الواقع والتجريد في لوحات المغربية عائشة نجم الدين

يتضح أن القاعدة التشكيلية للفنانة التشكيلية عائشة نجم الدين هي فن تعبيري يقع بين الواقع والتجريد، باعتماد الكثافة والرمز والعلامات المختلفة، لتشكل نسيجا فنيا حين تتداخل الأشياء المنفصلة، سواء عبر اللون أو العلامات أو الرموز أو الخطوط. وعلى الرغم من تحقيق الانسجام في ما بينها، فإن ذلك يفضي إلى تلميح غامض. وبذلك تظل المقاربة مغمورة بكل سياقات المادة التشكيلية المشكلة للفضاء، وهي تتسم بوجود وشائج قائمة بين التشكيل والمضامين المتنوعة المرتبطة بالاستدراجات اللونية التي تعضدها الخطابات المخفية وراء حجب الكثافة. لتظل رهينة التأويلات المختلفة والقراءات المتعددة الناتجة عن تعدد الدال ووحدة المدلول.
وهذا ليس بغريب عن أعمال عائشة لأن البناء التشكيلي الشخوصي عموما يعتمد في جوهره على المادة المتصلة بالواقع، فتثبتها في الفضاء وفق خاصيات تشكيلية تعتمدها بصيغ فنية تجهز بها على المساحة، بإضافات جمالية تشكيلية، ورموز وعلامات تفصح عن خلجات ولواعج المبدعة، تنبثق من شعورها بطريقة فنية مغايرة، وبسحر تشكيلي متعدد الرؤى والدلالات، وبعلامات لونية، وأشكال وطرق تعبيرية متعددة القراءات.

وعملا بالقاعدة النقدية، فإن أعمال التشكيلية عائشة نجم الدين تتبدى فيها الجرأة، وهي تقارب ماهية العمل الفني الشخوصي الممزوج بعلامات ورموز وأشكال مختلفة بالمادة التجريدية إلى حد ما، الشيء الذي ينتج بعض التضارب بين قانون المنظور، والمنطق التشكيلي للفضاء الفني، وهو ما يفصح عن بعض الاختلال في المادة الفنية، ما يجعلها في حاجة ماسة إلى التوليف للتعبير بهذه المقاربة. لكن على الرغم من ذلك، فإن اكتساح المساحات، وتشكيل المكان وفق خاصيات تشكيلية منظمة، ينم عن عملية الأخذ من مجال تشكيلي صرف، بإضافة تصورات واجتهادات محمودة، إضافة إلى كون الأعمال تبدو مثقلة بالإيحاءات والرمزية، إن هذا التوافر يجعل من اللوحة بؤرة تعبيرية عن الواقع في سياقاته المختلفة. وتبدو الحركة من بين الأسس التي تسري أطيافها في شرايين أعمالها، ما يجعل منها أعمالا تفاعلية بأبعاد حقيقية ملموسة من الواقع. وهذا ليس بالأمر اليسير، فعملية بناء الفضاء على أنقاض الواقع بشكل مختلف يدفع الفنانة لأن تبرز المادة التشكيلية في شكل وجودي تتعمد من خلاله إشراك الحس الشعوري والعنصر البصري للقارئ، ما يكلفها الكثير من المهارة والتوظيف التقني الدقيق. وهو ما يتوفر في أعمالها على نحو من الجماليات التي تتوزع بين الشخوصات واللون، والظلال والضوء، والعلامات والرموز، والكتل والتركيبات، والتكوينات الهندسية، والمتكررات والمتشابهات على نهج الترجيع الموسيقي، ليبقى الموضوع مرتبطا بالشكل، لتتواصل المبدعة مع مادتها التشكيلية وفق رؤى تعبيرية تتخذ منها قنطرة فنية لصناعة جماليات تقوي بها الصفات الظاهرية لعالم الشكل داخل الفضاء، مع بسط نوع من الاختلاف بين مفردات المادة التشكيلية التي تولد عددا من الدلالات، والبؤر اللونية وصناعة الضوء، التي تؤطر المجال الجمالي.

فالإيقاعات اللونية والأشكال والرموز، كلها تشكل ثقلا فنيا دالا على معاني ترمي إلى تأويلات معينة، وتشكل مجالا جماليا يكسب العمل الفني حيوية ورشاقة، تروم به التعبير بعمق عما يخالج ذاتها، بل إن التفاعل التشكيلي مع كل العناصر المكونة لأعمالها يجهز على عالم المسموع إلى الصورة التشكيلية البصرية بأسلوب ذي قيمة تشكيلية وبلاغية، تحرر الفضاء من القيود وتصهره في اللون بقيمته المعاصرة، بل وتؤكد قدرتها على التطور في إطار التوظيف المكثف لعدد من العناصر الفارقية، بهدف تحقيق نوع من الإبداع المختلف.
وبذلك، فإن أعمالها تتعدى حدود الخيال بالمعايير الفنية الدقيقة، وتتبدى فيها اجتهادات تجعلها تظهر عامرة بالإيحاءات الدالة على مضامين معينة، بل على سيميولوجية ثقافية تستمد كينونتها من محيطها المحلي، وهي ترتقي بأسلوبها التشكيلي إلى صفوة الفن المعاصر، لتشرك المادة البصرية التي تشكلها عين القارئ بإبداعها الجديد، وفق معيار يتفاعل مع مناحي الجمال لتصنع داخل الفضاء مادة تشكيلية تستهدف الرؤية البصرية لإنتاج معان إضافية.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية