حكومة إسرائيلية تهدف لإشعال الحرائق والسيطرة على الأقصى

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

حدثان طغيا على النقاش في موضوع السياسة الفلسطينية- الإسرائيلية، وكان الأول الذي ترك تداعيات محلية وإقليمية ودولية، هو اقتحام أو قل تسلل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الحرم القدسي في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء الثالث من كانون الثاني/يناير الجاري والثاني هو الإفراج عن أقدم سياسي فلسطيني في العالم وهو كريم يونس الذي تركته قوات الأمن الإسرائيلية، أيضا في الساعات الأولى من صباح الخميس، وحيدا قرب محطة حافلات مركزية في رعنانا وسط إسرائيل ومنح بطاقة للعودة إلى بلدته عارة التي لم يرها منذ أربعة عقود. وطريقة الإفراج كانت مقصودة لأنها مرتبطة بوزير الأمن القومي بن غفير الذي هدد بالتشديد على أوضاع السجناء الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية.
وفي الحالتين كان بن غفير المدان سابقا في قضايا إرهاب يهدف لفحص الأجواء وخاصة في موضوع الأقصى الذي اقتحمه قبل أن ينضم للحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل وأعادت بنيامين نتنياهو إلى مركز السياسة الإسرائيلية وللمرة السادسة من خلال تحالف مع قوى متطرفة جدا داخل إسرائيل وهو التيار الذي ظل يغذيه ويرعاه طوال حياته السياسية ومنحه بالتعاون معه شرعية سياسية وأخرجه من الهامش إلى التيار الرئيسي. وتنازل له وهو الملاحق قضائيا عما يريد فيما يتعلق بالاستيطان والتعامل مع الفلسطينيين والقدس التي أصبحت ومنذ دخول أرييل شارون للحرم القدسي في عام 2000 بطاقة اليمين للسياسة الإسرائيلية، وبعدها أصبح شارون الذي فجر الانتفاضة الثانية وداهم المدن الفلسطينية وحاصر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات رئيسا للوزراء.

درس شارون

ويبدو بن غفير طامحا بدخول الحرم القدسي، فقد هدد حركة حماس في غزة التي حذرت من أي تصعيد قائلا إن إسرائيل لا تستسلم لأي أحد وتستطيع الرد من حديد. ورأى المعلق البريطاني جوناثان كوك في مقال بموقع “ميدل إيست آي” (5/1/2023) أن بن غفير لم يهدر أي وقت لكي يظهر للرأي العام الإسرائيلي من لديه اليد العليا في الحكومة، فبدخوله الاستفزازي للأقصى، كان يتلاعب بالنار وأطلقت عليه الصحافة الإسرائيلية صفة أخطر رجل في الشرق الأوسط، فبن غفير يعرف أن أي محاولة للتحريض ستؤدي إلى صدامات ومعارك، ولكن من سيحاسبه على تصرفاته؟ رئيس وزراء أصبح رهينة للأحزاب فوق القومية التي باتت ورقة إنقاذ له؟ أم الشرطة التي أصبحت تحت قيادته وطوع أوامره؟ وكانت رسالته لأتباعه أنه لا يخضع لأوامر أي أحد عندما يتعلق بأيديولوجيته المتطرفة.
أما الرسالة الثانية، وهي محاولة استفزاز زعيم القوة اليهودية حربا دينية، واحدة يحاول من خلالها هو وأتباعه المتحمسون إخضاع المسلمين، وسيكون الأقصى بمثابة برميل البارود التي يشعلها. ولم تؤد زيارته الأخيرة للتصعيد الذي يريده ولا ما حذرت حماس منه، وهو اندلاع العنف، لكن بن غفير سيعود بالتأكيد مرة ثانية للحرم القدسي. وربما حرض أكثر وواصل ما بدأه قبل مشاركته في الحكومة، حيث قال إنه يريد الطلب من نتنياهو منح اليهود والمسلمين حقوقا متساوية في الحرم القدسي. ورغم الشجب العربي وخاصة من الأردن الوصي الرسمي على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة والسلطة الوطنية ودول عربية إلا أن بن غفير سيفرح لردود الفعل غير الفعالة، فهو بالتأكيد يستند على سابقة شارون في أيلول/سبتمبر 2000 والتي أنهى فيها أي وعد بالدولة الفلسطينية التي نص عليها اتفاق أوسلو، ولم يكن الفلسطينيون قادرين على مواصلة انتفاضة كلفتهم الكثير من الأرواح والدمار وربما كان بن غفير يهدف إلى تحقيق هدف مماثل وهو إنهاء ما تبقى من السلطة الوطنية، وقد يكون استخدام الحس الوطني الشوفيني والشرعية التي منحها له نتنياهو سبيلا ليحقق ما حققه شارون من قبل.
واللافت أن اقتحام بن غفير للأقصى كما وصفتها صحف إسرائيلية هي خطوة موجهة ضد الوضع القائم في الحرم الشريف وهي مجموعة من المبادئ التي اتفقت فيها الدولة العثمانية مع القوى العظمى حول تأكيد السيادة الإسلامية على الحرم الشريف وتنظيم دخول غير المسلمين إليه. وفي الحقيقة كما يقول كوك وزميله الآخر بيتر أوبوبورن هي أن إسرائيل تتجاوز الوضع القائم منذ وقت طويل، فهي التي تتحكم بمداخل الحرم الشريف وتنظم دخول المصلين ولهذا السبب كان الاقتحام سياسيا للحرم قبل عقدين، ولكن اقتحام بن غفير لم يحقق الأثر السابق.
والحقيقة أنه منذ زيارة شارون أصبح الأقصى في مركز السياسة الإسرائيلية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ولم يعد هناك فرق بين القومية اليهودية والمشاعر الدينية، وبات الأقصى العامل الموحد للمجتمع اليهودي المنقسم بشأن الدين. وأصبحت ملكية الأقصى بمثابة ورقة ملكية للأرض من قبل اليهود أو كما قال شارون بأنه “أساس وجود الشعب اليهودي وأنا لست خائفا من شغب الفلسطينيين”. وعندما أصبح رئيسا للوزراء، قام بفرض نظام على الأقصى سمح فيه للمسلمين ولليهود بالدخول إلى ساحته. ولم يتبق اليوم الكثير من مبادئ الوضع القائم، ويمكن للملكية الإسلامية للحرم أن تحدد في الوقت الذي يريد فيه الإسرائيليون. ولا يسمح لأهل غزة الذين تحاصرهم إسرائيل دخول الحرم وبشكل دائم. وفي الوقت نفسه يقوم الجنود بزيهم العسكري والمتدينون اليهود والمستوطنون بقبعاتهم بالصلاة في الساحة أثناء الزيارات تحت حراسة الأمن الإسرائيلي. وفي ظل ضعف نتنياهو، يأمل بن غفير بتوسيع السيطرة على المكان لأقصى حدوده، ومنح اليهود الأولوية للصلاة كما في الحرم الإبراهيمي بالخليل. ولو تم توسيع السيطرة الإسرائيلية على الحرم الشريف في الأقصى، فستقوم بمعاقبة المصلين المسلمين ومنعهم من الدخول للحرم.

تغيير الصورة

لكن الأمر لا يتعلق بالدخول بل يريد إيتمار بن غفير وأتباعه تدمير الحرم بشكل كامل وبناء الهيكل. وقال مثل هذا الكلام في أيار/مايو ووضع صورة تدعو لتدمير الأقصى وبناء معبد الهيكل مكانه. ولدى بن غفير القوة الآن لكي يشعل النار لكنه لن يكون من يشعل عود الثقاب، فتحت سيطرته قوات الأمن وحليفه بتسئليل سمورتيش الذي يسيطر على سياسات المناطق المحتلة، فإطلاق الرصاص الحي من الجنود، وتوسيع المستوطنات وتدمير المنازل وبناء خط كابل يصل قريبا من الأقصى لجلب السياح اليهود إلى جانب تصرفات المستوطنين بالضفة كفيلة بأن تزيد من نقاط التوتر الفلسطينية- الإسرائيلية. وباستطاعة بن غفير جعل حياة المعتقلين الفلسطينيين أكثر بؤسا وقد وعد. ويجد الفلسطينيون في الأقصى نقطة التجمع والتعبئة لأنه رمز هويتهم الدينية والوطنية لشعب حرم من رموز الوطن. ويركز حلفاء بن غفير من أمناء جبل الهيكل على عيد الفصح اليهودي الذي يتزامن هذا العام مع منتصف رمضان في نيسان/إبريل، ويريد هؤلاء من الشرطة السماح لهم القيام بطقوسهم وذبح الشياه المرتبطة ببناء الهيكل اليهودي مكان الأقصى. في كل عام تحاول الشرطة منعهم لكن بن غفير هو من سيقرر هذه السياسة في هذا العام. وترى الباحثة تومير بيرسكو، التي بحثت في جذور بن غفير الكاهانية إنه وخلافا لمرشده مائير كاهانا لديه “ميكرفون” أي صوت في المؤسسة الإسرائيلية، أما كاهانا فقد رفضته المؤسسة.

أوج استراتيجية السيطرة

وقبل 3 أعوام أصبح بن غفير داخل السياسة الإسرائيلية، وبمركزه الوزاري الآن فلديه أداة لكل يفعل ما يريد. أي سحق الوضع الراهن كما يرى أوبورن في مقاله بـ”ميدل إيست آي” (4/1/ 2023) وقال إن اسرائيل باتت تتجاهل الوضع القائم المتفق عليه منذ معاهدة برلين في عام 1878 وبعد عام 1967 التزمت إسرائيل بالوصاية الهاشمية وأمر وزير الدفاع في حينه موشيه دايان الجنود الخروج من ساحة الحرم واعتبرت الحاخامية اليهود الذين يقتربون منها بأنهم عصاة. لكن الأمر تقوض على مدى العقود وأصبحت الاقتحامات منذ عام 2017 أمرا منتظما. بالنسبة للفلسطينيين، تمثل زيارة بن غفير أوج الاستراتيجية التي تنتهجها دولة إسرائيل والجماعات اليمينية منذ عقود لتهويد المدينة والتخلص من تراثها الفلسطيني الأصيل. ونقل عن أحد مسؤولي الأوقاف، وهي الهيئة التي تدير الأقصى الذي قال: “تنتزع إسرائيل بالتدريج الصلاحيات من الأوقاف.”
وأضاف إن بعض اليهود المتدينين دخلوا الأقصى وهم يحملون الأعلام الإسرائيلية أو يغنون النشيد الوطني. وكان آخرون يؤدون الصلوات اليهودية على الملأ. وتسيطر القوات الإسرائيلية بشكل كامل على باب المغاربة، والمخصص لدخول غير المسلمين، بما يعني أن حراس الأقصى ليست لديهم صلاحية منع الجيش الإسرائيلي من الدخول إلى الموقع، وفي ذلك انتهاك سافر للوضع القائم.
وخلال السنوات الأخيرة اعتدت القوات الإسرائيلية على الأقصى في العديد من المناسبات، حيث اقتحمت الشرطة المصلى القبلي واعتدت على المصلين، في انتهاك خطير آخر لاتفاق الوضع القائم. وكما يقول أحد كبار المسؤولين الأردنيين: “ما فتئت إسرائيل، وبشكل متزايد، تشير إلى العرب باعتبارهم مستأجرين سوف يتم في نهاية المطاف إخلاؤهم بدلاً من اعتبارهم جيراناً لهم حقوق.”

اربان إسرائيل

ويرى المعلق الإسرائيلي ألوف بن في مجلة “فورين أفيرز” (3/1/2023) أن نتنياهو يلعب بالنار وعاد إلى السلطة عازما جعل إسرائيل أكثر استبدادية وعنصرية، ومن أجل ترسيخ اليهودية الأرثوذكسية على حساب حقوق الإنسان، وتقويض استقلالية السلطة القضائية.
ويقول إن احتضان نتنياهو للمتطرفين يمنحه فرصة لا تعوض لتفكيك نظام الدولة الحالي الذي يعتبره معاديا وغير محترم لقيادته. ومع ذلك، لا يمكن نفي حقيقة أن النظام السياسي في إسرائيل على وشك أن يصبح استبداديًا بالكامل، بينما الضفة الغربية على وشك الانفجار، في ما يبدو أن نتنياهو يلعب بالنار. ورآى أن نتنياهو يحاول لعب دور الليبرالي والراديكالي كما فعل طوال حياته السياسية. أي تطمين الخارج بأنه قادر على كبح جماح المتطرفين من جهة وإغراء الجانب المتطرف بأنه ملتزم بتعهداته معهم. وبالنسبة للفلسطينيين، فمن المرجح أن تؤدي إجراءات الحكومة إلى تفاقم الوضع المتدهور بالفعل، فقد شهدت الضفة الغربية تصاعدا في أعمال العنف.
ومع تضاؤل الرقابة المحلية على سلطة نتنياهو، ستلعب الدول الخارجية دورا حاسما في تحديد عدد السياسات الاستبدادية والعنصرية التي يمكن أن يضعها موضع التنفيذ. سيعترض الرئيس الأمريكي جو بايدن على أكثر الإجراءات تطرفا. ومع ذلك فمن غير الواضح إلى أي مدى سيواجه المجتمع الدولي حكومة إسرائيل الجديدة، بخلاف تقديمه انتقادات رمزية. فعلى سبيل المثال، كثيرا ما انتقد أوباما نتنياهو للسياسات التي ينتهجها تجاه الفلسطينيين، لكنه تجنب اتخاذ تدابير ملموسة، على غرار دعم قرارات الأمم المتحدة الأكثر صرامة، التي من شأنها أن تجبر رئيس الوزراء على عكس قراراته، يصبح النسخة الإسرائيلية من فيكتور أوربان، وأن يحيد القضاء، ويفرض قبضته على وسائل الإعلام، ويجعل من المستحيل على الإسرائيليين أن ينزلوه عن عرش السلطة. وفي هذه الحالة، سيتعين على معسكر “فقط لا لبيبي” أن يضع خلافاته جانبا ويعيد توحيد صفوفه حول الكفاح من أجل الحريات المدنية وحرية التعبير والمساواة إذا كان يريد إنقاذ ما تبقى من ديمقراطية إسرائيل الهشة.

مواقف دول التطبيع

في الوقت الذي لن يغير المجتمع الدولي من سلوك نتنياهو وزمرته، تشكك مجلة “إيكونوميست” (3/1/2023) من تغير مواقف دول التطبيع من الحكومة الأكثر تطرفا في إسرائيل، وأشارت أن إيتمار بن غفير كان من ضمن المدعوين على حفل أقامته السفارة الإماراتية باليوم الوطني في كانون الأول/ديسمبر وبعد شهر شجبت الإمارات اقتحامه للأقصى الأسبوع الماضي. وكعادة المجلة فقد أعادت حديثها عن النظام العربي الرسمي الذي لم يعد يهتم كثيرا بالقضية الفلسطينية. وزاد هذا بعد اتفاقيات إبراهام عام 2020 حيث وقعت الإمارات والمغرب والسودان والبحرين اتفاقيات دبلوماسية مع إسرائيل. وتعتقد أن حكومة نتنياهو ستكون بمثابة امتحان للعلاقات الجديدة، وخاصة أنها ستضع في قلب سياساتها الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان. وقالت إن الدول العربية لا تبدو راغبة بالضغط عليه، فقد هنأ قادة الإمارات ومصر والبحرين نتنياهو بعد تأكيد حكومته ووصفه وزير خارجية البحرين بـ”رجل السلام”. وتقول إن دولا عربية لا تزال داعمة للقضية الفلسطينية، كما بدا واضحا في كأس العالم بقطر العام الماضي. وكشف استطلاع لمعهد واشنطن المؤيد لإسرائيل أن نسبة المؤيدين لاتفاقيات إبراهام وصلت 25 في المئة في الإمارات و 20 في المئة في البحرين، أقل من 47 في المئة و 45 في المئة عام 2020. وفي الوقت الذي تتحول فيه مواقف سعودية، إلا أن اقتحام بن غفير للأقصى هو تذكير باقتحام شارون الذي أشعل الانتفاضة الثانية وقد يؤدي إلى تآكل الدعم لاتفاقيات إبراهام. وتم تأجيل زيارة نتنياهو إلى الإمارات، حيث نسب ربط التأجيل بأسباب لوجيستية، وربما كانت تحركات بن غفير السبب. وقال دبلوماسي إسرائيلي إن السعودية لن تفكر بتطبيع العلاقات قبل أن تتأكد من طبيعة حكومة نتنياهو. مع أنها تربط العلاقات بدولة فلسطينية. لكن قلة تؤمن بإمكانية تحقيق هذا، فقد زار نتنياهو السعودية واجتمع مع ولي عهدها محمد بن سلمان، كما وتشترك السعودية مع إسرائيل في عدائها لإيران وشكها من مصداقية أمريكا. فعلاقات تطبيع قد تحسن من وضعها في واشنطن وتمنح المملكة فرصا اقتصادية. ويأمل نتنياهو بموجة جديدة من التطبيع أثناء فترة حكومته. ولكن الطوابير ليست مصطفة للتطبيع. وتقول المجلة إن دول التطبيع عندما أدت الاحتجاجات في الأقصى لطرد الفلسطينيين من منازلهم وحرب في غزة استمرت 11 يوما أصدرت بيانات عبرت فيها عن عدم رضاها. وعندما سكتت المدافع عادت العلاقات لطبيعتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية