محمود الأزهري بعيدا عن بكاء فضيلة مفتي مصر د. علي جمعة يوم وفاة حفيد مبارك واتشاح مصر بالسواد حزنا مفروضا بقرار جمهوري فإن الشيخ كان يحظى باحترام أغلبية المصريين لدرجة أنه كان يُصَعِّب المسألة – يجعلها صعبة وبعيدة المنال – على متصيدي أخطاء المؤسسات الدينية الرسمية وذلك لجمع المفتي بين معرفة الفروع الفقهية وإطلاع على قواعد الأصول المفتقدة وأفق يملك القدرة على الإطلالة من النافذة على المستقبل ومع أسلوبه المهذب فقد سارت خطواته باطمئنان بعد الثورة كما كانت تسير قبلها.
إلا أن فضيلة المفتي فاجأ الجميع وعلى طريقة الأفلام التي لا ضابط لها من منطق ولا رابط لها من وعي وقد أوشكت على النهاية وتريد أن تصنع ‘قفلة’ ما لحدث مجهول لشد انتباه الجمهور وتأكيدا على نجاح فيلم جماهيري غير محدد الملامح، ومفاجأة المفتي تمثلت في زيارته للقدس الشريف عن طريق الأردن وليس عبر سيناء المحررة أو قطاع غزة المجاهد أو طائرات مصر العربية القوية أو عن طريق البراق الطاهر المقدس دون سابق إنذار أو تمهيد. ولا شك أن ما فعله فضيلة الشيخ المفتي خطأ وخطيئة معا، خطأ لأنه شق إجماعا وطنيا اتفق عليه كل المصريين – وكل العرب كما أتخيل ـ مسلمين ومسيحيين بعدم زيارة القدس وهي تحت الاحتلال ورفض كافة أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني ومع هذا الإجماع الوطني الذي يضم كافة التيارات والاتجاهات لن نكون بحاجة لآثار أو نصوص دينية تؤكد أو تدعم أو تعدل أو تشجب هذا الإجماع الوطني المتفق عليه، وذلك لسبب بسيط وهو أن الإجماع وقت صدوره كان مستندا إلى مثل تلك النصوص ومعززا بمثل تلك المرجعيات. وما فعله المفتي خطيئة لأنه يعطي شرعية لإستيلاء اسرائيل على مقدسات العرب والمسلمين. وليس عدم مقابلة المفتي لجندي اسرائيلي واحد دليلا على عدم وجودهم في دائرة وجود المفتي، أو وثيقة تنفي احتلالهم للأرض، أو برهانا على عدم ممارستهم للقتل. ويضفي عليها ستار التسامح الكاذب فهي استقبلت مفتيا ‘وحيدا’ وطردتْ ومنعتْ وسجنتْ الآلاف من أبناء القدس.
و يجب أنْ يدرك المفتي أن صلاته في القدس قد انطوتْ على سكوتٍ عن قول كلمة الحق والجهر بها حتى وإن حدثت للمفتي البركة بصلاته فهذا لا ينفي أن الساكت عن الحق شيطان أخرس.
و’تبرك المفتي’ بالأماكن المقدسة تضمن ‘تعاميا’عن منع صاحب البيت من بيته ناهيك عن سجنه واعتقاله وحالة اغتصاب البيت نفسه كفعل مستمر مسكوت عليه.
بعد عودة المفتي من زيارته المرفوضة وقف أمام الكاميرات ليلقي بيانا للصحافة والإعلام معلنا أن ما فعله تصرف شخصي لا علاقة لدار الإفتاء أو الأزهر أو المجلس العسكري أو نظام مبارك السابق أو الثورة به – أو هذا ما فهمته من ذلك المؤتمر الصحافي.
ثم ما الذي حدث؟ اختفى المفتي من الصورة تماما كما اختفى المستشار عبد المعز ابراهيم صاحب قضية التمويل الأجنبي لقد هاجتْ الدنيا في مصر بسبب تهريب الأمريكان في طائرة خاصة من مــطار القاهرة علانية وكان المستشار عبد المعز في زيارة لدولة خارجية وحين عاد أدلى ببيان للصحافة ثم اختفى وأنــــا لا أعرف هل ذهب في زيارة خارجية أخرى أم لا؟ والمفتي كذلك لا أعرف هل ذهب في زيارة لدولة خارجية التماسا للبركة بعد المؤتمر الصحفي أم لا؟ لقد ‘هاجت الدنيا’ في مصر والعالم العربي على زيارة المفتي للقدس وهذا أمر طبيعي ولا غرابة فيه، الغريب حقا هو السكوت الكامل عن الحدث بعد مرور أسبوع أو أكثر قليلا من الحدث الكارثة؛ ونظرة عميقة على مجريات الأحداث في مصر يمكن أن توحي لنا أن زيارة المفتي للقدس ربما تكون حلما أو خيالا وليست حقيقة وجِدتْ فعلا فلو كانت حقيقة لما قُدِّر لها أن تموت بمثل هذه السرعة. لقد آثرتُ ألا أكتب عن الحدث في وقته قلتُ في نفسي لأنتظر قليلا لعلي أرى من الذي يلعب في المشاهد – بفتح الميم ـ ومن الذي يعيد تشكيل السيناريو وما هو الحدث الذي أريد صرف انتباهنا عنه إلى غيره؟ طبعا زيارة المفتي أظهرتْ جزءا من المخزون النفسي الدفين للإخوان والسلفيين تجاه مؤسسات الدولة الدينية في مصر متغطية بقميص الوطن ومتمسحة بالإجماع ولكن هذا شيء ثانوي نتج عن الحدث وليس الهدف العميق له ولا يمكنني أن أتصور أن المفتي ساذج لدرجة قتل نفسه بيد الشعب في زمن الانفلات الأمني.
هل يستطيع المفتي دعوة الشعوب العربية والإسلامية للتوجه إلى القدس لتحريرها من يد السفاح المغتصب الصهيوني والإقامة الدائمة فيها وتمكين أهلها من ممارسة حياتهم الطبيعية وأداء العبادة في حرية كاملة والإشراف على كامل تراب القدس الشريف عاصمة دولة فلسطين؟ وليس فقط الدعوة لزيارة القدس يومين أو ثلاثة سياحة وترفيها؟
هل يمكن أن نحل لغز اختفاء فضيلة المفتي والمستشار عبد المعز إبراهيم؟ هل يمكن أن يظهرا مجددا أمام الناس حتى يعرف الناس ما الذي حدث؟ وهل يمكن أنْ يعاود الإعلام المرئي والمكتوب ومؤسسات توجيه الرأي العام الحديث عنهما؟ ‘ كاتب مصري