تونس: محكمة التاريخ تضمّد جراح الماضي وتحقق المصالحة الوطنية

حجم الخط
0

محمد السعداويطفت على السطح في الفترة الأخيرة بتونس مسألة اليوسفية والبورقيبية واحتكرت هامشا إعلاميا واسعا، كما أثارت جدلا كبيرا بين البورقيبيين واليوسفيين. ويصرّ كثيرون، وخاصة من بين أنصار اليوسفية الذين اكتووا بنار التعذيب في سجون العهد البورقيبي، على ضرورة استرجاع حقوقهم عن طريق محاكمة الشخصيات السياسية التي أشرفت على تعذيبهم آنذاك على غرار الأستاذ الباجي قائد السبسي الذي شغل وقتها خطة وزير الداخلية. ولكن هل يمكن تسوية ملف الخلاف اليوسفي البورقيبي الغابر بمجرّد محاكمة من شاءت الأقدار أن يعود إلى الساحة السياسية بعد الثورة في ظروف انتقالية ملحّة؟ وهل كان هذا الملف سيطرح بهذه الحدّة لو أن الباجي قائد السبسي لم يظهر من جديد على الساحة السياسية بعد طول غياب؟ وهل سيتحمّل هذا الأخير كل أوزار المسار البورقيبي من أجل إنصاف اليوسفيين؟ قبل أن نوغل في ثنايا هذه الإشكاليات نودّ أن نقدّم لمحة برقية حول الصراع اليوسفي البورقيبي.

كان الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف الشخصيتان الأبرز في تاريخ الحركة الوطنية وعملا جنبا إلى جنب في صلب الحزب الحر الدستوري الجديد. وفي السنوات الأخيرة من عهد الحماية الفرنسية بتونس، المرحلة الحاسمة، كان الأول رئيس الحزب أما الثاني فقد شغل منصب الأمانة العامة. برز الخلاف بحدّة بين الطرفين حول اتفاقيات الاستقلال الداخلي في 03 حزيران 1955. رفض بن يوسف هذا الإجراء وأصرّ على مواصلة النضال من أجل الاستقلال التام في حين تمسّك بورقيبة بالنهج التفاوضي وبسياسة المراحل. تشبث كل منهما برأيه حتى انقسمت البلاد إلى شقين: بورقيبيين ويوسفيين. وبعد الاستقلال، عمل بورقيبة على إقصاء اليوسفيين بملاحقتهم وإزاحتهم من طريقه نحو حكم تونس. تقلّد الحبيب بورقيبة رئاسة الجمهورية التونسية واغتيل غريمه صالح بن يوسف في ألمانيا في 12 آب1961. اتهمه اليوسفيون بتدبير عملية الاغتيال فتحرّكوا ضدّه بتنظيم انقلاب فاشل. ويمكن القول أن هذا الحدث قد مثل الانتصار النهائي للبورقيبية على اليوسفية.

شاءت الظروف أن يبرز الوزير الباجي قائد السبسي وأن يلمع بريقه من جديد على الساحة السياسية وهو أحد وزراء بورقيبة ومتهم في قضية اليوسفية من قبل اليوسفيين. عاد الوزير ليكون ازعيمب البلاد في حكومة انتقالية. تفنّن في التغنّي بالبورقيبية والإشادة بمحاسنها. ويبدو أن اليوسفيين شعروا بالاستفزاز الأمر الذي دفعهم إلى اثارة ملفات أتى عليها الدهر. ونكاد نجزم بأنه لو لم يعد هذا الوزير إلى الأنظار بالصورة التي كان عليها وبالمواقف التي كان يحملها لما أثيرت ضدّه قضايا قديمة كانت قد وضعت على رفوف التاريخ.

قال المناضل اليوسفي قدّور بن يشرط أحد مدبّري الانقلاب على النظام البورقيبي في حديثه لقناة نسمة أن المطلوب من الباجي قائد السبسي هو الاعتراف بإشرافه على تعذيبه ورفاقه. وأن الغرض من إثارة هذه القضية لا يكمن في القصاص بل إنه لا ينتظر سوى اعترافا فاعتذار ومن ثمّ تتم المصالحة. ولكن يبدو أن المسألة لا يمكن أن تسوّى بهذه الطريقة فالأجدر أن نجمّع وثائقا وحججا دامغة تدين من تورّط في التعذيب ونتقصّى الشهادات ونمحّصها وبعد ذلك ندوّنها ونحفظها حتى تكون شاهدا مدينا لنظام بأسره. وأن الاكتفاء بمجرّد تصريح المتهم بالاعتراف بما نسب إليه لا يعتبر عدلا وإنصافا لمتضرّر قبع سنينا من حياته في السجون وتعرّض إلى ضروب شتى من التعذيب. ماذا سيجني اليوسفيون من محاكمة قائد السبسي واختزال إرث عهد استبدادي طويل في شخصه؟ ولماذا يتّهم الرجل بأعباء نظام كلياني كان فيه بورقيبة صاحب القرار الأول والأخير؟ كلاّ، بل خير لهم طي صفحة الماضي بكل مآسيها ويكفيهم شرف نيل لقب النضال من قبل الذاكرة الوطنية دون مزايدات مع تقلّدهم الوسام الوطني التاريخي. وتخلّد الأجيال القادمة تضحياتهم الجسام وتعترف لهم بالوطنية وبالمظالم التي لاقوها. تقّدم وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية خطوات جريئة في سبيل معالجة ملف اليوسفية وتحقيق المصالحة بين اليوسفيين والبورقيبيين. يستقبل الوزير عديد الشخصيات من مختلف الأطياف الفكرية وتجرى محاورات بشان هذه المسألة. نعترف بهذه المجهودات ونثمنها، ولكن الشعب التونسي يسابق الزمن من أجل البت في قضايا عاجلة وحينية لا تحتمل الانتظار. وإذا كنا نبحث بحق عن عدالة انتقالية، فالأجدر أن تكون بتسوية المظالم التي ارتكبها النظام السياسي الذي ثار عليه الشعب وأسقطه. أما بالنسبة للفترة البورقيبية فمن الأحرى أن نوكّل محكمة التاريخ للنظر في كل القضايا العالقة بها. والمؤرخ هو الذي يتولّى الأمانة في تقديم الادلّة التي تشهد لفائدة حقوق الناس دون أن يكون قاضيا، فالحكم بيد القارئ. قارئ التاريخ وحده قادر على إعلاء شان الأبطال من جهة، وعلى الرمي بالطغاة والفاسدين في مزابل التاريخ من جهة أخرى. وتكمن جدوى الاحتكام إلى التاريخ في أحداث ووقائع بعيدة جدا، يعدّ بعض الفاعلين فيها اليوم رفاتا، في إظهار الحق وفي إدانة المتعدّي دون أن نسلّط أحكاما بالسجن أو بالإعدام. ومن هنا نستخلص العبر من الماضي بتجاوز الممارسات الجائرة والفاسدة. وكذلك الحال بالنسبة لقضية اليوسفية، التاريخ يكشف خفاياها ويميط اللثام عن المظالم ويفضحها ويحدّد مسؤوليات الفاعلين السياسيين في تلك الفترة. والأهم من محاكمة رموز النظام البورقيبي هو كيف نعتبر من أخطائه لنؤسس لنظام سياسي ديمقراطي يكفل الحريات ويضمن الحقوق ويسمح للمعارضة بأداء دورها الذي يبوّئها مكانة صحيّة في البلاد تراقب من خلالها عمل الحكومة وتحمي الشعب من عودة الاستبداد؟

كما ينتظر اليوسفيون اليوم من معشر المؤرخين وقفة حازمة من أجل إعادة الاعتبار للخط اليوسفي في مسار الحركة الوطنية التونسية. لقد عمل بورقيبة على تهميش الفاعلين اليوسفيين وطمس نضالاتهم من ذاكرة الشعب التونسي. وإنه من باب المسؤولية أن نراجع اتاريخنا الموجّهب من قبل النظام البورقيبي حتى نرجع الحق لأصحابه ونساهم في إخراج نضالات وطنية من عتمة الظلام لتعانق الأنوار.

إن تنمية الوعي الوطني التونسي بالسعي إلى التأسيس إلى عقيدة سياسية جديدة تقوم على ضمان الحقـــــوق والحريات اعتبارا من أخطاء الماضي أفضل كسب نغنمه من محكمة التاريخ التي تتكفل بتضميد الجراح وتجاوز الأحقاد المتوارثة وبتحقيق المصالحة بين أفراد الشعب التونسي على اختلاف انتماءاتهم والتطلع إلى مستقبل تونس المشرق بأعين حالمة.’ باحث تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية