الناصرة ـ «القدس العربي»: تمتاز مدينة طبرية الفلسطينية داخل أراضي 48 ببحيرتها الجميلة وبحماماتها الساخنة في ناحيتها الجنوبية المعروفة بحمامات طبرية القائمة بفضل ينابيع معدنية تستخدم للترفيه والسباحة والاستشفاء. وهذه الينابيع الساخنة ليست نادرة في طبرية ومحيطها كونها تقع في منطقة حفرة الانهدام الكبير الفعالة من ناحية الزلازل والبراكين. وحسب الباحث خالد أبو راس الذي درس تاريخ المكان تعود حمامات طبرية للكنعانيين الذين أقاموا في المكان مدينة عرفت باسم «حمات» أي ينابيع حارة وفي الفترة الرومانية بنيت حمامات للاستحمام والاستشفاء في عهد هيرودوس انتيباس عام 20 ميلادي ودعيت بهذا الاسم على اسم القيصر الروماتني طيبيريوس.
ويوضح أبو راس لـ «القدس العربي» أن المرضى وصلوا من جميع أنحاء الامبراطورية الرومانية لحمامات طبرية، منوها لبناء حمامات جديدة في فترة الحكم العربي خلال الحقبة الأموية. وفي عدة مراجع من أمهات الكتب العربية ذكرت حمامات طبرية من الإدريسي الذي كتب عنها في 1154 وأشار لوجود ثلاثة حمامات في المكان. كما ذكرها الدمشقي المتوفي عام 1328 بقوله «على ساحل بحيرة طبرية منابع حارة تسمى الحمامات وماء هذه الحمامات ملحي كبريتي نافع من ترهل البدن».
لينابيع طبريا الساخنة وحماماتها التّاريخيّة ذكر طويل وممتدّ في المراجع التّاريخيّة على اختلاف الحقب التّي عهدتها منذ العقود الأولى للميلاد. نشارككم بعض أخبار هذه الينابيع كما وردت في الصحف الفلسطينيّة أثناء فترة الانتداب البريطاني. حظيت مدينة طبرية التي لا تزال مأهولة بالسكّان، منذ العقد الثالث للميلاد، بذكر شاسع لينابيعها السّاخنة وحمّاماتها المعدنيّة، ومع أن الصّورة الّتي تصلنا عن الحياة في طبرية تبدو رومانسيّة في الغالب، إلا أنّ الحياة في مناخها الحارّ لم تكن سهلة على الإطلاق. فقد شاع عن أهالي طبريّة في القرن العاشر للميلاد، كما يحدّث المؤرّخ شمس الدين المقدسي، أنّ عامهم كان يسير كالتالي: أنّهم يرقصون شهرين، ويلتهمون لشهرين، فيضربون لشهرين، ويذهبون عراة لشهرين، ويتوغّلون في الطّين شهرين. وكان يقصد المقدسيّ أنّهم يرقصون من شدّة البراغيث، ثمّ يتلذّذون بفاكهتهم، ثمّ يجنّون من كثرة الحشرات فيضربوها لشهرين، ثمّ يخلعون ملابسهم لشهرين من شدّة الحرارة في الصيف، ثمّ يملأهم وحل الشوارع حين يأتي الشّتاء. إلا أن ينابيع طبرية الساخنة كانت وإلى حقب ليست ببعيدة تعرف قديمًا بقدرتها على شفاء الأمراض الجلديّة فكان يتدفّق إليها الزّوار من جميع أنحاء بلاد الشّام والضّيوف للتطبّب في مياهها العذبة والاستجمام بها لبضعة أيام، ما جعل المدينة دائمة الاستقبال للغرباء.
ثلاث قبب
وحسب المرشد في الطبيعة صالح خلايلة بنيت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأجريت عليها ترميمات وبنيت عليها ثلاث قباب: القبة الأولى بناها الشيخ يوسف الزيداني باني الجامع الفوقاني في طبرية المعروف بالمسجد الزيداني أو المسجد الكبير وهو اليوم بحالة يرثى لها من الهجران ويكابد خطرا فوريا بالتداعي. والقبة الثانية بناها الجزار حاكم عكا سنة 1799 وتدعى قبة حمام سليمان نسبة للنبي سليمان الذي أمر الجن بتسخين مياه العين وفق أساطير شعبية، وأما القبة الثالثة فقد بناها إبراهيم باشا نجل حاكم مصر محمد علي باشا بعد احتلال فلسطين لمدة عشر سنوات عام 1931. وما زالت هذه الحمامات فعالة وفي الحمام الأخير يصب الماء في حوض دائري ذي مصطبة رخامية كما أن الأعمدة المحيطة بها رخامية وتفوح من مياهها رائحة كبريتية.
في طبرية المدينة الفلسطينية الأولى التي سقطت في النكبة عام 1948 اعتاد أهلها على الاسترخاء في هذه الحمامات وسط توزيع الزمن بين الرجال والنساء كما أكدت الحاجة آمنة سعدية ظاهر (أم ظاهر) المهجرة من طبرية. كما عبرت الحاجة عن حنين مماثل لمدينتها طبريا ووفرة مواقع الترفيه فيها فقالت على مسامع كاتب هذه السطور قبل رحيلها في الناصرة، إنها مسكونة كل الوقت بالأشواق لأيام «الديوانة» في حمامات طبريا الساخنة الأحلى من السكر.
حتى نكبة 1948 كانت أم ظاهر أيضا تقيم في سمخ سوية مع زوجها الذي عمل في نقطة الجمارك، لكن طبريا ظلت مدينتها المدللة حتى آخر ساعة: طبرية كانت قطعة من الجنة وما تغرك عماراتها العالية اليوم. فيها لم تعرف حياتنا الملل طوال أيام السنة. في الصيف كانت العائلات تذهب لشواطئ البحيرة خاصة بحر القلعة والبحر البراني، فنتناول الطعام براحتنا وندخن النرجيلة ثم تقوم النساء والصبايا وكل القريبات بإحياء الحفلات للترويح عن النفس. وفي الشتاء كنا نزور الحمامات الساخنة التي فتحت أبوابها من العاشرة حتى الرابعة مقابل قرشين لكل زائر، كما كنا نقضي ساعات جميلة في تنور أيوب شمال البحيرة. وتفيد المصادر التاريخية أن الحمامات التي بناها إبراهيم باشا غداة الاحتلال المصري للبلاد في 1831 قد منح امتياز إدارتها لرجل يهودي فيما كان سليمان ناصيف من لبنان صاحب الامتياز لإدارة منتجع الحّمة بعد ما اشتراه من الانتداب لـ 99 عاما. كذلك استهوت طبرية الكاتب والأديب الفلسطيني الدكتور حنا أبو حنا فيقول في كتابه «مهر البومة» ويستذكر أيام طبريا الحلوة فيقول «على شط طبريا موقع أثير، الجلسة في المقهى هناك في ساعات الأصيل حافلة بالسحر الذي انسجم معه حتى زعيق النوارس، وتموسقت فيه كركرة النرد وثرثرة الموج».
الإضافة العثمانية
وحسب مجلة «المنتدى» التاريخية زادت الحكومة العثمانية في تلك الأبنية سنة 1890 ونالت بعض الشركات امتيازًا لإقامة أبنية عصرية وحدائق حول الحمامات ومن اللافت أن الحكومة العثمانية كانت قد قررت تخصيص قسم من واردات الحمامات لشؤون التعليم وأن بناء مدرسة البنين في طبرية ذي الطراز العربي قد أُقيم من الواردات المذكورة وإذا توافرت رؤوس الأموال تخصصها الشركات لبناء منازل وفنادق في طبرية فإن هذه المدينة تصبح مشتى لا لأهل فلسطين فحسب بل لسكان الشرق العربي كله فحين تكون قمم الجبال مكسوة بالثلج يتمتّع أهل طبريا بجو استوائي دافئ كأنهم في قارة أخرى.
الصحافة الفلسطينية
أمّا في العهد الانتدابي، فنرى في جريدة «فلسطين» خبرًا في العشرين من نيسان/ابريل عام 1929 يفيد بأن حكومة الانتداب منحت امتياز شراء حمامات طبريّا لمستثمرين أجانب، في حين يملك بعض الملّاك العرب في بيروت أسهمًا بسيطة من عائدات المشروع، ما جعل الانتفاع بمياه الينابيع حكرًا على مشروعات المستثمرين الّذين صادق عليهم المندوب السّامي فقط. وحسب المؤرخ بروفيسور مصطفى عباسي الذي صدر له كتاب قبل شهور عن طبرية في فترة الانتداب البريطاني فقد كانت عائلات فلسطينية كالستوت ونجية قد تولت إدارة حمامات طبرية الساخنة. ويبدو أن الحمامات بقيت موقعًا جاذبًا للزوار، ولكن ربّما بطريقة أخرى، فنرى دعوة في جريدة «فلسطين» أيضًا بعد ثلاثة عشر عامًا لاحتفال تقيمه «شركة حمامات طبرية» حيث ستقيم الأوركسترا الفلسطينيّة حفلًا موسيقيًاَ! أمّا اليوم في 2022 فتعتبر منطقة الينابيع السّاخنة موقعًا أثريًا ومتنزّها وطنيّا تحت إشراف سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيليّة. لكن الأخطر من تحويل المنطقة التاريخية الأثرية النادرة لحديقة قومية هو طمس معالم المكان وتزوير هويته بشكل فظ. فقد تم خلع اللوحات الحجرية التي نقشت فيها شروحات بالعربية عن المكان وثبتت مكانها شروحات بالعبرية على جدران كافة الأبنية المحيطة بالحمامات الثلاثة والتي كانت تستخدم مسابح ومخازن ومقامات حوّلت كافتها إلى كنس ومقامات يهودية كما هو الحال مع مقام الست سكينة داخل المقبرة الإسلامية في طبرية وغيرها. ويسيطر على منطقة الحمامات التاريخية بعد تحويلها لموقع ديني يهودي جماعات من اليهود الأورثوذوكس «الحريديم» ممن يتكسبون الأموال منها من خلال جمع التبرعات وإدارة تقاليد ما يعرف بالنذر اليهودي لتلبية رغبات وطلبات عامة اليهود ممن يتمنى شفاء أو زواجا أو رزقا الخ. وهكذا هو الحال في طبرية التي طرد كافة سكانها العرب في النكبة وشهدت عمليات تهويد للكثير من معالمها أما تلك التي لا يمكن تحوير هويتها كالجوامع والمآذن فتهجر وتترك للأيام لتواجه مصيرا محتوما جراء الإهمال ومنع فلسطينيي الداخل من ترميمها لاعتبارها «أملاك دولة» صودرت في 1948.