوم على جذب الاستثمارات الكبرى إلى البلاد.
يأتي الجانب الاقتصادي والاستثماري ليُضفي تكاملية تُرسِّخ الروابط السياسية العمانية مع الأسرة الخليجية. فبعد السعودية، كانت زيارتا قطر والبحرين. وأضفتِ الزيارةُ الخارجيةُ الأولى لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى السلطنة بُعداً استثنائياً على العلاقة بين البلدين. وكما كان الطريق البحري بين السلطنة والسعودية عبر الربع الخالي هو الحدث الكبير، فإن استثمار الإمارات في بناء شبكة سكك حديدية تربط ميناء صحار بشبكة السكك الحديدية الوطنية الإماراتية يُشكِّل المحطة الأولى من مشروع الحلم بـ”قطار الخليج”. هذا المشروع سيكون بمنزلة رئة اقتصادية مهمة، وسيربط أبو ظبي بميناء صحار الواقع على بحر عُمان، والمفتوح من دون حواجز على المحيط الهندي ومنه إلى جميع بحار العالم. حزمة الاستثمارات الإماراتية خلال زيارة بن زايد شملت كذلك اتفاقات في أسواق المال، والثروات الزراعية، والثقافة، والإعلام. تبقى زيارة الكويت التي يعزو محللون كويتيون استثناءها إلى وضع الأمير الصحي.
شكّلت السنة متنفساً لسلطنة عُمان، مع تسجيلها فائضاً مالياً في الميزانية العامة حتى تشرين الأول/أكتوبر بـ2.9 مليار دولار. استفادتْ ميزانية السلطنة من الارتفاع القياسي لأسعار النفط وسط تضرُّر الإمدادات وارتفاع قوي في الطلب بفعل انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية، ما منح الحكومة – بعد تداعيات الإغلاق بسبب جائحة كورونا – فرصة لتنفيذ خطة التوازن المالي القائمة على تصفير المديونية العامة. نجحت الحكومة في تسريع الدفعات لسداد الديون، ما ساهم في تحسُّن تصنيفها الائتماني وأعادها، وفق المؤشرات الدولية، إلى حيِّز الاستقرار، وهو ما أعطى ثقة بأن الاقتصاد يمكن أن يعود ويتعافى بشكل أفضل، وإنْ كانت تلك المؤشرات المالية والاقتصادية الإيجابية لا تُخفي وجود تحديات داخلية على مستوى ارتفاع الكلفة المعيشية للمواطنين وإيجاد فرصٍ للباحثين عن عمل التي تبقى المعضلة الأكبر.
في السياسة، تستمرُ عُمان بالاحتفاظ بخصوصيتها السياسية رغم سياسة التقارب الأوثق مع المنظومة الخليجية. هذه الخصوصية لا تُكدِّر العلاقة الخليجية، بل هي تتناغم مع متطلبات الحاجة إلى سياسة “الأبواب المفتوحة” ولا سيما حين يتعلق الأمر بإيران وبالملفات التي تؤثِّر فيها في الإقليم.
يقول أحد المحللين العُمانيين إن القيادة العُمانية الجديدة أبقت على السياسة الخارجية التي كان ينتهجها السلطان قابوس على مدى الخمسين عاماً الماضية. لم تُبدِّلها في ثلاثة ملفات ساخنة في المنطقة، هي: إيران، وسوريا، واليمن. في ملف العلاقة مع إيران، اختارها الغرب لتكون نقطة التواصل مع طهران، وهذا هو حالها في الملف السياسي اليمني بإجماع الأطراف اليمنية، والخليجية، والدولية، ما يُمثّل علامة فارقة في الإدارة العُمانية لهذا الملف، بحسب المحلل السياسي سالم الجهوري الذي يكشف أن زيارة الوفد العُماني الأخيرة إلى صنعاء لم تأتِ في إطار “تثبيت الهدنة” كما قرأها المراقبون، بل هي أبعد من ذلك. لقد هدفتْ إلى حلحلة بعض النقاط العالقة لعودة المفاوضات المباشرة بين الحكومة والحوثيين الذين أجمعوا على ضرورة “الوطن الواحد” متحدثاً عن صعوبات تعتري آلية تنفيذ ما تمَّ الاتفاق عليه على مستوى جمع السلاح وإدارة الدولة، والمرحلة الانتقالية، مشيراً إلى أن الهدنة مستمرة وثابتة، ومسقط على تواصل دائم مع الشرعية اليمنية ومع الحوثيين، وعلى تنسيق مع الرياض في الملف اليمني.
والملف الثالث حيث موقف السلطنة ثابت فيه هو الملف السوري، لاسيما لجهة التمسُّك بوحدة الأراضي السورية وعدم تقسيمها إلى كيانات، وتنفيذ القرار 2245 وما اتُفق عليه من إعداد دستور جديد والذهاب إلى الحل السياسي. فالسلطنة حين اندلعت الحرب السورية لم تسحبْ سفيرها من دمشق، بل ساعدت في التواصل مع العالم الخارجي، كما تفعل مع إيران من خلال علاقاتها المتوازنة معها.
على أن السنة انتهت على حدث يصفه البعض بـ”الحدث الشعبي” المرشّح لأن تكون له ارتدادات سياسية كما ارتدادات اقتصادية واستثمارية وتجارية، ولا سيما مع الدول الخليجية الموقعة على “الاتفاق الإبراهيمي”.
فقد أحال مجلس الشورى العُماني في السادس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر، إلى اللجنة التشريعية والقانونية اقتراحاً يهدف إلى تغليظ قانون مقاطعة إسرائيل الصادر بمرسوم سلطاني عام 1972 لجهة التشدّد في إقامة تواصل مع إسرائيل، وتوسيع نطاق المقاطعة. والإحالة هي لإبداء الرأي قبل مناقشة الاقتراح وإقراره أو رفضه من قبل المجلس.
ويدعو اقتراح المشروع الذي تقدَّم به 7 نواب إلى تعديل المادة الأولى من قانون المقاطعة، وهي تنصُّ على أنه “يحظر على كل شخص طبيعي أو اعتباري أن يعقدَ، بالذات أو بالواسطة، اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها أينما أقاموا، وذلك متى كان محل الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر أياً كانت طبيعته. وتُعتبر الشركات والمنشآت الوطنية التي لها مصالح أو فروع أو توكيلات عامة في إسرائيل بحكم الهيئات والأشخاص المحظور التعامل معهم حسبما تقرره وزارة الاقتصاد وفقاً لتوصيات مؤتمر ضباط الاتصال.”
وعزا نائب رئيس مجلس الشورى العُماني يعقوب الحارثي طلب التعديل إلى التطوُّر الحاصل، سواء كان تقنياً أو ثقافياً أو اقتصادياً أو رياضياً. من هنا جاء الاقتراح بتعديلات إضافية تتضمن “قطع أي علاقات اقتصادية أو رياضية أو ثقافية، وحظر التعامل بأي طريقة أو وسيلة، سواء أكان لقاءً واقعياً أم إلكترونياً أم غيره”.
يقول الجهوري: “إن خطوة مجلس الشورى لا علاقة لها بموضوع التعاطي السياسي للحكومة مع تل أبيب، بل هي تهدف إلى سدِّ الثغرات التي طرأت من خلال تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل. فهناك تجّار ومستثمرون إسرائيليون حصلوا على جوازات عربية ويريدون الدخول من خلالها إلى الاستثمار الاقتصادي والتجاري في السلطنة”. إنه يستهدف، في جانب أساسي منه، شركات الدول في البحرين، والإمارات، والمغرب، التي وقَّعت “الاتفاق الإبراهيمي”. ففي نظرة إلى السجلات التجارية المسجلة في وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار في السلطنة، تُظهر دائرة المعلومات والبيانات والإحصاء أن عدد السجلات لمستثمرين إماراتيين خلال الربع الأول من عام 2022 بلغ 49 سجلاً، كما بلغ عدد السجلات المسجلة لمستثمرين بحرينيين خلال الربع الأول من العام الحالي 12 سجلاً، وهي شركات يمكن أن يكون في عدادها إسرائيليون.
كان السلطان قابوس قد استقبل في مسقط عام 2018 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أول لقاء رسمي علني يُعقد على هذا المستوى. وسبق لعُمان أن استقبلتْ في العام 1994 إسحق رابين، وشمعون بيريز في العام 1995 لكنها كانت زيارات بعيدة عن الأضواء. وهي تتبادل منذ “اتفاقات أوسلو” مكاتب اتصال مع إسرائيل. حين وُقعت “الاتفاقات الإبراهيمية” زمن دونالد ترامب، اتجهت الأنظار صوبها كدولة مرشحة للالتحاق بركب التطبيع.
بعد تولّي السلطان هيثم سدّة الحكم، بدا أن مسقط تتبع نهجاً أكثر تحفظاً وتشدداً من السلطان قابوس الذي يُردِّد الإعلام الإسرائيلي أنه كان مرناً في ملف استخدام وإسرائيل المجال الجوي العُماني. فحين أجازت الرياض – التي لا تُقيم علاقات مع تل أبيب – استخدام الرحلات الجوية الإسرائيلية لمجالها الجوي، رفضت عُمان القيام بخطوة مماثلة، ولم تنجح إدارة الرئيس الأمريكي في دفعها إلى القبول بذلك. قبلها ربط رئيس الدبلوماسية العُمانية خطوة “التطبيع” بتحقيق “حل الدولتين”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية