عمان-«القدس العربي»: عمليا مال مراقبون وخبراء وسياسيون في الأردن إلى قراءة قد تكون مغرقة أو وهمية أو مغلقة ومقيدة للمبادرة المرتبطة بالتوجيه الملكي بخصوص ضرائب مادة الكاز التي صدرت توجيهات ملكية بتجميدها مرحليا في فصل الشتاء بهدف التخفيف عن المواطنين.
وهي قراءة تفترض بان التوجيه الملكي الذي يميل إلى إظهار المرونة في التعاطي مع احتياجات المواطنين العامة والأساسية ينطوي على رسالة ضمنية بان سياسة التشدد الحكومية في مسألة الضرائب على المحروقات والسلع الأساسية قد لا تكون هي السياسة المرضية أو التي تحظى مرجعيا بالإقرار والدعم والإسناد خصوصا عند بروز حالات احتكاك مباشرة مع شرائح اجتماعية وقواعد صلبة كانت محسوبة دوما على الولاء للدولة في المجتمع، أو عند بروز احتياجات ملحة لها علاقة بأمن واستقرار المجتمع ومرتبطة بحالة السخط والاستياء العامة من جراء ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وبالتالي لا بد من الإشارة إلى ان القراءة السياسية هنا قد تبالغ في التحليل والتكهن.
لكن رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة حرص بدوره على إعلان استجابة الحكومة وفورا للتوجيه الملكي بخصوص تجميد الضريبة ولاحقا أعلن خصاونة استعداد الحكومة أيضا لتخفيض سعر الكاز إذا انخفضت عالميا.
هذا الخيار يدلل مسبقا على ان تجميد بعض الضرائب خصوصا في المنعطفات والمنحنيات والمنزلقات المرتبطة بالأمن الاجتماعي من الخيارات الممكنة والتي لا ترهق الخزينة ولا تبعد ميزانيتها المالية عن سكتها المرسومة إذا ما أرادت الحكومة تدبير شؤون الملف المالي بإظهار قدر كبير من المرونة والرشد الإداري.
بمعنى ان خيارات تأجيل بعض الاستحقاقات كانت متاحة وفوق ذلك في الشهر الماضي لم تستعملها الحكومة.
لكن خبراء الاقتصاد المقربين من الطاقم الاقتصادي في الحكومة يعتبرون بان الإجراءات رغم انها ليست شعبية تقرر حكوميا مغادرة منطقة الشعبوية أملا في استقرار مستقبلي في ملف أسعار المحروقات. وهي إجراءات ضرورية وصريحة وشفافة لحماية ارتفاع نسبة التضخم وعدم السماح لها بالوصول إلى أسقف ومعدلات قياسية كما حصل في عدة دول أخرى من بينها الولايات المتحدة وكندا وتركيا وحتى لبنان.
وهنا يوافق خبير من وزن البرلماني الدكتور خير أبو صعليك على ان أي سياسات مدروسة بخصوص التضخم وضبطه ستبقى محمودة وتطبق قواعد الحذر من انزلاقات في ملف كلف المعيشة مشيرا لإن الحكومة تتعامل بمهنية مع الوقائع على الأرض.
وعلى هذا الأساس وبعد المبادرة الملكية بخصوص مادة الكاز ثمة من يدعو إلى مراجعة شؤون الحكومة بالإقرار والإسناد الملكي والمرجعي. وثمة من يدعو أو يعتبر ان خطوة مرجعية في هذا السياق إقرار ضمني بان مؤسسة القصر الملكي قد لا تكون متفقة مع برامج التشدد الحكومي بخصوص تفاصيل وجزئيات من بينها تلك المتعلقة بحجب الضرائب على المحروقات وتعديل تلك الضرائب كلما اقتضت الحاجة المرتبطة بالاستقرار العام والجماعي.
ولم يعرف بعد ما إذا كان تجميد ضريبة على أحد أكثر أصناف المحروقات شيوعا في الشتاء مساس مقصود ومبرمج بالنظرية المتشددة والتي تحكم الطاقم الاقتصادي والقائلة بان الحكومة لن تظهر أي مرونة تجاه تخفيض الضرائب على السلع والخدمات مقابل التزامها بعدم زيادة الضرائب وللعام الثاني أو الثالث على التوالي وفقا لما كان يقوله بالعادة أو الآن أصلا وزير المالية الدكتور محمد العسعس.
وبقي بطبيعة الحال مشهد الاحتجاجات الحراكية التي أعقبت إضراب سائقي قطاع النقل ماثلا للعيان أمام أي محاولة سياسية للتحدث عن تهدئة عامة شاملة إلى حد ما بعد سلسلة إجراءات مرنة تضمنت أيضا تخفيض أسعار مادتي الديزل والبنزين نهاية الشهر الماضي.
ولم يعرف بعد ما إذا كانت أجواء الاحتجاج تحت عنوان الوضع المعيشي مستترة وكامنة أو قابلة للعودة لاحقا تحت ستار الضغط الاقتصادي، وتحت ستار العجز في الميزانية وصعوبة الاقتراض هنا وهناك.
لكن المألوف سياسيا في هذه المرحلة على الأقل هو ان السيناريوهات متزاحمة وانه لا أحد يستطيع التوثق الآن حصريا وبصورة مستحكمة من ان أجواء مدن مثل معان والكرك في الجنوب والشارع في ظل حالة عصيان محتملة تحت الضغط المعيشي هي عبارة عن صفحة طويت أم قابلة للقراءة مجددا مع بروز أي مؤشر على أزمة معيشية لاحقا.
ليس سرا هنا حصرا دور العزاء في شهداء الأمن العام ومعها مجالس العشائر شهدت حالة نقدية غير مسبوقة تحت ستار النقاش في مسائل بقيت عالقة من بينها الفساد الإداري والمالي. ومن بينها التوسع في فرض الضرائب وارتفاع الأسعار والتوسع في برنامج التخلص من الدولة الريعية والعودة إلى سياسة تسعير لا تظهر بدورها مرونة في الذهن الجمعي والاجتماعي عموما تجاه الاعتبارات والتحولات الحادة اقتصاديا في العالم والمجتمع الدولي وفي المنطقة والإقليم.