عمان ـ «القدس العربي»: ضمن «ملتقى السبت الإبداعي الذي يقام في رابطة الكتاب الأردنيين بالتعاون مع جمعية النقاد، أقيمت ندوة لمناقشة كتاب «تحولات القصة القصيرة في تجربة محمود شقير» لمحمد عبيد الله، أدارها غسان عبد الخالق.
تضمنت الندوة عددا كبيرا من المشاركات والأوراق المقدمة، على خلاف ما يحدث في العادة في مثل هذه الفعاليات الثقافية، حيث بدأ الحديث صاحب الكتاب، الذي استوقفته تجربة شقير في مجال القصة القصيرة جدا، حيث اعتبره من أبرز الكتاب العرب الذين رسّخوا كتابة القصة القصيرة جدا، من الناحيتين: الكمّية والنوعية، يضاف إلى ذلك «الوعي النقدي» حيال هذا النوع، وهو ما يظهر في شهادات الكاتب وكتاباته المرافقة لتجربته القصصية. وأضاف عبيد الله:» عندما نتأمّل الشريط اللغوي في قصص شقير، نجده شريطا قصيرا مدروسا، وكأنه تعرّض فعلا للحذف والتكثيف، وصيغ بأسلوب يجمع بين العمق والكثافة، سواء عبر اختيار الكلمات أو عبر التراكيب المستخدمة، والتصرف في التقديم والتأخير، والإفادة من طاقات الجملة العربية، واللعب على البنية السطحية والبنية العميقة، واختيار الأساليب المناسبة والموائمة للحالة المسرودة، مع مقدرة لافتة على صياغة الجمل المكتملة القاطعة، وعلى تقنيات الانتقال و»التخلّص» من موقف إلى ثان بإيقاع منظم وسلاسة».
كما تحدث عبيد الله عن المظاهر الشعرية التي تتميز بها القصّة، موضحا «تتمثل اللغة الشعرية في المحتوى الوجداني الحاد الذي تتقصّد إثارته والتعبير عنه. وهي تتمثّل أيضا في اللغة التي تتظاهر بالتقشّف والزهد الجمالي، ولكنها – وهي تفعل ذلك – تلجأ إلى تقنيات صياغة الجملة الشعرية في إبرازها للغة والحرص على كثافتها وتعبيريّتها، وتبتعد عن اللغة القصصية ذات الطابع النثري، وكثيرا ما تكون بداية القصة أو لحظتها الافتتاحية أقرب إلى تنوير شعري يفجّر الحالة من منتصفها، بالاستغناء عن البدايات التمهيدية المعروفة في الكتابة القصصية الاعتيادية».
كما قدم الاديب محمود شقير ورقة بعنوان «كتاب نقدي متميز» قرأها بالنيابة عنه زياد ابو لبن، مشيرا إلى السمة الأبرز فيه، وهي أنها لا تطلق الأحكام جزافًا، ولا تعمد إلى التعميمات الفضفاضة، بل هي تحلل النتاج الأدبي من وجوه شتى، وتعتمد في إطلاق الأحكام على منهج نقدي متكامل أو على اجتهادات نقدية ملائمة، وتخرج من ذلك كله باستنتاجات من شأنها أن توسع النظرة للأدب، وأن تسهم في تطوير الكتابة الإبداعية بفتح آفاق جديدة لها للدخول فيها.
واختتم شقير حديثه بإلقاء الضوء على ضعف اهتمام النقاد بالقصة القصيرة جدا، مبينا: «لن أجانب الحقيقة إذا ما قلت إن هذه الدراسة التحليلية المعمقة للقصة القصيرة جدًّا ستمهد الطريق لتعزيز مكانة هذا الجنس الأدبي. ذلك أننا ما زلنا نعاني من ضعف اهتمام النقاد بالقصة القصيرة جدًا، ومن عدم بلورة أسس فنية راسخة لكتابتها، ما يجعل أنماطًا أخرى من الكتابة كالخاطرة والأمثولة الأخلاقية والأهجية السياسية تنتشر في الصحف وفي المواقع الإلكترونية على أساس أنها قصص قصيرة جدًّا، وهي ليست قصصًا بطبيعة الحال».
أما كلمة ملتقى القصة القصيرة جدا فقدمها القاص محمد البرغوثي الذي ناقش أهمية هذا المنجز، مشيرا إلى اللقطات المتباينة في التجربة الشقيرية، التي تسعى لخلق حالة من التوازن في الإيقاع الدرامي، من تنويعٍ في خيوط اللعبة وتـَتبّع تقاطع مستويات القضية الفلسطينية عن طريق عرض نماذج من الحب من تاريخ المدينة القديم والارتباط الثنائي ذي الطابع العاطفي شديد الحضور في متوالية مدينة الخسارات والرغبة. وتابع البرغوثي: «إنها عجائبية الواقع الفلسطيني وسلاسة المتخيل لدى الكاتب الذي يستحضر شخصيات من بطون الكتب؛ كدونكشوت، والجندي الطيب شفيك، وسعيد أبو النحس المتشائل، ثم يخلط الشخصيات والأزمنة والأمكنة في سياقات كابوسية، ويجعل المأساة الفلسطينية تخترق هذه الشخصيات بأزمنتها وأمكنتها، ليخبرنا أن هموم البشر متشابهة، وأن المأساة الفلسطينية همّ انساني جدير بالتضامن والتعاطف في مخيلة قادرة على دمج الشخصيات المركبة والإشكالية في توليفة فنية جيدة».
إضافة إلى قراءات مختارة من قصص محمود شقير قرأها القاص عيد بنات ومنها نذكر
اختطاف
أحضرت الحصان إلى غرفتها، ثم قيدته من قوائمه، وربطت عنقه إلى ساق السرير، وأمرته أن يكف عن الصهيل، كيلا يستيقظ الجيران، فتجأر حناجرهم بالصياح والغضب، أو تذهب بهم الظنون حد اتهامها بإحضار كائنات غريبة إلى غرفتها بعد انقطاع السابلة وانطفاء الأضواء.
أذعن الحصان لرغبتها كما أعتقدت، ثم نامت مطمئنة فوق سريرها كما لم تنم منذ أجيال.
أستيقظت صباحا فلم تجد أثرا للحصان ولا لسريرها الذي فر من تحت جنح الظلام. حدث هذا لدهشتها البالغة والباب ما زال موصدا من الداخل تماما مثلما كان قبل أن ينام الحصان.
وحين فتح مجال النقاش في نهاية الندوة شارك فيه عدد من كتاب القصة القصيرة جدا والنقاد والحضور، كالناقد أحمد الغماز وأحمد دحبور، تناولوا قضايا النوع الأدبي وتجربة محمود شقير وريادتها إضافة إلى مستقبل هذا النوع عربيا وعالميا.
آية الخوالدة