عام من الاضطرابات والخلافات السياسية يعمق الأزمات في السودان

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: استقبل السودانيون عام 2022 في الشوارع وهم يواصلون التظاهر والتصعيد لأكثر من شهرين ضد انقلاب القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، الذي أطاح بالحكومة الانتقالية وقوض آمال الشعب في الانتقال للحكم المدني الديمقراطي، وهكذا انتهى عامهم وهم يرفعون شعار «الثورة مستمرة».
وعلى الرغم من الشعبية الكبيرة التي حظي بها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إلا أن عودته إلى السلطة بعد توقيع اتفاق ثنائي مع البرهان، كان كفيلا بقلب الشارع ضده، ليعلن في وقت متأخر من 2 كانون الثاني/يناير الماضي، استقالته للشعب السوداني عبر خطاب متلفز، بعد ستة أسابيع فقط من عودته لمنصبه كرئيس لوزراء السودان في الحادي والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2021.
وقال رئيس الوزراء المستقيل، وقتها إنه وقع اتفاق الإعلان السياسي مع قائد الجيش للحفاظ على الدماء السودانية ومكتسبات الانتقال الديمقراطي، وذلك بعد تنفيذ قائد الجيش لانقلاب عسكري في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021.
عاد حمدوك إلى منصبه حسب الاتفاق مع البرهان، ولكن دون أعضاء حكومته من قوى الحرية والتغيير، على أن يقوم بتكوين حكومة من الكفاءات المستقلة، إلا أنه لم يستطع فعل ذلك.
كان يُنتظر من عودة حمدوك، التي نالت تأييدا كبيرا من المجتمع الدولي، أن تهدئ غضب الشارع المتصاعد بسبب الانقلاب، إلا أنها لم تفعل واستمرت الاحتجاجات الرافضة للانقلاب ولاتفاق البرهان-حمدوك.
واعتبر المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير-الائتلاف الحاكم السابق- اتفاق حمدوك مع قائد الجيش محاولة لشرعنة الانقلاب ومنحه صفة مدنية، ووصفته لجان المقاومة بالخائن.
وبينما كانت الأزمات السياسية والأمنية تتفاقم في السودان، وبالتزامن مع بداية الحرب الروسية-الأوكرانية، أثار نائب رئيس المجلس السيادي السوداني محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي» جدلا واسعا بزيارته إلى روسيا في 23 شباط/فبراير، التي استمرت لأسبوع عقد خلالها العديد من اللقاءات مع المسؤولين في موسكو والتقى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف.
وعلى الرغم من نفيه الانخراط في أي نقاشات بخصوص إنشاء قاعدة عسكرية روسية على السواحل السودانية المطلة على البحر الأحمر، شرقا، إلا أن أولى زياراته المحلية عقب عودته من روسيا، كانت إلى شرق البلاد، حيث عقد لقاءات واسعة مع المجموعات العشائرية هناك، كما زار ميناء بورتسودان وعقد لقاءات مع المسؤولين هناك.
وفي ظل القمع العنيف للتظاهرات وارتفاع عدد الضحايا إلى 90 قتيلا معظمهم بالرصاص، حسب لجنة أطباء السودان المركزية، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 21 آذار/مارس الماضي، عقوبات على قوات الاحتياطي المركزي التابعة للشرطة السودانية بسبب ارتكابها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد المتظاهرين السلميين المناهضين للانقلاب.
وبالتزامن مع ذكرى تظاهرات 6 نيسان/ أبريل 2019 والتي تحولت إلى اعتصام أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة، أطاح بنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، خرج مئات الآلاف من السودانيين في كافة أنحاء البلاد، على الرغم من إغلاق السلطات الطرق والجسور الرئيسية في البلاد، حيث انتظمت تظاهرات حاشدة طالبت بإسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين، وصفتها لجان المقاومة بالزلزال، وأعلنت خلالها عن شروعها في توحيد المواثيق السياسية للجان التي تقود التظاهرات منذ بداية الانقلاب، في ميثاق ثوري موحد.
وفي 27 من الشهر نفسه أعلنت الآلية الدولية الثلاثية المكونة من بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان»يونيتامس» والاتحاد الأفريقي وإيغاد، توحيد جهودها في تيسير حوار مباشر بين الأطراف السودانية لإنهاء الأزمة وحددت موعده في أيار/مايو.
وبغياب أبرز أطراف المعارضة، تنسيقيات لجان المقاومة والمجلس المركزي للحرية والتغيير، انطلقت في 11 أيار/مايو أولى جلسات الحوار المباشر التي يسرتها الآلية الثلاثية بحضور ممثلي المجلس العسكري ومجموعة من الأحزاب الموالية للجيش والنظام السابق، الأمر الذي أدى إلى تعليق جلسات الحوار.
وتمسكت لجان المقاومة بموقفها الرافض للحوار والتفاوض والشراكة مع العسكر، بينما اعتبرت قوى الحرية والتغيير الحوار المباشر محاولة لإغراق العملية السياسية بالمجموعات الموالية للعسكر، مطالبة بتهيئة الأجواء ورفع حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ بداية الانقلاب وإيقاف العنف ضد المتظاهرين وإطلاق سراح المعتقلين.
وفي الشهر نفسه، أصدرت الخارجية الأمريكية بياناً حذرت فيه الشركات والأفراد الأمريكيين العاملين في السودان من التعامل مع الشركات التابعة للجيش منوهة إلى محاذير متعلقة بقضايا حقوق الإنسان، وطالبتهم أن يكونوا على دراية بالمخاطر المحتملة من القيام بأنشطة تجارية والتعامل مع الشركات التي يسيطر عليها الجيش، مشيرة إلى الإجراءات التي اتخذها مجلس السيادة السوداني وقوات الأمن بقيادة الجيش، بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد المتظاهرين.
وفي ظل استمرار الضغوط المحلية والدولية، أصدر البرهان نهاية أيار/مايو الماضي، مرسوما قضى برفع حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد، معتبرا ذلك خطوة لتهيئة المناخ وتنقية الأجواء لحوار مثمر وهادف يحقق الاستقرار للفترة الانتقالية، حسب بيان أصدره المجلس السيادي السوداني.
في 3 حزيران/يونيو، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع، قرارا بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان لعام آخر، على الرغم من التحركات الواسعة التي قامت بها السلطات السودانية في الأمم المتحدة لتقييد مهام البعثة بالجوانب الفنية وإبعادها عن العملية السياسية، والتظاهرات التي قام بها المئات من الموالين للانقلاب والنظام السابق أمام مقر البعثة والتي وصفت البعثة بالاحتلال الجديد.
وفي 4 تموز/يوليو الماضي، أعلن البرهان خروج العسكر من العملية السياسية التي تيسرها الآلية الثلاثية المشتركة المكونة من بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان «يونيتامس» والاتحاد الأفريقي وإيغاد، مطالبا المدنيين بالتوافق على حكومة مدنية تدير البلاد وصولا للانتخابات.
وقرر حل المجلس السيادي وتكوين مجلس للأمن والدفاع عقب تكوين الحكومة قال إنه سيكون معنيا بمهام الأمن والدفاع ومهام أخرى يتوافق حولها مع الحكومة المدنية.
وبعدها بيومين، أعفى الأعضاء المدنيين الخمسة في المجلس السيادي، بينما أبقى على القادة العسكريين الخمسة وثلاثة ممثلين للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام.
وفي السابع من الشهر نفسه، أعلنت البعثة الدولية، وقف الحوار الذي كانت تقوم بتيسيره بين المدنيين والعسكريين، مبررة ذلك بانسحاب العسكر من العملية السياسية.
وأشارت إلى عدم وجود جدوى من مواصلة المحادثات، من دون مشاركة الجيش في الاجتماعات.
جاءت قرارات البرهان في وقت رشحت أنباء عن اندلاع خلافات بينه وبين نائبه «حميدتي» وخروج الأخير غاضبا إلى إقليم دارفور غرب السودان، والذي وصف خلال لقاء متلفز مع هيئة البث البريطانية، الانقلاب العسكري الذي شارك فيه، بـ«الفاشل» مؤكدا أنه فاقم الأوضاع الاقتصادية والأمنية في السودان.
إلا أنه ظهر لاحقا وأكد دعمه لقرارات البرهان في 10 آب/أغسطس، وقال في مؤتمر صحافي عقب عودته من دارفور إلى الخرطوم، أنه لم يشارك في عملية التشاور، التي أفضت إلى قرار المكون العسكري الخروج من العملية السياسية في البلاد، وتكوين مجلس للأمن والدفاع، ولكنه وافق بعد تلقيه اتصالا هاتفيا من شركائه في المجلس العسكري.
بالتزامن نظمت اللجنة التسيرية لنقابة المحامين السودانيين، ورشة لمناقشة وضع إطار دستوري انتقالي في البلاد، بحضور واسع للقوى السياسية السودانية والمجتمع الدولي تمخضت لاحقا، عن مشروع الدستور الانتقالي الذي اعتبرته الأطراف السودانية أساسا للعملية السياسية في البلاد، والذي نص على خروج المؤسسة العسكرية من العمل السياسي ومن المشاركة في السلطة والحكم الانتقالي والعمل على إقامة سلطة وحكومة مدنية ديمقراطية كاملة.
عاد البرهان مرة أخرى إلى إثارة الغضب الشعبي والسياسي في البلاد، في 25 أيلول/سبتمبر، بعد وصفه العلاقات السودانية الإسرائيلية بالتصالحية في تصريحات لوكالة «أسوشيتد برس» مؤكدا عدم ممانعته زيارة تل أبيب إذا تمت دعوته، وكانت هناك وسيلة لذلك.
وفي منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي وقبل أيام من الذكرى الأولى للانقلاب العسكري، قالت الحرية والتغيير إنها تلقت ملاحظات من المكون العسكري حول مشروع الدستور الانتقالي الذي طرحته اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، وأنه أبدى في اتصالات غير رسمية مع الحرية والتغيير موافقته المبدئية على المشروع، كأساس للحل السياسي.
وحسب بيان للحرية والتغيير، قامت بتشكيل لجنة تلقت هذه الملاحظات ونقلتها لهيئات التحالف للبت فيها ودراستها، والتي قررت صياغة ورقة تشكل موقفها من قضايا إنهاء الانقلاب وتأسيس السلطة المدنية الديمقراطية الكاملة، على أن تخضعها للتشاور مع قوى الثورة والقوى المتوافقة على مشروع الدستور الانتقالي لتشكل أساساً متوافق عليه بين أوسع قاعدة من أصحاب المصلحة في التحول المدني الديمقراطي.
وبينما كانت تمضي المفاوضات التي اتسمت بطابع سري بين الحرية والتغيير والعسكر، عاد في 21 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مرشد الطريقة الختمية ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، محمد عثمان الميرغني، بشكل مفاجئ إلى الخرطوم، بعد أكثر من تسع سنوات على مغادرته البلاد.
وجاءت عودته في ظل انقسامات واسعة تضرب حزبه تفاقمت عقب الإعلان عن التسوية بين الحرية والتغيير والعسكر.
ووصل الميرغني إلى البلاد، على متن طائرة مصرية خاصة، أقلته من القاهرة التي قضى فيها معظم سنوات غيابه، حيث استقبلته في مطار الخرطوم أعداد كبيرة من أنصار الحزب الاتحادي الأصل الذي يعد من أقدم الأحزاب الطائفية في السودان.
وكان الميرغني، قد غادر البلاد، بشكل مفاجئ في 25 أيلول/سبتمبر من العام 2013 إلى المملكة المتحدة، ومنها إلى مصر، حيث أعلن حزبه وقتها أنه سافر لإجراء فحوصات طبية، في وقت قال مقربون منه إنه سافر غاضباً، بسبب الصراعات داخل حزبه، وأنباء حول خلافات مع نظام الرئيس السابق عمر البشير، واستقالة الوزراء الاتحاديين في الحكومة.
وأخيرا، وسط ترحيب دولي واسع، وبعد عملية سياسية استمرت لأشهر، اتسمت بطابع سري متحفظ، وقع عدد من المكونات المدنية بينها الحرية والتغيير اتفاقا إطاريا مع العسكر في 5 كانون الأول/ديسمبر، بالتزامن مع تظاهرات شعبية رافضة للاتفاق بقيادة لجان المقاومة التي تقود الحراك الشعبي في البلاد منذ بداية انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021.
وفي 19 من الشهر نفسه، أحيا عشرات الآلاف من السودانيين الذكرى الرابعة لثورة كانون الأول/ديسمبر بتظاهرات حاشدة، في جميع أنحاء البلاد، طالبت بإسقاط الانقلاب ورفع خلالها المحتجون شعارات رافضة للاتفاق الإطاري الذي تصفه لجان المقاومة بالتسوية الفاشلة وتعتبره محاولة لشرعنة الانقلاب العسكري.
وهكذا أنهى السودانيون العام مثلما بدأوه بالتظاهر والهتافات رفضاً للانقلاب العسكري والتفاوض والشراكة مع العسكر، على الرغم من القمع العنيف الذي ظل يواجهه المحتجون، حتى بعد توقيع الاتفاق الإطاري، حيث وصل عدد الضحايا منذ بداية الانقلاب إلى 122 قتيلا، بينما أصيب أكثر من 6000 آخرين؛ حسب إحصاءات لجنة أطباء السودان المركزية ومنظمة حاضرين الناشطة في علاج مصابي الثورة السودانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية