وفاة الكاتبة البريطانية فاي ويلدون عن عمر يناهز 91 عاما

رحلت صباح الرابع من يناير/كانون الثّاني 2023 الكاتبة البريطانية فاي ويلدون عن عمر يناهز 91 عاما. وقد أذيع النبأ عندما أصدر وكيلها بيانا عائليا مؤكدا وفاتها حيث قال، «ببالغ الحزن والأسى نعلن وفاة فاي ويلدون، المؤلفة ومحررة المقالات والكاتبة المسرحية.. توفيت بسلام صباح 4 يناير/كانون الثاني 2023».

غياب عن الساحة الأدبية

وقد شاءت الأقدار أن ترحل الكاتبة فاي ويلدون بعد فترة من الغياب عن الساحة الأدبية، وفي وقت كانت تستعد فيه للعودة إلى عشاقها ومتابعيها، بعدما قطعت ذلك الصمت الطويل بخطاب موجه إلى أصدقائها ومحبيها نشرته على موقعها الإلكتروني، جاء فيه: أصدقائي وزملائي الأعزاء، لقد انقطعت عن الاتصال لحقبة طويلة، وإني لأعتذر لذلك. فقد دخلت المستشفى ومكثتُ فيه أكبر شطر من العام الماضي. أصبتُ في بداية الأمر بكسر في عظم ظهري ثم بسكتة دماغية، ما آل بي إلى صمتي. وإني اليوم تعافيت بقدر كبير، وإني استمد شجاعتي من تجربة أندرو مار الذي أصيب بسكتة دماغية، وها قد استعاد عافيته وحياته الطبيعية، وإن كانت له بالطبع مزية الشباب. وإني في أثناء غيابي، انفصلتُ عن زوجي وأنا الآن مقدمة على الطلاق منه. وإننا إذا نظرنا إلى مشاكل الآخرين هذا العام، فإن مشكلتي لا تستدعي الانشغال والقلق. أنا الآن في أمان رفقة عائلتي. مع أطيب التمنيات للجميع.
فاي ويلدون».

بين إنكلترا ونيوزيلندا

ولدت الروائية والكاتبة المسرحية وكاتبة السيناريو فاي ويلدون في 22 سبتمبر/أيلول 1931 في مدينة برمنغهام في إنكلترا. وشاءت الأقدار أن تنشأ في وسط أدبي ساهم في غرس شغف الكتابة في نفسها وتوجيهها في مسارها الروائي. فقد اشترك كل من جدها إدغار جيبسون، وعمها سيلوين جيبسون ووالدتها مارغريت جيبسون في كتابة الرواية. وإن كانت فاي ويلدون قد رأت نور الحياة في إنكلترا، إلاَّ أنها نشأت على بعد أكثر من 11 ألف ميل عن مهد ولادتها، في كرايستشيرش في نيوزيلندا، حيث كان والدها فرانك ثورنتون بيركينشو مهاجرا ويشتغل طبيبا. في وقت لاحق عادت فاي ويلدون إلى بريطانيا رفقة والدتها وهي لا تتعدى سن العاشرة. فانتقلت إلى اسكتلندا حيث درست الاقتصاد وعلم النفس في سانت أندروز قبل زواجها من رونالد باتمان، الذي كان يكبرها 25 عاما وعاشت معه أسوأ دراما في حياتها مثلما كشفت عنه في سيرتها الذاتية.

شغلت مناصب متعددة

مهنيا، شغلت فاي ويلدون عدة مناصب مهمة. اشتغلت لفترة وجيزة لدى وزارة الخارجية البريطانية في لندن، وبعدها اشتغلت في الصحافة قبل الانخراط في مجال التأليف، حيث شغلت منصب مؤلفة إعلانات، وكانت بالنسبة لها مهنة ناجحة ومفيدة لم تغادرها إلاَّ في وقت لاحق عندما تفرغت للكتابة ومارستها بدوام كامل. استهلت فاي ويلدون مشوارها الأدبي في عام 1967 برواية بعنوان «نكتة المرأة البدنية» تسافر بنا المؤلفة فاي ويلدون من خلال «نكتة المرأة البدينة» إلى الماضي حيث تخوض في ثيمات ومسائل متعددة مثيرة للاهتمام والجدل معا، من جنس وزواج وعلاقات وما عاشته المرأة في ستينيات القرن الماضي من ظلم واضطهاد ومعاناة.

إنتاج أدبي مثير للجدل

نشرت الكاتبة في مشوارها الأدبي الطويل العديد من المؤلفات التي شملت أكثر من عشرين رواية وخمس مجموعات قصصية والعديد من الأعمال الواقعية، فضلا عن كتب الأطفال. من أعمالها الروائية «سقوط بين النساء» عام 1971، و»الصديقات» عام 1974، و»تذكرني» عام 1976، تتناول كلها علاقة المرأة بالرجل في المجتمع. وعلى الرغم من غزارة إنتاجها الأدبي، تُعدُّ رواية «حياة وعلاقات حب الشيطانة» أفضل وأشهر أعمالها إلى يومنا هذا. وفيها تتناول الكاتبة مرة أخرى موضوع العلاقات بين الرجل والمرأة، من خلال معالجة إبداعية خارجة عن المألوف. فعندما تكتشف بطلة الرواية أنّ زوجها على علاقة غرامية مع روائية رومانسية جميلة تدعى ماري فيشر، يطغى على نفسها الغيظ والحسد، فتتحوّل إلى شيطانة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تقوم بحرق منزل العائلة والاستفادة من التأمين وتنغمس في علاقة جنسية مع رجل سكران، وتنجرف في سيل الانتقام من زوجها الخائن بكل الأشكال الشيطانية. وسرعان ما أثارت روايات الكاتبة فاي ويلدون اهتمام رجال السينما والمخرجين، الذين قاموا بتحويل عدد من أعمالها إلى أفلام ومسلسلات على منوال المسلسل المقتبس من «حياة وعلاقات حب الشيطانة» الذي أطلق على شاشة بي بي سي عام 1986 وأحدث ضجة كبيرة في بريطانيا.

الكاتبة الجريئة

لم تفز فاي ويلدون بجوائز مرموقة، على الرغم من وصولها إلى القائمة القصيرة لمسابقة جائزة بوكر عام 1979، لكنها استطاعت أن تجذب كل الأنظار نحوها بما في ذلك اهتمام لجنة بوكر نفسها، التي اختارتها في فترة ما رئيسة لجنة التحكيم فيها. في تغريدة على تويتر، قالت اللجنة المشرفة على بوكر: «ببالغ الحزن والأسى بلغنا نبأ وفاة العبقرية فاي ويلدون. فضلا عن ترشيحها لجائزة بوكر عام 1979، كانت رئيسة لجنة التحكيم في عام 1983 وألقت خطبة من أشهر الخطب في تاريخ بوكر. نتقدم بأحرّ التعازي وأصدق المواساة لأسرتها وأصدقائها». لم تحقق فاي ويلدون شهرتها بالجائزة وإنما بأعمالها المثيرة وجرأتها التي تتجلى بشكل أكبر في رواية «حياة وعلاقات حب الشيطانة». وفضلا عن كتابتها الصادمة، عُرفت بتعليقاتها المثيرة للجدل حول قضايا المرأة. ففي عام 1998 تعرضت لانتقادات شديدة عندما أعلنت في مقابلة مع مجلة «راديو تايمز» أن الاغتصاب ليس أسوأ شيء تتعرّض له المرأة، إذا بقيت على قيد الحياة وظلت في أمان ولم تظهر عليها علامات بعد ذلك.
ترحل اليوم فاي ويلدون لكن اسمها يبقى منقوشا بأحرف من ذهب في سجل الأدب الإنكليزي، بفضل مؤلفاتها الأدبية المخالفة للمألوف، على غرار رواية «حياة وعلاقات حب الشيطانة»، وبفضل الدراما التلفزيونية والضجة الكبيرة التي أحدثتها الأفلام المقتبسة عن رواياتها، وأيضا بفضل جرأتها وتعليقاتها المثيرة للنقد والجدل.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية