صلاح بوسريفلا يمكن لاتحاد كُتَّاب المغرب أن يستمر بنفس الأشخاص، وبنفس العقليات، وبنفس الأهداف، وآليات العمل القديمة. كما لا يمكن أن تكون هذه المؤسسة الثقافية غنيمةً لحزبٍ، أو لجهةٍ ما، كيفما كان الانتماء العقائدي لهذا الحزب، أو لهذه الجهة. انتهى زمن التبعية و الولاء للحزب. لأن الحزب نفسه اليوم، انهارَ، وأصبح بدون عقيدة. لا أحد يستطيع اليوم أن يعرف إلى أيّ يسار ينتمي حزب ‘ القوات الشعبية ‘ ! ولا إلى أي مصير يتَّجِه. كيف يمكن لحزبٍ، يعيش في غيبوبةٍ سياسيةٍ، أن يكون الحَلَّ لمشكلات اتِّحاد كُتَّاب المغرب، الذي كان هذا الحزب نفسه، هو السبب في ما وصَل إليه الاتحاد، بهيمنته المطلقة عليه؟ إن اتحاد كتاب المغرب، منظمة ثقافية ‘ مستقلة ‘، المثقفون بمختلف انتماءاتهم، ومعتقداتهم الفكرية والأيديولوجية، هم من يشرفون على إدارتها، وتسييرها، وعلى تدبير شؤونها التنظيمية، وهُم من يحضون بعضوية الاتحاد، ليس باعتبارهم أعضاء في منظمات سياسية، أو صحافيين عاملين في جريدة هذا الحزب أو ذاك، بل باعتبارهم منتجين للأفكار، ولهم حضورهم الرمزي، في مجالات الثقافة والمعرفة والفن. فحين يصبح الاتحاد، كما حَدَثَ خلال السنوات العشر الأخيرة، منظمة بدون كُتَّاب، أو منظمةً تُمْنَح فيها العضويات، بحسب الولاءات والانتماءات، أو لضمان الأغلبية العددية، التي كانت دائماً المَنْفَذَ الذي يفرض عودة نفس الأشخاص لنفس المهام، ونفس المواقع، يكون الاتحاد فَقَد استقلاليته، وأصبح سجين حزبٍ، هو في حاجةٍ لمن يحل مشاكله، ويُعيد له الحياة، إذا كان ما زال قابلاً للحياة.
ما يُثير استغراب الرأي العام الثقافي في المغرب، اليوم، هو الحديث عن عودة رئيسٍ سابق للاتحاد، لرئاسة الاتحاد ثانيةً. فآلة الدعاية، وتجييش المُوَالِين، وتسخير بعض الجمعيات الثقافية، وبعض فروع الاتحاد لعقد اللقاءات والندوات، وتسريب بعض الأخبار، باعتبارها ‘ تكَهُّنات ‘، لبعض وسائل الإعلام، حول نفس الشخص، هي إحدى نفس طرق الدعاية، وترويج الاسم وتسويقه، التي كان هؤلاء يقومون بها، لاحتلال المؤسسات الثقافية، وللهيمنة عليها.
لم يحدث مثل هذا إلاَّ في روسيا، لم يترُك بوتين الرئاسة، إلاَّ ليعود إليها ثانيةً. فهو لم يغادر السلطة، أو الرئاسة بالأحرى، إلاَّ من حيث الشكل، فهو ظل يحرس المعبدَ من داخله، وهو نفسه ما حدث في اتحاد كتاب المغرب. كان الجميع يعرف أن الذين يتعاقبون على تسيير الاتحاد، خصوصاً في السنوات الأخيرة، كانوا يخضعون في قراراتهم لنفس الأوامر، وكان رؤساء الظِّلّ، هم من يفرضون برامجهم، وهم من يملون قراراتهم، ويتحكّمُون فـي سياسـة الاتحاد، وهُم، بالأسف من كانوا سبباً في انهيار اتحاد الكُتَّاب، وفي إغراقه بعضويات سطحية، لِكُتَّابٍ وهميين، وفي استعماله كغنيمةٍ، أو كنوع من الريع الثقافي، وكسلاح لمعاقبة المُخالِفين، وأصحاب الفكر الحُرّ، ممن لا يقبلون بالطاعة، أو بالتبعية والولاء.
هؤلاء القياصرة الجُدُد، هُم من يعملون اليوم على العودة للاتحاد، وهُم من راكموا الأخطاء، والخُروقات، وأفسدوا الحياة الثقافية، بتزويرها، وتحريف معنى الثقافة والإبداع، والعمل الثقافي، و بتشويش مفهوم ‘ القيمة ‘، في القراءة والنقد، وفرز النصوص والكتابات، وفي الترجمة والنشر، وفي خلط الوضع الاعتباري للكُتَّاب والمبدعين، ومنتجي المعرفة. ثمة من هؤلاء من لا يستطيعون الحياة خارج المؤسسة، لأنهم أدركوا جيِّداً أن وجودَهُم، هو وُجودٌ بآلةٍ، وأنهم بدون هذه الآلة، سيكونون محض أشباح.
المطلوب اليوم من المُؤْتَمِرين القادمين، ممن ليسوا تابعين ولا موالين، ممن يملكون جرأة في الفكر وفي الرأي، وممن ما زالوا يعتقدون أنّ الاتحاد ما زال صالحاً للعمل، أن يُحَوِّلُوا المؤتمر إلى فرصة لمحاسبة هؤلاء القياصرة المفسدون، وللتدقيق في برامج الاتحـاد، وفي مبادئـه، وفي ميزانيات التسيير، والنشـر والسفـريات، والمعايير التي كان يتبعُها هؤلاء، في منح امتيازاتٍ لأطرافٍ على حساب أخرى، وفي ما عقدوه من شراكات، وبرامج، مع بعض دول الخليج، وما استفادوه منها بشكل فردي، لاعلاقة له بالاتحاد، والعمل مع جمعياتٍ ومؤسسات، كانت، دائماً، موضع شك وارتيابٍ.
إن الجُرأة، تقتضي محاكمة تسيير الحزب للاتحاد، من خلال من انْتَدَبَهُم الحزب لهذه المهمة، ومحاسبة الأفراد لِما ارتكبوه في حق هذه المنظمة من اختلالاتٍ عَطَّلَت سيرها، وأفرغوا الاتحاد من الكٌتَّاب ومن المفكرين والمبدعين، ممن كانوا يضفون عليه بُعدَه الرمزي الكبير، وحوَّلوا هذه المنظمة إلى جمعية فارغة من المعنى الرمزي، الذي كان أساس وجودها، واستمراريتها، لأكثر من ثلاثين سنة، قبل الانهيار.
من ينظر في قائمة منشورات الاتحاد، وأسماء المستفيدين من النشر، وفي قائمة السفريات، واللقاءات والندوات، وفي قوائم العضويات التي مُنِحَت في السنوات الأخيرة، سيُدرك، دون جُهْد في التفكير أو التحليل، أن المستفيدين من ريع الاتحاد، هم نفس الأشخاص، الذين ما فتئوا يغرفون من مغارة علي بابا، دون حسيب ولا رقيبٍ، وهُم من يعملون اليوم، كسرب جراد لعودة القيصر لبلاط الاتحاد. فنحن حين نصرخ اليوم في وجه الذين أكلوا أموال الشعب، واقتسموا ثروات البلاد بينهم، وننظر لانهيار اقتصادنا، وانهيار القيم المجتمعية، وانتشار الفقر والبطالة والجريمة، والقتل في الملاعب، باعتبارها من نتائج هذا السلوك الذي رَفَضْناه، دائماً، ونعود لإنتاج نفس هذه السلوكات، في منظماتنا الثقافية، فإننا نعمل على تزكية السرقة والفساد، و الانخراط في أكل أموال الشعب، وسرقة المناصب، دون وجه حق، أو تكريس ثقافة الريع، التي هي بين السموم التي كانت وراء ما نعيشه من أمراضٍ، فتكت بنهضتنا وتقدمنا، وعطَّلت انتقالنا الديمقراطي.
ما أتمناه من هؤلاء الذين هُم رموز للفساد الثقافي، هو أن يتركوا هذه المنظمة تعيش خارج وصاية الحزب، وتعيش بخيال كُتَّابِها، من أصحاب الأيادي النظيفة، ممن يرغبون في تغيير مسار الاتحاد، وإعادة بنائه، وفق رؤية جديدة، تقطع مع ثقافة الريع، الاستفراد واستعمال المؤسسات الثقافية لأغراض حزبية أو عائلية. فما يقوم به هؤلاء، هو نفسه ما قام به زين العابدين في تونس، وما قام به مبارك في مصر، وما قام به القدافي في ليبيا، وما قام بع صالح في اليمن، وما يقوم به الأسد في سوريا.. ألم يعمل هؤلاء على تحويل العام إلى خاص، ألم يستعمل هؤلاء أموال الشعوب، في استثماراتهم الشخصية، وفي شراء ذِمَم المثقفين المخزنيين، ومعاقبة المعارضين وسجنهم أو قتلهم، ممن كانوا يقولون لا، أو يفضحون عراء الإمبراطور؟
إذا كان هذا تَمَّ على مستوى بنيةٍ أكبر، وفي مؤسسات الدولة ذات القرارات الكبرى والحاسمة، فأنتم تُعيدون إنتاج نفس البنية، في مؤسسات أصغر، وأقل أهمية، قياساً بمؤسسات الدولة. نفس الذهنية التي أنتجت هؤلاء، هي ما تصدرون عنه أنتم أيضاً، وهي ذهنيات استبدادية قمعية، لا تؤمن بالاختلاف، ولا بالنقاش. لا مكان للحوار في فكركم، ولا في أخلاقكم، فكيف يمكن لمن يكون بهذه الصورة، وبهذه العقلية، أن يكون ما يكتبه، أو ما يصدر عنه من فكر، جديراً بالقراءة، أو حتى باعتباره فكراً أو إبداعاً؟ ! بهذا المعنى فَهِمْتُ معنى قول فيصل درَّاج، في حوار له، وهو بصدد الحديث عن طه حسين، أن ‘ طه حسين كان مهماً جدّاً على مستوى القيم والمبادئ، وليس على مستوى الأفكار ‘ وأن ‘ عظمته على مستوى السلوك والقيم، تساوي عظمته على مستوى النقد الفكري’. إننا، في ما يجري في اتحاد كتاب المغرب، نعيش أزمة قِيَم حقيقية، ونعيش أزمة سلوك، وفكر، أيضاً.
لقد أصبح الاتحاد، في ما آل إليه من انهيار، وفي طبيعة الذين يَسْتَوْلُون عليه اليوم، ممن هم في القيادة، أو خارجها، ظاهرياً، منظمة بدون قِيَم، وبدون مبادئ، ولا عقيدة لها. فحين كان الاتحاد يصدر عن فكر يساري تنويري، حداثي، لا علاقة له بالسلطة، رغم هيمنة الحزب عليه، كان منظمة ذات معنى ثقافيّ، لأنها، نسبياً، استطاعت أن تضمن لنفسها هامشاً من الاستقلالية، وكان بعض رؤسائها، يدركون قيمة العمل الثقافي، والدور الطليعي للاتحاد، في مواجهة كل الانحرافات، وأشكال التمييع والقتل التي أصبحت اليوم مما يتميز به الاتحاد.
الحروب التي تجري اليوم، داخل مكاتب الاتحاد، وفي مقاهي وسراديب العاصمة، هي حروب فردية، حروب غنائم وامتيازات، وليست معارك فكرية، أو معارك لأجل التغيير والتخليق، والبناء. فحين طالبتُ، في نداء سابقٍ، بعقد ندوة وطنية، أو أيام دراسية حول الشأن الثقافي، بدل عقد مؤتمر للاتحاد، لا أحد رَغِبَ في ذلك، وكانت النتيجة، أن الاتحاد ما زال في قاعة الإنعاش، أو يعيش موتاً اكلينيكياً، وأن الذين يسعون اليوم لعلاجه، هُم قَتَلَتُه. فكيف يمكن للقاتل أن يُنْعْش المقتول، أو من هو في عداد القَتْلَى؟
كانت الدولة أكثر جرأة مِنّا جميعاً في استجابتها للتغيير. فما جرى بعد خروج الناس للشارع من تغييراتٍ، مهما تكن طفيفةً، كانت بين ما يُحْسَب للدولة من حسناتٍ. فهل استطاع الاتحاد، بمنتسبيه، حتى لا أقول بمثقفيه، الذين اختاروا الانحياز لأعمالهم ولمشروعاتهم الشخصية، أن يكـون جـريئاً في تنحية المفسدين، أو فـي تَنَحِّيهِم من تلقاء ذاتهم، وفي إعادة هيكلة هذه المؤسسة المريضة، التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، أو تُحْتَضَر بالأحرى. هذا سؤال، الجواب عليه، لن يكون إلا بالعمل، وليس بالتآمُر، وتبديد الاختلاف، وبانتقال الاتحاد من الأيادي القذرة المشبوهة، إلى أيادٍ نظيفة، لم يدخُلْها الباطل من يمينها، ولا من يسارها.