قضايا الشعوب ليست مطالب نقابية!

حجم الخط
0

نصر شمالي

يشيع البعض أن زمن النضال من أجل التحرر الوطني والقومي قد مضى الى غير رجعة، وأن المتاح للشعوب هو فقط القبول بالموقع الذي تحدده لها الإدارات الدولية المهيمنة، والإقرار لهذه الإدارات بالسيادة، وأن يقتصر نضال الشعوب على النشاطات المطلبية، تماماً مثل نشاط النقابات المهنية من أجل تحسين شروط حياتها، لا أكثر ولا أقلّ!

ولكن، هل انتهى فعلاً عصر حركات التحرر الوطني والقومي والأممي؟ أم أنها مجرد انكفاءة مؤقتة؟ وإذا كان مثل هذا العصر قد انتهى، ولنفترض ذلك جدلاً، فهل ستحقق نشاطات الشعوب، على طريقة النقابات، تحسين شروط حياتها؟ بل المحافظة على الحدّ الذي هي عليه اليوم، أم أنّ حياة الشعوب معرضة لمزيد من التراجع والكوارث على أيدي الإدارات الدولية الحالية، وبسبب برامجها وسياساتها الاحتكارية العدوانية؟

تقتضي الإجابة على مثل هذه الأسئلة العودة الى مرحلتين عالميتين: الأولى، مرحلة تأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1949 وحتى مطلع الثمانينيات، والثانية، مرحلة ظهور الريغانية/التاتشرية، منذ عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر وحتى احتلال العراق، ولسوف نرى، بناء على عرض موجز للمرحلتين، ما إذا كان النضال من أجل التحرر الوطني والقومي قد فقد ضرورته، أم أنه صار أعظم ضرورة من أي زمن مضى.

في عام 1949 دعت حكومة الولايات المتحدة (التي هي صاحبة مشروع هيئة الأمم) إلى إعادة إدماج شعوب المستعمرات التي استقلت حديثاً في الاقتصاد العالمي. وقد تبنّت هيئة الأمم تلك الدعوة، وشكلت لتنفيذها مؤسسة خاصة، كما تبنّتها الدول الصناعية والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إضافة إلى تبنّيها من قبل خبراء الاقتصاد في الشمال الثري والجنوب الفقير. لقد قامت تلك الدعوة الأميركية، التي حظيت بإجماع دولي لا مثيل له، على مفهوم التنمية، وهو المفهوم الشيطاني المخادع الذي قرّر أنّ معدّل النمو الاقتصادي هو معيار تطوّر المجتمعات عموماً ومعيار استقرارها. وبالفعل، فقد حدّدت هيئة الأمم وظائفها التنموية بما يسهّل لرأس المال الدولي الربوي احتواء جميع المستعمرات السابقة، بحجّة تحقيق تطورها واستقرارها، فكان أن تحولت الهيئة الأممية إلى مقرّ مركزي للاستعمار الأميركي الحديث! كيف؟ لقد صار الضحايا يذهبون بأقدامهم إلى هذا المقرّ المركزي الاستعماري، ويسلّمون رقابهم إليه طوعاً، بدلاً من أن يذهب المستعمر بجيوشه إليهم في بلدانهم لإخضاعهم، متحمّلاً المشاقّ الهائلة والتكاليف الهائلة. منذ تأسيسها بدت هيئة الأمم المتحدة أشبه بهيئة عامة لشركة عادية، تجارية أو صناعية أو مصرفية، أمّا أصحاب حق النقض (الفيتو)، الدائمي العضوية في مجلس الأمن، فكانوا يأخذون مواقعهم ويتصرفون مثل أعضاء مجلس إدارة ما لشركة ما مساهمة عادية! وأمّا المساهمون في الشركة فهم جميع الأمم التي يلتقي ممثلوها في القاعة الكبرى للهيئة العامة في نيويورك، الذين كانوا يبدون في مقاعدهم متساوين في الجلوس والوقوف، في الغضب والرضا، في الكلام والصمت، وفي التصويت وفي الامتناع، الى حد تصعب معه ملاحظة أي فرق بين ممثل الولايات المتحدة وممثل جيبوتي مثلاً! إنّ العضو المتخم، الذي يملك آلاف مليارات الدولارات يبدو في القاعة ندّاً للعضو الفقير المدين. كانت هيئة الأمم تبدو من حيث الشكل والمظهر ملكاً للجميع اللذين يتخاطبون كشركاء أنداد، غير أنّ مجلس الإدارة (مجلس الأمن) كان هو المالك الحقيقي لكل شيء، وله وحده الحق، برضا الهيئة العامة، في الاعتراض وبتعطيل أي قرار تأخذه الهيئة مهما كان شأنه، وحتى لو نال الأكثرية الساحقة من الأصوات! وكانت الولايات المتحدة على رأس الهرم الدولي في مجلس الإدارة، مسلحة بقوة أكبر ورصيد أعظم يفوق بكثير الخمسين بالمائة، فكانت هي المالك الأول للشركة الدولية، وهي صاحبة الكلمة الأخيرة الحاسمة بصدد أوضاعها. في هذا الجو انطلقت برامج التنمية في جميع البلدان، ولنا أن نتأمّل في النتائج الكارثية التي ترّتبت على هذه الخدعة العظمى.

وهكذا سرعان ما اتضح للمستعمرات السابقة أنّ استقلالاتها شكلية، وأنّ هيئة الأمم خلبية، وأنّ برامج التنمية الدولية احتيالية، استعمارية، غير أنّ الأمر اقتضى حوالي ثلاثين عاماً قبل أن تنكشف الخدعة، وقبل أن يبدأ زعماء الجنوب بمراجعة ما آلت إليه أوضاع بلادهم من دمار شامل! وفي المقابل كان الأثرياء أعضاء مجلس الإدارة، أو مجلس الأمن، يلتهمون بنهم وحشي احتياطيات العالم قبل انتباهه لخدعتهم، ومن أجل الحفاظ على مواقعهم وعلى طراز الحياة في بلدانهم، إلى الحد الذي لم تعد معه موارد العالم كافية قياساً بهدرهم وبذخهم. وعندما انكشفت الخدعة التنموية، أو كادت تنكشف، أسفر المرابون عن وجوههم، وبدأوا عمليات إرغام الأمم على التنازل والخضوع أكثر، أي على إضعافها وإفقارها أكثر، فكان أن ظهرت الريغانية/التاتشرية بكل وقاحتها وفظاظتها، داعية إلى العودة لليبرالية الوحشية الأولى، أي إلى حق القوي في قتل الضعيف والاستيلاء على لقمة عيشه، وهو ما أعلنته لاحقاً حكومة جورج بوش الابن بصراحة ما بعدها صراحة. لقد كان أهم ما أنجزته المرحلة الريغانية/التاتشرية هو تبديد حركات التحرر، وتعطيل وظيفة هيئة الأمم، التي استنفدت أغراضها وأصبحت بدورها معوّقاً لنشاطات الرأسمال الدولي الربوي، ثمّ إنّ هذه المرحلة بلغت ذروتها بظهور نظام جورج بوش الابن، واحتلال العراق، والتوجه نحو وضع اليدّ الأميركية مباشرة على المنطقة الشاسعة الواقعة ما بين بحر قزوين والمحيط الأطلسي، كقاعدة لنهوض قرن أميركي عالمي! غير أنّ هذا التوجّه انتكس وانكفأ في العراق، ودخل العالم في مرحلة أخرى مختلفة تحتاج إلى قراءة مختلفة. وإنه لمن البديهي أن لا تشغلنا همومنا وآلامنا مهما عظمت عن القراءة الصحيحة للمستجدّات الدولية، لأنّ همومنا وآلامنا ليست نقابية مطلبية، بل مصيرية وجودية.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية