تاريخ مصر تحت أعين معاول الهدم.. نقل رفات الرواد إلى “مقابر الخالدين” يواجه رفض المهتمين بالتراث

حجم الخط
0

القاهرة- “تامر هنداوي”: لم يسلم التاريخ ولا الأموات من مشروعات تطوير القاهرة، فكما عانى الأحياء من المعدات التي هدمت منازلهم لإنشاء جسر هنا أو هناك، طالت أدوات الهدم المقابر التاريخية في القاهرة.

كلمة إزالة باللون الأحمر، يضعها أحد موظفي وزارة التنمية المحلية على أحد المقابر، كفيلة بأن تهدم مقبرة تاريخية تعود لمئات السنين، أو أخرى تعود لأحد رموز السياسة والأدب في القرن الماضي، ويجد أفراد العائلة صاحبة المقبرة، مضطرون للملمة رفات أقاربهم لإعادة دفنها في مقبرة صغيرة حددتها الحكومة المصرية لهم في إحدى المدن الجديدة خارج القاهرة.

كانت آخر المقابر التي أثار هدمها جدلا واسعا، مقبرة الأديب المصري يحي حقي صاحب رائعة قنديل أم هاشم، وقبلها تراجعت السلطات عن هدم مقبرة عميد الأدب العربي طه حسين، بعد تهديد أسرته بنقل رفاته إلى خارج البلاد، كما طال الهدم مقبرة يوسف صديق عضو مجلس قيادة ثورة 1923.

طوال السنوات الماضية، دشن مثقفون وخبراء آثار وفنانون تشكيليون حملات تحت عنوان، أنقذوا جبانات مصر، ولا لإزالة الجبانات، لكن كل محاولتهم لوقف معاول الهدم لم تؤت ثمارها حتى الأن، بل على العكس خرج مسؤولون للحديث عن إقامة حديقة للخالدين تضم رفات كبار الأدباء والمفكرين في العاصمة الإدارية الجديدة، في محاولة لامتصاص الغضب، ما أثار حفيظة المهتمون بالتراث في مصر.

الأزمة دفعت مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إلى تقديم طلب إحاطة الخميس، بشأن ما أثير مؤخرًا عن إزالة أجزاء من المقابر التراثية، خاصة مقبرة الأديب الكبير، يحيى حقي لشق مجموعة من الطرق.

وقالت النائبة في طلبها، إن القاهرة تعد واحدة من المدن التاريخية المتفردة، التي تم إدراجها على قوائم منظمة اليونسكو كممتلك تراث عالمي عام 1979 اعترافا من العالم بأهميتها الكبرى وتأكيدًا على ضرورة الحفاظ المتكامل على نسيج المدينة التاريخي وما يمثله من قيم حضارية وثقافية وتراثية هامة تلعب دورا بارزا في تأصيل الهوية وتعزيز الانتماء لدى جموع المصريين.

وذكرت أن حدود القاهرة التاريخية تضم أجزاء متعددة من المدينة فضلاً عن منطقة المقابر التراثية، التي تعتبر جزءًا حيويا من القاهرة، ليس فقط كونها أحد المعالم الرئيسية بالمدينة وجزء من مشهدها الحضاري ولكن باعتبارها أهم مقبرة إسلامية في العالم ظلت مستخدمة لهذا الغرض على مدار ما يزيد عن ألف عام.

وبينت أنه في ظل هذه المعطيات، تأتي خطة الطرق والكباري السريعة التي تشكل تهديدا مباشرا على القاهرة التاريخية بشكل عام وعلى الجبانات التراثية على وجه الدقة.

ولفتت، إلى أزمة نقل رفات الأديب الكبير يحيى حقي إلى مدفن متواضع في مدينة العاشر من رمضان، ومن قبله أزمة إزالة مدفن عميد الأدب العربي طه حسين الذي يعتبر ضريحه رمزا لمشروع النهضة المصري في القرن العشرين، وأن أي تهديد لهذه الرموز هو بمثابة انتكاسة وهزيمة منكرة لمشروع النهضة المصرية في القرن العشرين.

مقابر السيدة نفيسة والإمام الشافعي

وتابعت مها عبد الناصر: بالإضافة إلى ذلك تشهد منطقتي مقابر السيدة نفيسة، والإمام الشافعي تهديدات مماثلة هذه الأيام، حيث تم إبلاغ أصحاب هذه المقابر بأن الحكومة سوف تقوم بإزالتها بغرض تطوير المنطقة وشق طرق ومحاور مرورية جديدة، مما يشكل تهديدا مباشرا على التراث الجنائزي للمصريين بوجه عام، وللرواد منهم على وجه الخصوص، مثل مدفن الفريق أحمد باشا حمدي، ياور الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي تم إنشاؤه عام 1891، أي أن عمر هذا المدفن يتجاوز الـ130 عامًا ويحتوي على رفات أربعة أجيال من الأسرة، فضلاً عن قيمته المعمارية والتراثية الهامة.

وأضافت، أنه يوجد الكثير من علامات الاستفهام حول هذه المشروعات ومن يقف وراءها، وأولوياتها مقارنة بالتحديات الاقتصادية للدولة المصرية في الوقت الراهن.

الأزمة الاقتصادية

واختتمت عبد الناصر، بالمطالبة بالوقف الفوري لكل أعمال الهدم والإزالة الجارية للمقابر القائمة في القاهرة التاريخية، مع إعادة النظر في مشروعات الطرق والمحاور المرورية السريعة الجاري والمزمع إنشاؤها هذه الفترة غير الملائمة لطبيعة وخصوصية القاهرة التاريخية، ولاسيما أننا نمر حالياً بأزمة اقتصادية طاحنة تلقي بآثارها السلبية الكبرى على الشعب المصري بأكمله، ولابد أن يكون هناك تعقل ورشادة في أولويات الإنفاق.

ومنذ عام 2014، دشنت الحكومة المصرية أكثر من 600 جسر ونحو 21 طريقا جديدا، بتكلفة أكثر من 85 مليار جنيه (5.3 مليار دولار) حسب وزارة النقل، لكن تلك المشاريع قوبلت بانتقادات من جمعيات مهتمة بالتراث.

حديقة الخالدين

أمام الغضب من إزالة المقابر التاريخية، خرج مسؤولون مصريون، لطرح فكرة مشروع حديقة الخالدين في العاصمة الإدارية.

وقالت وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني: “عملنا على تصميم مقابر للمبدعين من جميع المجالات، وشكل من أشكال المتاحف ومحال بيع تذكارات مرتبطة بالشخصيات”، موضحة أنه مشروع ثقافي استثماري، تخليدا لذكرى المبدعين بشكل مختلف عن الشكل المعتاد للمقابر.

وأضافت: سيكون لهم كمتحف صغير، وأن تنفيذ المشروع ينتظر المناقشة مع الجهات المعنية وبحث إمكانية التنفيذ.

الأمر أثار غضب المهتمون بالتراث واعتبروه فكرة خبيثة، بحسب الدكتورة جليلة القاضي أستاذ التخطيط العمراني في جامعة باريس، ومديرة الأبحاث بالمعهد الفرنسي للأبحاث من أجل التنمية.

فكرة خبيثة

القاضي قالت لـ”القدس العربي”: فكرة إنشاء حديقة الخالدين في العاصمة الإدارية لنقل رفات العظماء فكرة خبيثة، والتاريخ لن يرحم من يروج لها، لأنهم يشاركوا في جريمة غير مسبوقة، وهي إزالة الجبانات التاريخية وطمس معالم تاريخنا والعبث بالمدافن ورفات أجدادنا والاعتداء على حرمة الموتى.

وأضافت: عن أي رفات أو خالدين يتحدثون؟ عن تراكم على مدى أربعة عشر قرنا، عشرات الآلاف من الأعيان والشخصيات العامة، والرواد، ليس فقط على مستوى مصر، ولكن على مستوى المنطقة، من رجال ونساء في جميع المجالات الفن والأدب والشعر والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والعلم، ورجال دين مستنيرين، رواد وأيقونات، كل هؤلاء، الذين تحولت رفاتهم لتراب اختلط بتراب ذويهم سينقلون؟ من أجل ماذا؟ شارع أو جسر.

وزادت: على مستوى الكلفة الاقتصادية، الأفضل تغيير المسارات أو إيجاد حلول بديلة بدلا من هذا الخراب غير المبرر، تخليد الذكرى هي بالحفاظ عليهم في أماكنهم، هذا هو مزار الخالدين الحقيقي وأي بديل سيُصبِح مسخا مثيرا للشفقة والعار.

وتابعت: لنفترض أنهم يريدون تخليد ذكرى هؤلاء بنصب تذكاري، حسن افعلوا ذلك في مدينتكم البائسة دون المساس بالمدافن التي يرقد بها الخالدين وأهاليهم، واختلطت فيها رفات الجميع.

وواصلت: هل سمعتم عن بستان العلماء في قرافة المجاورين الذي يضم رفات مئات العلماء والأعيان وأولياء الله والمتصوفة.

وختمت: لن نكف عن نشر الوعي الأثري ولا عن نشر الحقائق ولا عن إدانة الجرائم المتمثلة في الاعتداء على حرمة الموتى التي ترتكب في حق تاريخنا.

خط زمني ممتد

‏الباحث زيزو عبده مؤسس مبادرة سيرة القاهرة قال لـ”القدس العربي”: المقابر ليست فقط أماكن دفن بل خط زمني ممتد يحكى تاريخ لأعلام وسير تحوي رموز ودلالات وموثيقات شعبية.

وأضاف عبده: “على مر التاريخ أهتم المصري بصياغة عنوانه الأخير بأمر بالغ الدقة وزرع مواطن الجمال في مقبرته حيث رقدته الأخيرة، إذ من الممكن قراءة التاريخ من الجبانات فهي أشبه بمجلد تاريخ مبعثر غير مفهرس، ملقى في ظواهر المدينة العجوز، يؤطرها كخرطوش ضخم يتألف بداخله الميراث المصري الحقيقي”.

وزاد: لعل أهم تلك المواضع الساكنة في وجدان المصريين هي من اختص بها الذكر لآل البيت حتى وإن لم تحو جثامينهم لكنها بمثابة بؤر لامعة ونقاط نورانية أطلق نحوها المصريين سهام العشق ونسجوا حولها خيوط التبجيل والاحترام، كل آل البيت لهم عند المصريين محبة خالصة ولكن للسيدة نفيسة- تحديداً- حب مضاعف وعشق متصل وزيارة دائمة.

مظاهر فنية

وختم حديثه قائلا: “بنظرة أفقية على تلك الجبانات والأحواش الموجودة في القرافة، فكل منها يحتوي على مظاهر فنية مهمة، ووحدات زخرفية. فالقرافة منذ العهد الإسلامي وحتى أسرة محمد علي وبعدها وحتى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، سنجد أن هناك كتلا حجرية فنية موجودة على كل المقابر من خلال شواهد القبور التي تميزت بها أسرة محمد علي، ونصوصا تأسيسية منذ العهد العثماني غير الآثار المملوكية المتناثرة”.

حملة توقيعات

إلى ذلك دشن عدد من المهتمين، حملة توقيعات على نداء إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، طالبوا خلاله بالتوقف عن هدم مقابر القاهرة التاريخية لإقامة مشروع “حديقة الخالدين”.

طلب إحاطة في مجلس النواب لوقف هدم المقابر التاريخية.. وحملة توقيعات ونداء للسيسي لإلغاء مشروع “حديقة الخالدين”

وطالب البيان رئيس الجمهورية بحماية رفات كل المصريين وكل من اختار مصر فدُفن فيها.

وأوضح الموقعون على البيان، أن جبانات مصر هي جزء من التاريخ إذ ذكرها المؤرخون والرحالة وهي قبلة للسائحين والدارسين للعمارة والفنون من الخط العربي والتذهيب والنقش على الحجر، حسب نص البيان.

وقال البيان: “نحن أبناء هذا الوطن نعبر عن صدمتنا الشديدة من اقتراح البعض بالمخالفة لتصريحكم ووعدكم بالحفاظ على مقابرنا ذات القيمة المعنوية والمعمارية، وذلك من أجل إنشاء ما أسماه الداعون حديقة الخالدين”.

وأضاف “فبدلا من صون كنوزنا التراثية التي تتجلى في المعمار الفريد للقرافة وقيمتها المعنوية التي عبرت 12 قرناً من الزمان تتخطى عمر القاهرة دون أن تمس، تأتي هذه الدعوة بنقل بعض المقابر لمكان مستحدث وغريب عن ثقافة المصريين فنكون استبدلنا الأصل بالمستغرب”.

وتابع البيان: المكان الحالي للمقابر هو بالفعل (مقابر الخالدين) من أهل مصر والعالم العربي الذين اختاروا أن يدفنوا في هذا المكان. أعلام الفكر والفن والإنسانية وشهدائنا الذين رقدوا في سكينة وسلام واحتضنهم تراب الوطن الذي خدموه وعشقوه بجوار الصالحين والأولياء. فالموت عند المصريين له قدسية أياً كانت ديانتهم فهذا موروث تفردت به مصر.

وفي 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، تم كشف مذكرة بشأن المدافن التي وقعت في نطاق الإزالة في مشروع تطوير محور صلاح سالم من محور جيهان السادات حتى حديقة الفسطاط بامتداد 6 كيلومترات، تتخللها جبانات المجاورين وباب الوزير وسيدي جلال والسيدة نفيسة والطحاوية والإمام الشافعي وسيدي عمر، وكذلك التطوير بمحور الشهيد وإعمار مدينة نصر. وقد لوحظ أن عناوين المنتفعين لبعض المدافن قديمة وأن المنتفعين الحاليين لم يستدل على عناوينهم.

وفي عام 2020 أثير جدل بشأن عدد من المقابر في منطقة منشأة ناصر في قلب القاهرة التاريخية، يُزعم أنها “جبانة المماليك” وتعود لنحو 5 قرون من أجل إنشاء جسر.

وتعد مقابر المماليك أقدم جبانة إسلامية في مصر، وتحتل موقعا متميزا وسط العاصمة، وكانت تسمى قديما بـ”صحراء العباسية” إذ وقع اختيار المماليك عليها لتكون مضمار لسباقات الخيل، وفي النصف الأول من القرن الثامن الهجري بدأ ملوك مصر وأمرائها بإنشاء المساجد والخوانق بهذه المنطقة والحقوا بها مدافن لهم.

فرغم تأكيد السلطات المصرية اهتمامها بالقاهرة التاريخية، يقول مهتمون بالتراث إن السلطات المصرية أزالت عشرات المدافن، من بينها مقابر شخصيات تاريخية، في منطقة “قرافة المماليك”. وهي مقابر سجلت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو وتعود للقرن السابع الميلادي، وتضم مدافن سلاطين وأمراء من المماليك وشخصيات تاريخية وكثير من العامة.

ونفت الحكومة مرارا أن يكون أي من المدافن التي يجري هدمها مسجلة في عداد المباني الأثرية، مؤكدة حرصها على الحفاظ على المناطق الأثرية.

لكن في السنوات الأخيرة، كررت اليونيسكو شكواها من “الإهمال الذي تتعرض له المنطقة”، وهددت بشطبها من قائمة التراث العالمي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية