مؤشرات قوية على تحويل الضفة الغربية لمسار تهريب مخدرات.. والاحتلال يسهل

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله- “القدس العربي”: رغم أن آخر إحصائية صدرت عن جهاز الشرطة الفلسطينية تقول إن هناك انخفاضاً واضحاً في قضايا ضبط المخدرات خلال عام 2022، مقارنة مع السنوات الثلاث التي سبقته، إلا أن ذلك لا يريح العميد عبد الله عليوي مدير إدارة مكافحة المخدرات في جهاز الشرطة الفلسطينية.

فالقلق الكبير لا يتوقف في الدائرة المهمة التي يشرف عليها، في ضوء الظروف التي تعمل فيها، حيث تعيق إجراءات الاحتلال من ممارسة أنشطتها اليومية كالمعتاد، إلى جانب أن تجار المخدرات يطورون دوماً من طرق تهريبهم لهذه الآفة المدمرة.

وبحسب العميد عليوي، فإن تجار ومهربي المخدرات حولوا نظرتهم للضفة الغربية، في السنوات الماضية، بعد أن كانت مكاناً مناسباً لعملية استنبات المواد المخدرة في المناطق القريبة من الجدار، حيث يلحظ مؤشرات تدلل على أنهم أصبحوا ينظرون للضفة على أنها مكان تخزين، بدلالة المؤشرات التي تكشف عنها عمليات الضبط الأخيرة التي قام بها الجهاز.

ويرى العميد عليوي أن هناك مؤشرات قوية على أن هناك نظرة إلى الضفة الغربية لدى المهربين بأن تكون ممراً ومساراً لتجارة المخدرات.

وكشف تقرير جهاز الشرطة، قبل أيام، عن أن وسائل تهريب جديدة ظهرت مؤخراً قادمة من الخارج، كان آخرها تهريب حبوب (الكبتاغون) داخل أرجل طاولة بشحنة قادمة من تركيا، وأخرى بشحنة ملابس، وهذا يشكّل عبئاً آخر، وأسلوباً جديداً يجب مكافحته.

وأضاف العميد عليوي، في حديث خاص لـ “القدس العربي”، أن المشهد العربي، وما يجري في سوريا من واقع سياسي حوّلها إلى منطقة ذات ميوعة أمنية، وهو ما سبّب تفشي مجموعة من مظاهر الجريمة، ومن ضمن ذلك تجارة المخدرات.

وتابع: “كلنا تابعنا الجهد الأردني في ملاحقة تجارة المخدرات على الأراضي الأردنية، أما اليوم فنرى أن محاربة الكبتاغون وصلت إلى الضفة الغربية”.

ويسهب قائلاً: “التقارير الدولية تشير إلى أن مصانع المخدرات انتقلت من أوروبا الشرقية إلى الأراضي السورية، وهو أمر يشهد انعكاسات خطيرة على العالم العربي، بما في ذلك فلسطين بعد الأردن، ودول الخليج العربي أيضاً، التي تعيش حالة من الرفاهية”.

ويحذر العميد عليوي من أن جديد المهربين يشير إلى أنهم أصبحوا ينظرون إلى فلسطين على أنها مسار تهريب إلى جانب بيئة مستهلكة.

وعلق حول شحنة الكبتاغون قائلاً: “جزء من الشحنة من أجل الاستهلاك المحلي، أما القسم الأكبر منها فهو من أجل التهريب إلى قطاع غزة”.

وعلق بأن الشحنة التي تم ضبطها جاءت من تركيا، ومرت بموانئ، وتعرضت لإجراءات فحص أمنية، ومن ثم نقلت عبر حدود، ووصلت إلى الضفة الغربية، وكان من المخطط لها أن يعاد ترتيبها وشحنها لتمر بحدود وموانئ أخرى حتى تصل إلى قطاع غزة.

ويرى أنه لولا الجهد الاستخباري لدى دائرة مكافحة المخدرات والدقة العالية التي عملت بها فإن الشحنة ما كان لها أن تكتشف، حيث تم تعبئة المخدرات في أرجل طاولات خشبية.

ويشدد على أن الاحتلال يتهاون في الكشف عن المخدرات، وإلا كيف نفسر وصول الشحنة للضفة بعد أن مرت في ميناء حيفا، ومن ثم دخلت عبر الحدود للضفة، ومن ثم كان يراد لها أن تنقل عبر معبر ترقوميا في الخليل لتستقر في القطاع.

ويتوقع عليوي أن المهربين ينظرون للأراضي الفلسطينية على أنها منطقة سهلة أمنياً، وبالتالي يمكن أن تكون مساراً مهماً للتهريب في ضوء أننا دولة حديثة وتعاني من إجراءات أمنية بفعل الاحتلال.

ويضيف: “إذا رجعنا للخلف سنرى بوضوح أن هناك تراجعاً في محاولات التعامل مع الضفة الغربية على أنها مكان لاستنبات المخدرات عبر نقل المزارع التي يمولها يهود للضفة الغربية، وذلك عبر وسطاء فلسطينيين يحملون الهوية الزرقاء لتكون الحاضنة فلسطينيين في الضفة.

وأكد أن سنوات 2015 – 2017 كانت تعتبر ذات وتيرة عالية جداً في محاولات استنبات المخدرات في الضفة الغربية، أما السنوات 2020 – 2022 فقد شهدت انخفاضاً في هذه المحاولات بفعل الجهود الفلسطينية التي ما كان لها أن تسمح مطلقاً بهذا الأمر.

ويكشف أن الملاحظ أن هناك تحولاً في سياسات التجار في النظر للضفة الغربية، حيث أصبحوا ينظرون إليها على أنها مكان لتخزين المواد المخدرة، وهو ما تشير إليه الأرقام المعطيات في الأيام الأولى من عام 2023، وتحديداً في مناطق “ب” و”ج”.

ويرى أن مهمة الدائرة أن تقف حائلاً أمام تحقيق هدف تجار المخدرات، لئلا يجعلوا من الضفة معرضاً للمواد المخدرة.

وبحسب عليون فإن الجرح الكبير في ملاحقة المخدرات في فلسطين هو الاحتلال، ويضيف: “لا نقول ذلك من باب جعل الاحتلال شماعة، إنما من باب الحقائق حيث يفرض علينا عراقيل كبيرة جداً”.

ويرى أنه إلى جانب عدم سيطرة الفلسطينيين على المعابر والحدود، هناك مجموعة كبيرة من التضييقات والاقتحامات اليومية للبلدات ومراكز المدن الفلسطينية، وهي أمور تعرقل أداء المؤسسة الأمنية.

ويضيف: “تنشط خفافيش الليل في أوقات الاقتحامات، وتنتشر حيث يرتكبون مجموعة كبيرة من الجرائم إلى جانب المخدرات وترويجها.. فالاقتحامات تعتبر غطاء لتوسيع تجارة المخدرات، وهو أمر لا يمنح المؤسسة الأمنية هامشاً للحركة في ظل حركة تجار المخدرات”.

ويمنع اتفاق أوسلو 1993 عناصر الشرطة الفلسطينية من الوصول لمناطق إلا بوجود تنسيق إسرائيلي، وهو أمر يمنح المهربين والتجار “ملاذات آمنة”، بحسب العميد عليوي، حيث تعرض المخدرات وتنقل وتباع في مناطق كثيرة، وتحديداً في مدينة القدس التي تصنف على أنها منطقة ساخنة أمنياً.

وينتقد عليوي السياسة الإسرائيلية التي لا تفعل القوانين الدولية في مسألة مكافحة المخدرات، رغم أن المخدرات إن وصلت الضفة الغربية فإنها ستصل إلى اليهود أيضاً.

ويختم: “سياسات الاحتلال تهمل أن المخدرات إذا ما انتشرت في منطقة فإنها لن تقف عند حدود هذه المنطقة في ظل التداخل الجغرافي في أراضي فلسطين التاريخية”.

ورغم أن 90% من حالات ضبط المخدرات تعود لحالات تعاطٍ، إلا أن العميد يشير إلى أن الإجراءات القانونية المتخذة تجاه تجار المخدرات أصبح ذات عقوبات مغلظة. حيث هناك أحكام تصل إلى 25 عاماً للتجار، وذلك في ضوء قرار قانون 18 من عام 2015 وتعديلاته حيث أتاح التشدد في فرض العقوبات.

انخفاض ووعي أسرى

المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية العقيد لؤي ارزيقات قال إن الوقائع كلها تدلل على أن الاحتلال يسهل كل عمليات تجارة المخدرات، ويضرب الأمثلة على ذلك ما يجري داخل البلدة القديمة في مدينة الخليل، إلى جانب أن التهريب ونقل المخدرات يتم جوار معسكرات الجيش، وأمام مرأى من شرطة الاحتلال وجيشه.

وتعمل إدارة مكافحة المخدرات في ظروف معقدة، وخاصة التقسيمات الإدارية، ومنع الشرطة من العمل في العديد من المناطق وعدم سيطرتها على الحدود وشح الإمكانيات، لكنها، ورغم ذلك، عملت على تطوير ذاتها وإمكانياتها.

يوضح ارزيقات، في حديث لـ”القدس العربي”، أن هناك انخفاضاً عن الأعوام الماضية، وهو يعود لأن الجهود تركزت على التجار والمروجين والمزارعين، حيث ألقت الشرطة القبض على 180 شخصاً، وتم أخذ الإجراءات القانونية بحقهم، كما ألقي القبض على 16 شخصاً فارين من وجه العدالة ومحكومين غيابياً في قضايا تجارة المخدرات لمدة تراوحت من عشرة الى خمسة وعشرين سنة.

ويضيف: “التشديد في قضايا تجارة المخدرات والمحولة للقضاء، وصدور الأحكام العالية من قبل القضاء الفلسطيني، أدى إلى لجوء التجار والمروجين لترحيل الجريمة الى المناطق البعيدة والحدودية والنائية وإلى داخل أراضي الـ48”.

وتشير أرقام الشرطة إلى أن إدارة مكافحة المخدرات تعاملت على مدار عام 2022 مع 1718 قضية ضبط مخدرات تنوعت ما بين تجارتها، وترويجها، وزراعتها، وتوزيعها.

وبحسب المعطيات، كانت محافظة أريحا والأغوار، الأكثر تسجيلاً لهذه القضايا، والتي بلغت 241 قضية، بنسبة 14% من بين القضايا المسجلة لدى الإدارة (قضايا حيازة وتعاطٍ، ومن بين المضبوطين في هذه القضايا ممن يحملون الهوية المقدسية أو الزرقاء الذين يرتددون على أريحا للتنزه والاستجمام)، تلتها محافظة طولكرم، والتي سُجلت فيها 212 قضية، بنسبة بلغت 12% (قضايا تعاطٍ وحيازة، والمضبوطون في هذه القضايا ممن يحملون هوية إسرائيلية)، وبعدها جاءت بيت لحم وقلقيلية، بنسبة 11% لكل منهما، بينما كانت طوباس والأغوار الشمالية المحافظة الأقل تسجيلاً لهذه القضايا، بنسبة بلغت 2%.

وأشارت أرقام التقرير السنوي إلى أن إدارة مكافحة المخدرات قبضت على 1990 شخصاً من تجار ومروجي ومتعاطي المخدرات، وزارعي أشتالها، من بينهم 22 امرأة، وقد تم القبض على النسبة الأعلى منهم في محافظة  أريحا والأغوار، بنسبة 15% بواقع 296 شخصاً، تلتها محافظة طولكرم بنسبة 13% بواقع 255 شخصاً، وبعدها كانت رام الله والبيرة، بنسبة 12% بواقع 234 شخصاً، وبعدها قلقيلية وبيت لحم، بنسبة 11% لكل منهما، بواقع 209 أشخاص في كل محافظة، وجاءت سلفيت وطوباس والأغوار الشمالية كأقل المحافظات تم فيها القبض على أشخاص، بنسبة 2%، بواقع 41 شخصاً في كل محافظة منهما.

وأوضح ارزيقات بأن المقبوض عليهم في جرائم المخدرات على مدار العام من جميع الفئات العمرية، ولكن القضايا تركزت في الفئة العمرية ما بين 18-35 عاماً بنسبة 76%، تلتها الفئة العمرية ما بين 35- 45 عاماً، بنسبة بلغت 16%، وجاءت بعدها الفئة الأقل من 18 عاماً، بنسبة 5%، بينما حازت الفئة العمرية ما بين 45-55 عاماً على ما نسبته 2%، أما الفئة العمرية الأكثر من 55 عاماً فبلغت نسبتها 1%.

وفيما يتعلق بالمناطق السكنية، فقد أوضحت إحصائية إدارة مكافحة المخدرات أن البلدات كانت الأكثر تواجداً لمرتكبي جريمة المخدرات، وبلغ عدد الأشخاص المقبوض عليهم في هذه المناطق 981 شخصاً، تلتها المدن بعدد 807 أشخاص، والمخيمات كانت الأقل في تواجد هؤلاء الأشخاص، وبلغ عددهم 202 شخصاً.

وحول الكميات التي ضبطتها إدارة مكافحة المخدرات، فقد أشار العقيد ارزيقات بأنها ضبطت على مدار العام 87.49 كغم من مواد القنب الهندي والقنب المصنع، والحشيش 56.571 كغم من القات المخدر، كما ضبطت 2057 شتلة من أشتال المواد المخدرة، وأدوات لتعاطي هذه المواد، وكان عددها 1496 أداة مختلفة، وضبطت أيضا 7483 حبة مخدرة من كافة الأنواع.

وأوضح ارزيقات أن الإحصائية بينت بأنه لم يتم ضبط مشاتل ومستنبتات ومعامل بالمفهوم الواسع، سواء كان في أراض مفتوحة أو داخل المنازل (مختبرات)، وذلك بسبب ملاحقة المؤسسة الأمنية لهم خلال الأعوام السابقة، وتوجيه ضربات قاسية لهم، والقبض على تجار كبار وصدور الأحكام القضائية الرادعة التي كان لها أثر كبير في تراجعها.

وأشار ارزيقات إلى أن الانخفاض في عدد قضايا ضبط المخدرات التي سجلت هذا العام لا يعد مؤشراً على انخفاض المستهلكين والمتعاطين للمواد المخدرة وتنامي الطلب عليها، حيث اعتمد الكثير منهم على شراء المواد المخدرة من المناطق الحدودية والقريبة من جدار الفصل العنصري وأبراج المراقبة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي.

ختم ارزيقات مشدداً على أن هناك ثقافة قانونية واجتماعية بدأت تظهر في المجتمع الفلسطيني تمثلت بجرأة الأسرة في الإبلاغ عن أحد أفرادها لتعاطيه المخدرات، وبالتالي تُقدم الحماية له وللأسرة وللمجتمع، وقد سجلت إدارة مكافحة المخدرات عام 2022 بهذا الخصوص 64 بلاغاً، بينما كانت في العام الذي سبقه 47 بلاغاً، والتي تتعامل معها باستثناء وسرية شديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية