بغداد ـ «القدس العربي»: مع نهاية عام 2022 تفجرت موجة غضب واحباط شعبي وسياسي في العراق ازاء تصريحات رئيس مجلس النواب، ان عشرات الآلاف من المغيبين هم في عداد المغدورين (أي القتلى) وذلك بعد سنوات من التكتم الرسمي عن مصير أولئك المغيبين وأماكن وجودهم والجهات المسؤولة عن خطفهم وقتلهم، فجاء هذا التصريح ليقضي على آخر الآمال بالعثور على أولئك المغيبين، أحياء.
وفور صدور ذلك الإعلان، نظمت العشائر وعائلات الضحايا وقوى سياسية في المدن المحررة (نينوى، صلاح الدين، الأنبار، كركوك، وديالى) تجمعات حاشدة وأصدرت بيانات استنكار وإدانة، لما جاء على لسان رئيس البرلمان، رافعين شعار” اكشف القتلة!”. وشاركت في الحملة مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
وفي هذا السياق نظمت عشائر الصقلاوية في محافظة صلاح الدين، شمال بغداد، تجمعا طالبت خلاله من الحكومة، تحديد مصير آلاف من أبنائهم المفقودين ومعرفة الجهات التي قتلتهم ومكان دفنهم وتعويض ذويهم، فيما انطلقت حملة الإدانة والغضب، من العديد من القوى السياسية السنية، ومنها جبهة الانقاذ والتنمية بقيادة اسامة النجيفي، التي ردت على تصريحات الحلبوسي، وعبرت عن أملها ان تحيط الحكومة الجديدة ملف المغيبين قسرا، بعنايتها وتعمل على غلقه بما ينسجم مع القانون والقيم الإنسانية.
بين 250 ألفاً ومليون مغيب خلال الفترة بين 2016 و2020
وذكرت الجبهة في بيانها، انها عملت على إعداد قاعدة معلومات ضمت أكثر من 10 آلاف مغيب، مشددة ان “هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم” وطالبت بمحاسبة المجرمين وتعويض عائلات الضحايا. ورأت الجبهة ان “هذه القضية إنسانية غير مطروحة للكسب السياسي أو اللعب باحاسيس ومشاعر ذوي المغيبين، ولا يجوز ارسال رسائل سلبية لذوي المختفين قسرا عبر تصريحات غير مسؤولة هدفها التخلص من المسؤولية القانونية والأخلاقية”. وأشار البيان إلى ان “ملف المغيبين أمام الحكومة ونأمل ان نشهد نهاية قانونية عادلة لهذه المأساة التي طالت وما زالت آثارها باقية إلى يومنا هذا، وما زال المجرمين طلقاء لم يقدموا للعدالة”.
اعتراف الحلبوسي
وكان رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، تطرق في لقاء تلفزيوني لقناة محلية إلى عمليات التغييب القسري قائلا: “يجب أن نُصارح الناس بحقيقتهم (المغيبين)، ونغير اسمهم أولا إلى المغدورين وليس المغيبين: مغدورين فارقوا الحياة”.
وشدد الحلبوسي على ضرورة أن “تنصف الدولة ذوي المغدورين عبر شمول عوائلهم بقانون ضحايا الإرهاب، وبالتعويض، أما الاستمرار بتضليل عوائلهم منذ 2014 ولغاية الآن، فغير صحيح… غُيبوا وتم اغتيالهم في تلك الفترة” مضيفاً: “لأكون أكثر جرأة مع الناس الذين خسروا ذويهم وأبناءهم لا ينبغي أن يُستخدم الملف للقدح السياسي ومنح أهلهم أملا بعودتهم، فهذا غير صحيح”.
وكشف الحلبوسي سيطرة “فصائل مسلحة” على منطقة جرف الصخر شمال محافظة بابل التي هجرها أهلها من السنة منذ سنوات. وقال: “إن تحالف قوى الدولة الذي شكل الحكومة الأخيرة، لا يستطيع بسنته وشيعته دخول المنطقة التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة، ولذا لا معنى للحديث عن عودة سكانها النازحين” في إشارة إلى سيطرة فصائل مسلحة متنفذة على المنطقة وعدم السماح بعودة أهلها إليها. وأضاف: “أنا أستطيع أن أكون أكثر جرأة مع الناس، لا يجب أن نترك عوائلهم على أمل انهم (أبناءهم) مفقودون وسيعودون فهذا الأمر مجافٍ للحقيقة تماما”.
والحقيقة ان هذه ليست المرة الاولى التي تكشف فيها قوى سياسية مخاوفها من مقتل جميع المغيبين والمخطوفين والمعتقلين قسرا في العراق في السنوات الأخيرة.
ففي مؤتمر البرلمانات العربية في القاهرة عام 2021 كشف النائب ظافر العاني، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي السابق، إن “المنظمات الحقوقية تتجاهل أو تقلّل من قيمة الاعتداءات على حقوق الإنسان في العراق” لافتاً إلى أن “حقوق الإنسان تتعرض لانتهاكات خطيرة من قبل الميليشيات التي تركب على ظهر الدولة العراقية” فيما أشار إلى “وجود أكثر من 10 آلاف مغيب لا يُعرف مصيرهم وتحرم عوائلهم من دفن رفات أبنائها، أو حتى جبر خواطرهم وتجري عملية اختطاف ممنهج وترويع وقتل للشباب من قادة التظاهرات، ولا يعرف أحد لليوم هوية قاتليهم، كما تمنع الميليشيات 100 ألف عراقي من مدينة جرف الصخر من العودة لمنازلهم، ومثلها مدن أخرى بالعراق في مسعى لإحداث التغيير الديموغرافي”. كما تطرقت العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية وشهود العيان لملف المغيبين، وسط صمت السلطات الرسمية أو الفصائل المتهمة بالمسؤولية عن ذلك الملف.
إحصائيات الضحايا
ومع غياب مريب للإحصائيات الرسمية عن الضحايا، تتفاوت أعداد المغيبين والمفقودين في العراق، وخصوصا خلال الفترة التي سيطر فيها تنظيم داعش الإرهابي على عدة محافظات (من 2014 لغاية 2017) وما بعدها لتصل إلى نحو 28 ألف مغيب حسب إحصاء منظمات حقوقية وسياسيين سنة، بينهم 15 ألفا في صلاح الدين و8 آلاف في نينوى و5 آلاف في الأنبار و2 الف في ديالى.
وأشارت مفوضية حقوق الإنسان إلى “ملف المغيبين” في آب/أغسطس 2020 مؤكدة توثيق 8 آلاف و500 حالة إخفاء قسري في المناطق المحررة ومنها نينوى للفترة ما بين (2017- 2020). وقال نائب رئيس المفوضية السابق علي ميزر الجربا في تصريحات صحافية، إن “المفقودين في المدن المحررة تم اختطافهم من قبل تنظيم داعش والفصائل المسلحة وبعض الجهات الأمنية”.
أما المرصد العراقي لحقوق الإنسان (منظمة مستقلة) فقد كشف مزيدا من التفاصيل عن هذا الملف، إذ ذكر في تقرير نشره على موقعه الرسمي أنه “وثق قضية المفقودين والمغيبين قسراً في العراق للأعوام 2014 – 2022 ويتضمن شهادات لذوي المفقودين والمغيبين قسرا”. وأكد المرصد ان 11 ألف عائلة أبلغت عن فقدان ذويها خلال ثمانية أعوام، وربما هناك عدد أكبر من المفقودين والمغيبين قسراً لكن عوائلهم لم تتخذ الإجراءات القانونية للإبلاغ عنهم”.
وأضاف التقرير الذي صادف صدوره مع الذكرى السنوية لهزيمة “داعش” واليوم العالمي لحقوق الإنسان، أن “الحرب على العراق عام 2003 وغياب سلطة إنفاذ القانون وانتشار الجماعات المسلحة والإرهابية، لعبت أدواراً كبيرة في اختفاء وفقدان عشرات الآلاف من العراقيين خلال العقدين الماضيين”.
العراق واحد من البلدان التي يوجد فيها أكبر عدد من المفقودين بالعالم
وأشار التقرير إلى أنه “خلال الفترة التي شهدت قتالا ضاريا ضد تنظيم داعش وثقت مقاطع مصورة انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وتداولتها وسائل الإعلام حينها، اقتياد مئات الأشخاص المدنيين في مناطق متفرقة من قبل قوات رسمية أو فصائل تقاتل إلى جانب الدولة، وغالبية أولئك الأشخاص لم يعرف مصيرهم بعد”. مؤكدا ان “الحكومات العراقية لم تبذل جهداً حقيقياً لمعرفة مصير المفقودين والمختفين قسرا”.
وتابع أن “المعلومات التي نشرتها اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري في الأمم المتحدة أوضحت أن هناك 420 مكاناً للاحتجاز السري في العراق هذه المعلومات تتطابق نوعاً ما مع مصادر حكومية قابلها المرصد العراقي لحقوق الإنسان وتشير إلى أن السلطات العراقية تعترف في اجتماعاتها الخاصة بوجود أماكن احتجاز سرية”.
الموقف الرسمي
وازاء الانتقادات للتقصير الحكومي في ملف المغيبين، تعهد رئيس الوزراء محمد السوداني “بالتزام العراق بما جاء ببرنامجنا الحكومي من حماية للحريات العامة واهتمام بقضايا حقوق الإنسان” وقال في بيان بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان: “نؤكد مجددا سعينا لتأهيل سبل الالتزام بالاتفاقيات الدولية التي وقع عليها العراق، والتعاطي بمسؤولية وبشكل شفاف مع هذا الملف بوصفه قضية جوهرية ومركزية، وبذل الجهود اللازمة في سبيل إشاعة ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع”.
الميليشيات أخفت الآلاف بحجة محاربة تنظيم داعش
والحقيقة ان الانتقادات لتصريحات الحلبوسي لم تقتصر على عائلات الضحايا والقوى السنية المنافسة، بل امتدت إلى القوى الشيعية التي ترفض بقوة إعادة فتح ملف المغيبين.
وقال عضو مجلس النواب جاسم الموسوي في تصريح، إن “اتهام القوات الأمنية بملف المغيبين في المحافظات الغربية محاولة لإثارة الخلافات والفتن” مدعيا أن القوات الأمنية ومن بينها الحشد الشعبي حفظ دماء المحافظات الغربية من خطر “داعش”. فيما اعتبر القيادي في تحالف الفتح (الذي يضم الفصائل الشيعية) علي الفتلاوي إن “المغيبين الذين تتحدث عنهم بعض الجهات السياسية شاركوا في العمليات الإرهابية لداعش ضد أبناء الجيش العراقي والحشد الشعبي” مدعيا ان “الجهات التي تتبنى إثارة هذه المواضيع تحاول خلط الأوراق على المجتمع من أجل المصالح الشخصية والانتخابية”.
استنكار دولي
ويذكر ان اللجنة الدولية للصليب الأحمر اعتبرت العراق “واحدا من البلدان التي يوجد فيها أكبر عدد من الأشخاص المفقودين بالعالم” إذ قدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي أن العدد يقدر بين 250 ألفاً ومليون شخص، خلال الفترة بين 2016 و2020.
وعقب زيارة اللجنة الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري، للعراق في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قالت كارمن روزا فيلا كوينتانا، رئيسة اللجنة، في ختام الزيارة التي استغرقت 12 يوما: إن “عدم وجود تعريف صريح للاختفاء القسري في التشريع العراقي كجريمة مستقلة أمر مقلق للغاية”. وأضافت “ان الجهات التي كانت تقف وراء عمليات الخطف والإخفاء، معظمها ميليشيات مسلحة أو عصابات أو تنظيمات إرهابية”.
وردا على تصريحات الحلبوسي، دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (منظمة مستقلة) الحكومة العراقية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الأشخاص الذين فقدوا واختفوا قسرا خلال العمليات العسكرية.
ودعا المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي، إلى “ضرورة التعامل مع هذا الملف بشكل مؤسسي متخصص عبر إنشاء هيئة وطنية خاصة بهذه القضية” منتقدا بشدّة “الصمت السلبي للحكومة العراقية وتجاهل التعليق على تصريحات رئيس البرلمان التي تمس مصير آلاف المفقودين والمختفين قسرا، وتركت آلاف الأُسر بلا إجابات على أسئلتها المشروعة بشأن مصير أبنائها”.
وبيّن المرصد “أن الميليشيات المسلحة المتحالفة مع التشكيلات العسكرية الرسمية التابعة للحكومة العراقية تورطت في أغلب الحالات في عمليات الإخفاء القسري، إذ نفّذت تلك الميليشيات حملات احتجاز جماعية بحق السكان، وأخفت آلافا منهم بحجة محاربة تنظيم داعش، ولم تصرح الجهات الرسمية بمصيرهم منذ ذلك الوقت، وتجاهلت التحقيق الجاد في مصيرهم وظروف اختفائهم”.
وذكر المرصد أن “أبرز تلك الحوادث كان في بلدة الصقلاوية شمالي الفلوجة بتاريخ 3 حزيران/يونيو 2016 إذ اختطفت الميليشيات المسلحة المتحالفة مع القوات الحكومية أكثر من 700 مدني من عشيرة البعكاش في نفس اليوم، ولم يتضح مصيرهم منذ ذلك الوقت”.
التحقيقات الرسمية للكشف عن مصير المغيبين «غير جادة»
ولا شك ان قضية المهجرين والمغيبين قسرا، تعد من بين أعقد القضايا وأكثرها خلافا بين القوى السياسية الحاكمة (السنية والشيعية) وذلك لأن القوى الشيعية ترفض الاعتراف بمسؤولية بعض الفصائل، عن خطف المغيبين أو أعداد من خطفوا في مناطق النزاع على أيدي فصائل شيعية مسلحة، حيث ان الاعتراف بالمسؤولية سيؤكد ارتكابها جرائم بغطاء طائفي. ولذا يرى أغلب المراقبين والمنظمات الحقوقية وعائلات الضحايا، ان التحقيقات الرسمية للكشف عن مصير المغيبين “غير جادة” نظرا لأن القوى والفصائل المتهمة بالمسؤولية عن هذا الملف، ما زالت أغلبها في مواقع السلطة وتعجز أي حكومة عن مسائلتها قانونيا.